منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

“فقه الطوفان بين البشارة والنذارة: استبصار السنن في زمن التحولات”(20) تابع

عبد الغني منتصر

0

“فقه الطوفان بين البشارة والنذارة: استبصار السنن في زمن التحولات”(20) تابع

بقلم: عبد الغني منتصر

الفصل الرابع: جغرافيا الروح ومركزية الثغور

 

المبحث الثالت: ثغور الامة من الرباط الى غزة

1- فلسفة “الثغر” في الوعي الإسلامي: لماذا غزة هي “مرابط الخيل” الأخير؟

إنَّ مفهوم “الثغر” في المنهاج الإسلامي يتجاوز المعنى العسكري الضيق ليكون “موقفاً وجودياً” وحالةً من الاتصال الدائم بالخالق. فالثغر هو النقطة التي يلتقي فيها الحق بالباطل، وهو المكان الذي لا يُسمح فيه بالنعاس أو الغفلة. لقد أعادت غزة إحياء هذه الفلسفة بعد أن ظنَّ العالم أنَّ “الثغور” قد تلاشت في زمن العولمة والحدود المصطنعة. إنَّ غزة اليوم هي “الثغر الأعظم” للأمة، ليس لأنها تمتلك ترسانة عسكرية، بل لأنها تمتلك “يقين المرابطة” الذي يجعل من الفئة القليلة سداً منيعاً أمام جبروت المادة. إنَّ هذا الاصطفاء لغزة لتمثل “مرابط الخيل” الأخير هو تجسيد حي لحديث النبي ﷺ: لا تزال طائفة من أمتي على الدين ظاهرين، لعدوهم قاهرين، لا يضرهم من خالفهم إلا ما أصابهم من لأواء، حتى يأتيهم أمر الله وهم كذلك. قالوا: يا رسول الله، وأين هم؟ قال: ببيت المقدس وأكناف بيت المقدس.

إنَّ فقه الرباط يكشف أنَّ غزة قد حققت “السيادة الروحية” التي تسبق السيادة المادية؛ فالمرابط في غزة لا يدافع عن “شقة” أو “شارع”، بل يحرس “ثغور الأمة” بأكملها. إنَّ فلسفة الثغر تقتضي أن يكون المرابط غنياً عن الناس، مستغنياً بالله، وهذا ما رأيناه في غزة التي صمدت لعقدين من الحصار دون أن تنكسر إرادتها. لقد تحول “الرباط” في غزة من فعلٍ دفاعي إلى “منهاج حياة”؛ حيث أصبح الطفل والشيخ والمرأة والمهندس والمقاتل كلهم “مرابطون” في خنادقهم المتنوعة. إنَّ غزة هي “مرابط الخيل” الأخير لأنها البقعة التي رفضت “تدجين الوعي” وقررت أن تظل وفية لـ “ميثاق الوحي” في زمن الردة الحضارية والتبعية للمستعمر.

إنَّ اختيار غزة لتكون “ثغراً” هو اختيارٌ قدري يضعها في مقام “الأستاذية للأمة”؛ فمنها يُؤخذ فقه الثبات، ومن صمودها يُستمد تعريف “العزة”. لقد أثبتت غزة أنَّ الثغر ليس “جغرافيا مهملة” على الأطراف، بل هو “القلب الذي يضخ الكرامة” في جسد الأمة المترهل. إنَّ فلسفة الثغر في غزة تقوم على مبدأ: “إما نحن وإما هم”؛ وهي المعادلة التي لا تقبل المساومة على ثوابت العقيدة. إنَّ هذا الرباط الأسطوري هو الذي أحبط مؤامرات “تصفية القضية”، وأثبت أنَّ “الثغر” المحمي بالقرآن لا يمكن اختراقه مهما بلغت قوة القصف، مصداقاً لقوله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾.

