الحلقة 19: فقه تنزيل الأحكام في السيرة النبوية وعمل الصحابة؛ دراسة أصولية تطبيقية
ذ. محمد الغالي
الحلقة 19: فقه تنزيل الأحكام في السيرة النبوية وعمل الصحابة؛
دراسة أصولية تطبيقية
بقلم: ذ. محمد الغالي
فقه الصحابة في مراعاة القواعد العامة في تنزيل الأحكام
تقديم:
تعتبر القواعد العامة المتفرعة عن أصل العمل بالمآل الداعم الأساسي والمساند الأول لتنزيل الحكم، لأنها تنظر إلى مآلات الأفعال وإلى نتيجة تنزيل الحكم وثمرة تطبيقه، بما يحقق في المستقبل من نتائج موافقة لمقاصد التشريع.
وفقه التنزيل بمراعاته لهذه القواعد يكون قد وضع خطة للحفاظ على حسن تنزيل أحكام الشريعة على واقع الناس ويحقق للخلق مصالحهم. والصحابة رضي الله عنهم كانوا مدركين لأهمية العمل بهذه القواعد عند التطبيق، وما تقوم به باعتمادها على الأدلة الشرعية وارتباطها بمآلات الأفعال.
وسنقف على هذه القواعد في فقه التنزيل معززة بتطبيقات الصحابة للأحكام؛
المطلب الأول: أهمية سد الذرائع وفتحها في فقه التنزيل عند الصحابة.
إن الأصل في اعتبار سد الذرائع هو النظر إلى مآلات الأفعال، وما تنتهي في جملتها إليه، هو منهج في الاستنباط الفقهي للوقوف على أحكام النوازل والوقائع، بشرط ألا يؤدي تطبيقه إلى مفاسد أخرى أربى من المفاسد المتوقعة من إهماله. فإن كانت تلك الأفعال تتجه إلى المصالح التي هي المقاصد والغايات من معاملات الناس بعضهم من بعض كانت مطلوبة بمقدار يناسب طلب هذه المقاصد. وفتح الذرائع هو كذلك داخل في باب الموازنة بين المصلحة والمفسدة ورجحان المصلحة[1].
وهذا مما يؤكد أهمية فتح الذرائع وسدها بشكل عام، في التنزيل للأحكام، للحفاظ على سلامة تطبيق الشريعة بشكل صحيح يحقق مقاصدها، ويوثق الأصل العام الذي قامت عليه الشريعة من جلب المصالح ودرء المفاسد، وذلك “لأنه يمنع الافتئات على مقاصد الشريعة عن طريق غير مباشر، وذلك باتخاذ وسيلة مشروعة في الظاهر، لتحقيق غرض غير مشروع، أو بإفضائها بذاتها إلى مآل ممنوع في ظروف معينة، ولو لم يتوفر الباعث على ذلك؛ إذ العبرة بالواقعية المادية في ذاتها”[2]. وهذا مبدأ قامت عليه نظرية التعسف في استعمال الحق.
ولما كان باب سد الذرائع أحد أرباع التكليف- كما يقول ابن القيم- فإن العمل بهذا الأصل “مما يحرك الفقه الإسلامي وينقله من مناسبة القديم ومعاصرته، إلى مناسبة الواقع ومناصرته. بما يضعه من خطط علاجية وقائية، والتي تُنتج تنزيلا للأحكام بما يناسب مع ما يتحقق من مصالح تنشأ من تنزيل الحكم، ويدرأ من مفاسد تُدفع من خلال منع تنزيل الحكم”[3]. وفي هذا الأصل يُراعي المجتهد التنزيل والتطبيق والثمرة أكثر من النوايا، لأن النظر منصب إلى النتائج والثمرات، وهكذا كان فقه الصحابة رضي الله عنهم من خلال تطبيقاتهم العملية لسد الذرائع وفتحها.
– فقد قام الصحابة بأعمال كثيرة حماية للدين والشريعة مما يمكن أن يلحق بهما من فساد محتمل، ولذلك سارعوا إلى جمع القرآن خشية عليه من الزوال أو الاختلاف والفتنة، ونهوا عن كتابة غير القرآن معه مخافة الاختلاط. كما آثروا الاعتدال في رواية السنة خوفا من انشغال الناس برواية الحديث عن القرآن، يقول عمر بن الخطاب في معرض نصيحته لسفرائه إلى الأمصار: “إنكم تقدمون على قوم للقرآن في صدورهم هزيز كهزيز المرجل، فإذا رأوكم مدوا إليكم أعناقهم وقالوا: أصحاب محمد، فأقلوا الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا شريككم”[4]. وقد فسر ابن عبد البر[5] قول عمر هذا بتعلقه بقوم لم يكونوا أحصوا القرآن، فخشي عليهم الاشتغال بغيره عنه، إذ هو الأصل لكل علم.
والشاهد عندنا هو أن اعتماد الصحابة في ذلك على أصل سد الذرائع، كان بسبب خوفهم الشديد على أصول الدين من التدليس والتحريف.
وحتى لا يؤدي الحكم إلى تعسف في التنزيل للنصوص، حكم الصحابة بالإرث للمطلقة في مرض الموت، يقول ابن القيم: “إن السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار ورثوا المطلقة المبثوثة في مرض الموت، حيث يُتهم بقصد حرمانها الميراث بلا تردد إن لم يقصد الحرمان، لأن الطلاق ذريعة”[6].
كما أوقف الصحابة وقف قطع يد السارق عام المجاعة، زمن أمير المؤمنين عمر، وقتلوا الجماعة بالواحد، لأن اتخاذ الاستعانة والاشتراك ذريعة إلى السعي بالقتل إذا علم أنه لا قصاص فيه. وألزم عمر ومن وافقه من الصحابة بالطلاق الثلاث إذا جمعوها، ليكفوا عنه إذا علموا أن المرأة تحرم به، وأنه لا سبيل إلى عودتها بالتحليل.
ولما تغيرت الأحوال وبعُد الناس عن السنة، وراج سوق التحليل، يرى ابن القيم أن المصلحة تقتضي الرجوع إلى إيقاع الثلاث طلقة واحدة، لأن الناس اتخذوا إيقاعه ثلاثا ذريعة بانتشار مسألة التحليل، وهو الزواج من المطلقة بقصد تحليلها لمطلقها[7].
وروى ابن ماجة أن “أبا هريرة لقي امرأة متطيبة تريد المسجد فقال لها: يا أمة الجبار أين تريدين؟ قالت: المسجد، قال: وله تطيبتِ؟ قالت نعم، قال: فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: أيما امرأة تطيبت ثم خرجت إلى المسجد لم تقبل لها صلاة حتى تغتسل”[8]. لأن ذلك ذريعة إلى ميل الرجال وتشوفهم إليها، فإن الرائحة والزينة تدعوان إلى ذلك، فنهاها الرسول صلى الله عليه وسلم عن التطيب سدا للذريعة وحماية من المفسدة.
وقد ذكر ابن القيم[9] تسعة وتسعين دليلا وتطبيقا لسد الذرائع، موافقة لأسماء الله الحسنى التي من أحصاها دخل الجنة.
– أما الأمثلة على فتح الذرائع فلا قدرة لنا على إحصائها، كما أنه لا يمكن التغافل عنها في التنزيل، لأنه بسد الذرائع وفتحها يكون التكامل في النظيرية التنزيلية، من غير طغيان جانب على آخر، لأن فقه التنزيل “يسير بخط مستقيم، بداية نقطته إنزال ذلك الأمر الشرعي على المكلف من غير إهمال ما تقرر في بداية الخط، لأنه مرتبط به”[10].