ومن ثم، فإنَّ غزة قد أعادت للأمة تعريف “الأمن القومي”؛ فالأمن لا يتحقق بالتحالفات الهشة مع الأعداء، بل بـ “قوة الثغور” وصلابة المرابطين. إنَّ غزة كـ “مرابط خيل” أخير، قد سدت الثغرة التي تسلل منها الوهن إلى جسد الأمة، وأصبحت هي “خط دفاع الأول” عن وعينا، وتاريخنا، ومقدساتنا. إنَّ الرباط في غزة هو رسالة إلهية بأنَّ “الحق لا يموت ما دام له ثغرٌ يحميه”، وأنَّ انبعاث الأمة يبدأ من النقطة التي يرفض فيها الإنسان السجود لغير الله. إنَّ غزة اليوم هي “قلعة الرباط” التي تُعلم العالم أنَّ الحرية لا تُوهب، بل تُنتزع بصبر المرابطين ويقينهم، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ﴾.

2- انكسار “سايكس بيكو” النفسي: كيف وحدت الجراح ما فرقته الحدود؟

إنَّ أعظم انتصار معنوي حققته غزة في “طوفان الأقصى” هو نجاحها في هدم جدران “سايكس بيكو النفسية” التي زُرعت في عقول أجيال الأمة لعقود. فبينما كانت الحدود السياسية والأسلاك الشائكة تفصل بين الشعوب العربية والإسلامية، جاءت جراح غزة لتكون “الخيط الناظم” الذي ربط القلوب من جاكرتا إلى الرباط. لقد أثبت هذا الصراع أنَّ الأمة، رغم محاولات “تفتيتها” إلى قطريات ضيقة وقوميات متناحرة، لا تزال تمتلك “وحدة وجدانية” تنفجر عند ملامسة ثوابتها المقدسة. إنَّ شعور الشاب في أقصى المغرب بالوجع نفسه الذي يشعر به والده في غزة، هو إعلانٌ رسمي عن فشل مشروع “التجزئة الاستعماري”، وتجسيد حي لقول النبي ﷺ: مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى.

إنَّ هذا الانكسار النفسي يكشف كيف تحولت غزة إلى “مركز الصهر” الذي ذابت فيه الخلافات المذهبية والسياسية؛ فغدت قضية “الأقصى” هي المظلة التي يستظل بها الجميع. لقد راهن العدو ومن والاه على أنَّ “الاستفراد” بغزة سيجعلها وحيدة، لكنَّ “جغرافيا الروح” كانت أسرع من حساباتهم؛ فاندلعت الساحات، واشتعلت منصات التواصل، وتوحدت الهتافات بلغةٍ واحدة لا تعترف بجوازات السفر أو الأختام الرسمية. إنَّ غزة قد أعادت تعريف “الهوية”؛ فلم يعد التعريف بالانتماء لقطرٍ ما، بل بالانتماء لـ “خندق المواجهة”. هذا الانبعاث هو الذي حطم “الأنا القطرية” وأعاد للأمة مفهوم “الجماعة” التي ترى في استهداف غزة استهدافاً لمستقبلها وكرامتها، مصداقاً لقوله تعالى: ﴿إِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾.

إنَّ انكسار “سايكس بيكو” النفسي يتجلى في تحول غزة إلى “مصدرٍ للإلهام الشعبي” العابر للحدود؛ حيث أصبح “المنهاج الغزي” هو المعيار الذي تُحاكم به الشعوبُ أنظمتها. لقد سقطت هيبة الحدود عندما رأى المواطن العربي أنَّ “إرادة المحاصر” أقوى من “قدرة المدجج بالسلاح”، فحدثت خلخلة في بنية التبعية. إنَّ الدماء الطاهرة التي سالت في غزة قد سقت “شجرة الولاء والبراء” في قلوب الأمة، فصار الولاء للحق وأهله، والبراء من الباطل وأعوانه، هو المحرك الفعلي للجماهير. هذا “التلاحم العضوي” هو الذي يرعب المنظومة الاستعمارية؛ لأنه يعني أنَّ الأمة قد استعادت “ذاكرتها التاريخية”.