وقد ذكر العز بن عبد السلام[11] مجموعة من الأمثلة، منها: إجازة التلفظ بكلمة الكفر بالحكاية أو الإكراه، إذا كان قلب المُكرَه مطمئنا بالإيمان، وجواز نبش الأموات من أجل مصلحة التغسيل، وجواز الكذب للإصلاح بين الناس، أو حسن معاشرة الزوجة، وكذلك شق جوف المرأة من أجل حياة الجنين، والحجر على المريض فيما زاد على الثلث لمصلحة الورثة…وغير ذلك.
ومن ذلك تقديم مصلحة عامة عن مصلحة خاصة تغليبا للمصلحة على المفسدة؛ عن رافع رضي الله عنه قال: “وجه عمر بن الخطاب جيشا إلى الروم وفيهم رجل يقال له عبد الله بن حذافة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فأسره الروم، فذهبوا به إلى ملكهم، فقالوا إن هذا من أصحاب محمد، فقال له الطاغية: هل لك أن تتنصَّر وأشركك في ملكي وسلطاني، فقال له عبد الله: لو أعطيتني جميع ما تملك وجميع ما ملكته العرب على أن أرجع عن دين محمد صلى الله عليه وسلم طرفة عين ما فعلت، فصلبوه وعذبوه، هو ومن معه من أسرى المسلمين ولا يرده ذلك عن دينه شيئا. فلما رآه الطاغية ثابتا على دينه عرض عليه تقبيل رأسه ويخلي سبيله، قال عبد الله: وعن جميع أسارى المسلمين؟، قال ملك الروم: وعن جميع أسارى المسلمين، قال عبد الله: فقلت مع نفسي عدو من أعداء الله أقبل رأسه يخلي عني وعن أسارى المسلمين لا أبالي؛ فدنا منه وقبل رأسه، فدفع إليه الأسارى، فقدم بهم على عمر، فأخبره خبره، فقال عمر بن الخطاب: حق على كل مسلم أن يقبل رأس عبد الله بن حذافة، وأنا أبدأ، فقام عمر فقبل رأسه”[12]. رضي الله عنهم أجمعين.
فثبات المؤمن على دينه أمر مطلوب ولو أدى ذلك إلى قتله، لأن تقديم حفظ الدين عن حفظ النفس؛ مقصد شرعي، لكن عندما كان الأمر هو تحقيق مصلحة عامة وهي إطلاق أسرى المسلمين مقابل مفسدة خاصة وهي تقبيل رأس كافر إرضاء لغروره، فإن إطلاق هذه الذريعة وفتحها تجوز لتحقيق المصلحة العامة والمقصد الأهم، وهو حفظ حياة باقي الأسرى. وذلك ليحصل المقصود من التنزيل، وتسير الشريعة على وفق قانونها المقاصدي؛ مع اعتبار المآل عبر قاعدة الذرائع فتحا وسدا، وتنزيل الأحكام على وفق هذا معتبر في فقه الصحابة، كما هو معتبر في الشرع عند تطبيق الأحكام.
المطلب الثاني: أثر الاستحسان في فقه التنزيل عند الصحابة:
إن تطبيق وتنزيل القواعد العامة على كل الحالات من غير مراعاة لمستثنياتها، يؤدي إلى الحرج ويوقع المكلفين في المشقة، والعمل بالاستحسان يُعد من مستثنيات القواعد العامة، وعدم مراعاة ذلك من قبل المجتهد التنزيلي يقوده إلى مخالفة المقاصد ويعد اجتهاده باطلا، يقول مالك: “تسعة أعشار العلم الاستحسان”[13]. ويذهب الشاطبي إلى أن “الاستحسان غير خارج عن مقتضى الأدلة، إلا أنه نظر إلى لوازم الأدلة ومآلاتها”[14]؛ وهي النظر إلى الجانب التنزيلي من هذه الأدلة.
ولهذا لم يكتف الشاطبي[15] رحمه الله بالإقرار العام برجوعها إلى أصل اعتبار المآل، بل ذكر أن القرض وبيع العرية والجمع بين المغرب والعشاء بالمطر، وجمع المسافر، وقصر الصلاة، والفطر في السفر الطويل، وصلاة الخوف، وكل الرخص من هذا القبيل ترجع إلى اعتبار المآل في تحصيل المصالح أو درء المفاسد على الخصوص، لأنها استثناء من أدلة عامة يؤدي إجراؤها على عمومها إلى إبطال ما نيط بها من المصالح، فكان من الواجب تخصيص عموم الأدلة باعتبار المآل.
ويرى الدريني[16] أن الإستحسان -الاستثناء- هو منهج أصولي متبع انتهجه الصحابة والتابعون من بعدهم، منهج يهدف إلى تنزيل قواعد الشريعة من أفقها النظري المحض إلى الواقع العملي من حياة الناس، بغية المواءمة بينهما على نحو يدرأ المفسدة عنه، أو يجلب المصلحة، حاضرا ومستقبلا.
ولعل جوهر فكرة الاستحسان هو النظر إلى ما يترتب على تطبيق حكم ما، فإذا كان لا يحقق مقاصد المشرع لظرف ما، يعدل عنه إلى حكم آخر محققا للمقاصد ومراعيا لمصالح المكلفين “فأي اجتهاد في تنزيل قواعد الشريعة على واقع الحياة، يترتب عليه فوات المصلحة وحدوث مفسدة فإنه يعدل عنه إلى اجتهاد آخر، يحقق المصلحة ويرفع الضرر”[17].
لأن فقه تطبيق الحكم يتحرك وفق قوة الأثر المطابق للتشريع عند التنزيل- كما يصرح بذلك الإمام السرخسي[18]– ومثال ذلك عدم جواز النظر للمرأة الأجنبية. لكن بقاء هذا الحكم على حاله يؤدي إلى مشقة بالناس غير مقصودة من الشارع في تشريعه لهذا الحكم، فكان الاستحسان بإباحة النظر إلى المرأة التي لا يجوز النظر إليها، للحاجة الضرورية، كحاجة الخطبة أو التطبيب أو معاملة أو شهادة.
ومن تطبيقات الصحابة للاحسان في فقه التنزيل:
أ- تضمين المؤتمنين والصناع:
معلوم أن الأصل العام هو عدم تضمين الأمين، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:”لا ضمان على مؤتمن”[19]، وقال عليه الصلاة والسلام: “من أودع وديعة فلا ضمان عليه”[20]، لكن بعض الصحابة رضوان الله عليهم اتفقوا على تضمين الصناع. قال الشاطبي: “واتفاق السلف على تضمين الصناع مع أن الأصل فيهم الأمانة”[21]. وروي أن عمر بن الخطاب ضمن المودع بخلاف مقتضى الأحاديث السابقة، فعن أنس رضي الله عنه قال: “استحملني رجل بضاعة، فضاعت من بين ثيابي، فضمنني عمر بن الخطاب”[22]، وضمن علي بن أبي طالب كذلك الغسال والصباغ، لأنه لا يصلح للناس إلا ذلك، لما فيه من حفظ أموال الناس من الضياع، وتحفيز الناس على حفظ الأمانات.
وقد أشار الشاطبي[23] إلى أن الخلفاء الراشدين قضوا بتضمين الصناع بسبب تغير الأحوال والظروف التي يكون الناس فيها أقرب إلى الاستقامة، وحفظ الأمانات. ولجوء الصحابة إلى الاستثناء من الأصل العام، سببه حفظ المقاصد الشرعية عند التنزيل للأحكام، وكل هذا نظر إلى المآلات.