3- تحول الأمة من “التعاطف السلبي” إلى “الشراكة الجهادية”

إنَّ أعظم ما أنجزه “طوفان الأقصى” على صعيد الوعي الجمعي هو إنهاء عصر “التعاطف السلبي” الذي كان يكتفي فيه الفرد بدور المتفرج الباكي على الضحية، ليدخل بالأمة في عصر “الشراكة الجهادية الشاملة”. لقد أدرك الإنسان المسلم، في مشارق الأرض ومغاربها، أنَّ غزة لا تقاتل عن نفسها فحسب، بل هي “رأس الحربة” في معركةٍ وجودية تخصه هو في دينه، ووعيه، ومستقبل أبنائه. وبناءً عليه، حدث تحولٌ بنيوي في مفهوم “النصرة”؛ حيث أصبح كل فردٍ يرى في نفسه “ثغراً مستقلًّا” يجب ألا يُؤتى الإسلام من قبله. إنَّ هذه “الشراكة” تكشف عن ظهور جبهاتٍ قتالية “غير تقليدية” قادتها الشعوب باقتدار:

  • كالمقاطعة الاقتصادية: التي لم تعد مجرد احتجاج، بل أصبحت “سلاحاً سيادياً” يحطم أركان الشركات الداعمة للاحتلال، ويُعيد بناء اقتصاد الأمة المستقل.
  • الجهاد الرقمي والمعلوماتي: حيث تحول ملايين الشباب إلى “جيوش إلكترونية” تكسر الرواية الصهيونية، وتخترق حصون الإعلام الغربي، وتصدر “منهاج المقاومة” بكل اللغات.
  • الاشتباك المعرفي والثقافي: الذي أعاد الاعتبار للمصطلحات الشرعية والتاريخية، وأسقط لغة “السلام المذل” لصالح لغة “التحرير والسيادة”.

إنَّ هذا التحول جعل العدو يدرك أنه لا يواجه “فصيلاً” في بقعة معزولة، بل يواجه “أمةً مستنفرة” ترى في كل جهدٍ تبذله سهماً في صدر المحتل، مصداقاً لقوله عز وجل: ﴿وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَّيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُم بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ﴾.

لقد نجحت غزة في نقل الأمة من “عقلية الضحية” إلى “عقلية الفاعل”؛ فالفرد الذي كان يشعر بالعجز أمام شاشات التلفاز، أصبح اليوم يبحث عن “ثغره” الخاص ليحميه. المهندس في مصنعه، والطبيب في مشفاه، والكاتب بقلمه، والطالب في جامعته؛ كلهم استشعروا أنهم في حالة “اشتباك مستمر”. هذه الروح الجهادية الشاملة هي التي حطمت إستراتيجية “الاستفراد” التي مارسها العدو لسنوات. لقد تحولت الأمة إلى “جسدٍ واحد” لا يكتفي بالتداعي بالسهر والحمى، بل يتحرك بأطرافه كلها لصد العدوان. إنَّ هذا “النفير العام” في الوعي هو الضمانة الحقيقية لحفظ ثمار الطوفان، وهو الذي يحول الانتصارات العسكرية الصغيرة إلى “تحولات تاريخية كبرى”.

وبناءً على ذلك، فإنَّ “الشراكة الجهادية” قد أعادت للأمة “ثقتها في قدرتها على التغيير”؛ فلم يعد التحرير مرهوناً بقرارات القمم أو الأنظمة، بل أصبح “مشروعاً شعبياً” يساهم فيه الجميع. إنَّ غزة قد فجرت طاقاتٍ كامنة في جسد الأمة، وأثبتت أنَّ “الجهاد” هو المحرك الفعلي للتاريخ، وهو الوسيلة الوحيدة لاستعادة السيادة المسلوبة. إنَّ كل فردٍ في الأمة اليوم هو “مرابطٌ على ثغر”، وهذا الترابط الوجداني والعملي هو الذي سيصنع “الكتلة الحرجة” اللازمة للفتح الأكبر. إننا نعيش زمن قوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ﴾؛ حيث البرُّ هو نصرة المظلوم، والتقوى هي الإعداد ليوم اللقاء، لتظل غزة هي القبلة التي تُصحح مسار العمل الإسلامي وتدفعه نحو غاياته العظمى.