ب- الصحابة والمقارضة:
والقراض هو تمكين مالٍ لمن يتجر به بجزء من ربحه لا بلفظ الإجارة[24]. وقد رُخص فيه بالرغم من مخالفته للقياس، قال ابن رشد الحفيد: “ولا خلاف بين المسلمين في جواز القرض، وأنه مما كان في الجاهلية فأقره الإسلام”[25]. ولا أدل على جوازه من عمل الصحابة بهذا المبدأ وهم القدوة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
أخرج مالك عن زيد بن أسلم، عن أبيه أنه قال: “خرج عبد الله وعُبيد الله ابنا عمر بن الخطاب، في جيش إلى العراق، فلما قَفَلَا، مرَّا على أبي موسى الأشعري، وهو أمير البصرة، فرحب بهما، وسهَّل، ثم قال: لو أقدر لكما على أمر أنفعكما به لفعلت، ثم قال: بلى ها هنا مال من مال الله، أريد أن أبعث به إلى أمير المؤمنين، فأسلفكماه، فتبتاعان به متاعا من متاع العراق، ثم تبيعانه بالمدينة، فتؤديان رأس المال إلى أمير المؤمنين، ويكون الربح لكما، فقالا: وددنا ذلك، ففعل، وكتب إلى عمر بن الخطاب: أن يأخذ منهما المال. فلما قدما باعا فأُربِحا، فلما دفعا ذلك إلى عمر، قال: أكلُّ الجيش أسلفه مثل ما أسلفكما؟ قالا: لا، فقال عمر بن الخطاب: إبنا أمير المؤمنين فأسلفكما! أديا المال وربحه، فأما عبد الله فسكت، وأما عبيد الله فقال: ما ينبغي لك يا أمير المؤمنين هذا، لو نقص هذا المال أو هلك لضمناه، فقال رجل من جلساء عمر: يا أمير المؤمنين: لو جعلته قِراضًا، فقال عمر: قد جعلته قراضا، فأخذ عمر رأس المال، ونصف ربحه، وأخذ عبد الله وعبيد الله ابنا عمر بن الخطاب نصف ربح المال”[26]. ومثل ذلك جواز العمل عند الصحابة بالإجارة[27] والمساقاة[28] والعرايا والاستصناع[29].
ج- الاستحسان في واقعة الزبية[30]، وقضية الواقصة[31]:
ومن هذا القبيل ما كان من قضاء علي بن أبي طالب في واقعة الزبية، فقد أخرج الإمام أحمد عن علي بن أبي طالب، قال: بعثني النبي إلى اليمن، فأزبى قبائل الناس زبية الأسد، فأصبحوا ينظرون إليه وقد وقع فيها، فتدافعوا حول الزبية، فخر فيها رجل، فتعلق بالذي يليه، وتعلق آخر بآخر، حتى خرّ فيها أربعة رجال، فجرحهم الأسد، فتناوله رجل برمح فطعنه، فأُخرج القوم منها؛ فمنهم من مات فيها، ومنهم من خرج منها وهو حي فماتوا كلهم، فقالت قبائل الثلاثة لقبيلة الأول: هاتوا دية الثلاثة، فإنه لولا صاحبكم لم يسقطوا في البئر، فقالوا: إنما تعلق صاحبنا بواحد، فنحن نؤدي دية واحد، فاختلفوا حتى أرادوا القتال بينهم، فسرح رجل منهم إلي، وهم غير بعيدين مني، فأتيتهم فقلت: تريدون أن تقتلوا أنفسكم ورسول الله صلى الله عليه وسلم حي، وأنا إلى جنبكم!! إني قاضٍ بينكم بقضاء فإن رضيتموه فهو نافذ بينكم، وإن لم ترضوه فهو حاجز بينكم، فمن جاوزه فلا حق له، حتى نأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو أعلم بالقضاء مني، فرضوا بذلك. قال علي: فأمرتهم أن يجمعوا دية تامة من الذين شهدوا البئر- يعني الذين ازدحموا- ونصف دية، وثلث دية، وربع دية؛ فقضيت أن يعطى للأسفل ربع دية، من أجل أنه هلك فوقه ثلاثة، ويعطى الذي يليه الثلث، من أجل أنه هلك فوقه إثنان، ويعطى الذي يليه النصف، من أجل أنه هلك فوقه واحد، ويعطى الأعلى الذي لم يهلك فوقه أحد الدية. فمنهم من رضي، ومنهم من كره[32]. فلما جاءوا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وقصوا عليه القصة، أجاز قضاء علي رضي الله عنه، قال ابن القيم: “إن رسول الله أقر قضاء علي، وفرض هذه الديات على القبائل الذين ازدحموا على الزبية”[33].
وقد اختلف الفقهاء في تعليل هذا الحكم، إلا أن التوجه السليم الذي يستقيم له النظر هو ما نبه عليه الإمام الشوكاني[34] بأن الأسباب المباشرة التي يصح أن يضاف إليها الهلاك في مسألة الزبية ثلاث: الأول: الانزلاق والتردي في الحفرة. والثاني: وقوع المتردين بعضهم فوق بعض. والثالث: فعل الأسد.
وأشار ابن القيم “أن ما قضى به علي أدق وأفقه، لأن الحاضرين ألجأوا الواقفين بمزاحمتهم لهم، فعواقلهم أولى بحمل الدية من عواقل الهالكين، وأقرب إلى العدل من أن يجمع عليهم بين هلاك أوليائهم وحمل دياتهم، وهذا أصل شرع حمل العاقلة الدية جبرا للمصاب وإعانة له”[35].
– وقضية أخرى شبيهة بهذه، حكم فيها علي بن أبي طالب أيام كان في اليمن على هذا النحو، فقد روى عامر الشعبي “عن علي أنه قضى في القارصة والقامصة والواقصة بالدية أثلاثا”[36]؛ فقد ذكر أن ثلاث جوارٍ كُنَّ يلعبن، فركبت إحداهن على عنق الأخرى، فجاءت الثالثة فقرصت المركوبة، فانتفضت فوقعت الراكبة فاندقت عنقها وماتت. فلما رفعت القضية إلى علي بن أبي طالب حكم بثلثي دية القتيلة على عاقلتي الأخريين، من حيث إن هلاكها مضاف إلى ثلاثة أسباب. وقد ألغى ثلث الدية الذي يقابل فعلها؛ فإنها قد أعانت على قتل نفسها بركوبها على عنق صاحبتها، وهو حكم وجيه وفي غاية الاعتدال والقوة[37].
– والأمثلة على قوة أثر الاستحسان في فقه الصحابة أكثر من أن تحصى: فقد حكموا بإرث المرأة التي طلقها زوجها في مرض موته مع أن الأصل انتهاء الإرث بانتهاء العلاقة الزوجية، لزوال الموجب للميراث، وهو الزوجية. كما أفتوا بمشاركة الإخوة لأم في سهمهم من الميراث في المسألة المشتركة[38]، مع أن الأصل المقرر، هو أن العاصب لا يرث إلا بعد استيفاء أصحاب الفروض فرائضهم. كما رخصوا للحائض قراءة القرآن بالتلفظ، وحمل المصحف لقصد التعليم، قال ابن رشد: إجازة قراءة القرآن للحائض استحسان، وهو مذهب مالك[39].
وبالجملة فإن هذه الأحكام وغيرها صدرت من الصحابة تطبيقا لمبدأ الاستثناء بناء على ما اقتضته المصلحة، وهو مما يصدق عليه حد الاستحسان. وقد عمل الأئمة والمجتهدون بعدهم حتى زماننا بالاستثناء ويسمونه استحسانا. وبذلك يكون الاستحسان “قد قدم حلا لأهم مشكلة من مشكلات تطبيق الشريعة الإسلامية في هذا العصر، وهي مشكلة التوفيق بين مقتضيات الواقع المعاصر، ومقتضيات الالتزام بأحكام الشريعة”[40]. وهكذا يمكن القول أن الاستحسان هو الأصل الفعال لتحريك فقه الاستثناء عند تنزيل أحكام الشريعة في زمن الاستثناء.