4- “غزة” نموذجاً للنهضة الشاملة: كيف نُعمم المنهاج؟

إنَّ غزة لم تكن مجرد ساحة قتال، بل كانت “مختبراً حضارياً” مكثفاً قدم للأمة الإجابة العملية على سؤال: كيف ننهض من تحت الركام؟ إنَّ “تعميم المنهاج الغزي” يعني نقل التجربة من “خندق المقاومة” إلى “ميدان الحياة” بكافة تفاصيله. فغزة التي صنعت سلاحها من مواسير الصرف، وطورت طائراتها المسيرة تحت الحصار، وأدارت شؤونها الاجتماعية في أحلك الظروف، قدمت “نموذجاً في الاكتفاء الذاتي الإبداعي” يتحدى كل نظريات الاقتصاد والتبعية. إنَّ تعميم هذا المنهاج يبدأ من الإيمان بقوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ﴾؛ حيث “ما استطعتم” هي دعوةٌ مفتوحة لكل أمةٍ محاصرة لابتكار قوتها من “العدم المادي” ومن “فيض اليقين”.

إنَّ بناء هذا النموذج النهضوي يكشف عن ركائز ثلاث يجب تعميمها في عواصم الأمة:

  • أولاً: استقلال الإرادة عن المركزية الغربية: غزة تحررت نفسياً ومعرفياً من التبعية للغرب قبل أن تتحرر ميدانياً؛ لذا فإنَّ أي نهضة قادمة للأمة يجب أن تبدأ بتفكيك “عقدة النقص” أمام النموذج المادي الغربي، والاعتماد على الذات في الصناعة، والزراعة، والبحث العلمي.
  • ثانياً: التربية بالقرآن والرباط: إنَّ سرَّ قوة غزة هو “المنهاج التربوي” الذي بنى الإنسان قبل أن يبني السلاح. تعميم هذا يعني إعادة بناء مؤسساتنا التعليمية والتربوية لتخرج أجيالاً “قرآنية” تملك “روح المرابط” في تخصصاتها العلمية والمهنية.
  • ثالثاً: إدارة الأزمات بروح التكافل: غزة علمتنا أنَّ المجتمع المتماسك أخلاقياً لا يسقط إدارياً. إنَّ تعميم منهاج “الجسد الواحد” في إدارة مواردنا واقتصادنا هو الكفيل بحماية الأمة من الابتزاز الدولي.

إنَّ غزة هي “البرهان الساطع” على أنَّ الإمكانات المحدودة ليست عائقاً أمام الغايات العظمى إذا وُجد “المنهاج الصحيح”. إنَّ تعميم تجربة غزة يعني تحويل كل عاصمة في الأمة إلى “ثغرٍ منتج” لا ينتظر معونات الغرب ولا يخشى حصاره. إننا مدعوون اليوم لنقل “روح الابتكار” التي تجلت في أنفاق غزة إلى مصانعنا ومزارعنا وجامعاتنا. إنَّ “عصر المنهاج” الذي دشّنه الطوفان يفرض علينا التخلي عن “النهضة الورقية” والانتقال إلى “النهضة الميدانية” التي تزاوج بين “العلم” و”الإيمان”، محققةً قوله سبحانه: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾.

وبناءً على ذلك، فإنَّ غزة ليست “حالة إنسانية” نبكي عليها، بل هي “خارطة طريق” نسير خلفها. إنَّ انبعاث الأمة يبدأ من النقطة التي تدرك فيها أنها تملك من المقومات الروحية والبشرية ما يجعلها “القطب القادم” في قيادة البشرية. لقد فضحت غزة زيف “النظام العالمي القديم” وفتحت الباب أمام “نظام إسلامي ناهض” يقوم على العدل والقوة والسيادة. إنَّ تجربة غزة هي الرسالة الإلهية للأمة بأنَّ الفجر لا يبزغ إلا بعد اشتداد الظلمة، وأنَّ النهضة ليست هبةً من أحد، بل هي ثمرة “الرباط والجهاد والإعداد”، كما وعد عز وجل: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾. وغزة قد غيرت ما بأنفسنا، فحق لها أن تكون “إمام” النهضة القادمة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.