المطلب الثالث: الحيل وأثرها في فقه التنزيل عند الصحابة.
اختلفت استعمالات العلماء وتعريفاتهم لمصطلح الحيل، وأغلبهم يقيد الحيلة بما يتوصل به إلى المحظورات الشرعية، ومن هذا النوع قول ابن تيمية: “الحيلة أن يقصد سقوط الواجب، أو حل الحرام، بفعل لم يقصد به ما جعل ذلك الفعل له أو ما شرع”[41]، ويصف هذا الفعل بالخداع والتلاعب بحدود الله. وهذا قريب من قول تلميذه ابن القيم بأن “الحيلة هي نوع مخصوص من التصرف والعمل الذي يتحول به فاعله من حال إلى حال، ثم غلب عليها بالعرف استعمالها في سلوك الطرق الخفية التي يتوصل بها الرجل إلى حصول غرضه”[42]، سواء كان المقصود أمرا جائزا أو محرما.
وذهب ابن حجر إلى المعنى العام الشامل للممنوع والمشروع على حد سواء، فقال: “هي ما يتوصل به إلى مقصود بطريق خفي”[43]. واختار الشاطبي تعريفا لقاعدة الحيل على شاكلة التفسير الأصولي، فقال: “حقيقتها المشهورة، تقديم عمل ظاهر الجواز لإبطال حكم شرعي وتحويله في الظاهر إلى آخر”[44].
إن التحيل الذي يعتبر قاعدة من قواعد المآل، هو إتيان المكلف لسبب صحيح في الظاهر، لهدم أصل شرعي، أو مناقضة مصلحة شرعية، من إبطال حق أو إسقاط واجب أو تحليل حرام في الظاهر أو العكس، وهو ما عبر عنه الشاطبي بقلب الأحكام الشرعية[45]. وعبر عنه الطاهر ابن عاشور بقوله: “إبراز عمل ممنوع شرعا في صورة عمل جائر”[46].
فالحيل بهذا المعنى تعتبر إحدى القواعد المبنية على أصل المآلات، وإذا كان النظر في المآلات مطلوب في التنزيل؛ فإن الحيل من المحطات التي يلجأ إليها المجتهد لتنزيل الحكم الشرعي الملائم على الواقع.
وقد تعددت أقسام وأنواع الحيل سواء بحسب المقصد والوسيلة، أو بحسب تفويتها للمقصد الشرعي أو عدم تفويتها له، أو بحسب حكمها ومواقف العلماء منها. وخلاصة هذه التقسيمات، أن من الحيل ما هو جائز موافق لمقصد الشارع، وعلى هذا التنزيل يصح مع قيام المصالح الراجحة، وبتخلفها لا يصح التنزيل.
ويلخص ابن القيم أنواع الحيل في نوعين: “نوع يتوصل به إلى فعل ما أمر الله به، وترك ما نهى عنه، والتخلص من الحرام، وتخليص الحق من الظالم المانع له، وتخليص المظلوم من يد الظالم الباغي، فهذا النوع محمود يثاب فاعله ومعلمه. ونوع يتضمن إسقاط الواجبات وتحليل المحرمات، وقلب المظلوم ظالما، والظالم مظلوما، والحق باطلا، والباطل حقا، فهذا النوع الذي اتفق السلف على ذمه”[47].
وفيما يأتي سنعرض لبعض التطبيقات عن كل نوع من هذه الأنواع :
1- تطبيقات من الحيل الجائزة أو المعاريض[48]، وأثرها في تنزيل الأحكام في فقه الصحابة:
استعمل العلماء لفظ “المعاريض” فيما تضمن التوصل إلى أخذ حق من ظالم، أو إيقاع عقوبة به، أو كف شره وعدوانه، “وهذا الضرب وإن كان نوع حيلة في الخطاب لكنه يفارق الحيل المحرمة من الوجه المحتال عليه”[49]. جاء في البخاري، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قال إبراهيم لإمرته هذه أختي وذلك في الله. وقال إبراهيم النخعي: إذا كان المستحلف ظالما فنية الحالف وإن كان مظلوما فبنية المستحلف”[50].
ومن التعريض قول النبي صلى الله عليه وسلم، حين لقي طائفة من المشركين وهو في نفر من أصحابه:”نحن من ماء، فنظر بعضهم إلى بعض، فقالوا أحياء اليمن كثير!، فلعلهم منهم، وانصرفوا”[51].
ومنها ما روي عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “إذا أحدث أحدكم وهو في الصلاة فليأخذ على أنفه ثم لينصرف”[52]. وهذا بيان على مشروعية الحيل مع صحة القصد، قال الحاكم في المستدرك، سمعت علي بن عمر الدارقطني يقول: سمعت أبا بكر الشافعي الصيرفي يقول: “كل من أفتى من أئمة المسلمين من الحيل إنما أخذه من هذا الحديث”[53].
ومن الأمثلة التطبيقية في فقه الصحابة، نذكر ما يلي:
أ- قول الصديق رضي الله عنه: “هاد يهديني السبيل”.
جاء في المسند للإمام أحمد، أخبرنا ثابت عن أنس أن أبا بكر كان رديف النبي صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة، وكان أبو بكر يختلف إلى الشام فكان يُعرف، وكان النبي لا يعرف، فيقولون: يا أبا بكر، من هذا الغلام بين يديك؟ فيقول: هاد يهديني السبيل، قال: فلما دنوا من المدينة نزلا الحرة وبعثا إلى الأنصار فجاءوا، قال: فشهدته يوم دخل المدينة، فما رأيت يوما كان أحسن ولا أضوأ من يوم دخل علينا فيه، صلى الله عليه وسلم[54]. فالصديق رضي الله عنه يقصد بتعريضه المعنى الحقيقي للهداية وهي الإرشاد والنصح والدعوة إلى الله تعالى، وهذا جائز ومحمود.
ب- المسلم أخو المسلم:
روى أبو داود في سننه، عن سويد بن حنظلة، قال: “خرجنا نريد رسول الله ومعنا وائل بن حجر فأخذه عدو له فتحرج القوم أن يحلفوا، وحلفتُ أنه أخي، فخُلّيَ سبيله، فأتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته أن القوم تحرجوا أن يحلفوا وحلفتُ إنه أخي، قال: “صدقت المسلم أخو المسلم”[55]. وعلى مثل هذا يقول النووي: “وأما من صح قصده فاحتسب في طلب حيلة لا شبهة فيها، لتخليص من ورطة يمين ونحوها فذلك حسن جميل”[56].
ج- عبد الله بن رواحة، أوهم امرأته القرآن:
ذكر ابن القيم، عن ابن عباس، أن امرأة عبد الله بن رواحة لم تجده في مضجعه فقامت تبحث عنه فرأته على جارية له، فذهبت وجاءت بشفرة- سكين، فصادفته وقد قضى حاجته، فقال: مَهْيَمْ، قالت: لو أدركتك حين رأيتك لوجأت بين كتفيك بهذه الشفرة، فأنكر عبد الله، فقالت: فاقرأ-القرآن- إن كنت صادقا، فقال: أتانا رسول الله يتلو كتابه* كما لاح مشهور من الفجر ساطع* أتانا بالهدى بعد العمى فقلوبنا به موقنات أن ما قال واقع* يبيت يجافي جنبه عن فراشه* إذا استثقلت بالمشركين المضاجع، فقالت: آمنت بكتاب الله وكذبت بصري، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فضحك ولم ينكر عليه”[57]. وهذا تحيل منه بإظهار القراءة لما أوهم أنه قرآن ليتخلص به من مكروه الغيرة. فالتعريض المباح ليس من المخادعة لله في شيء.
د- حذيفة بن اليمان وسؤاله عن الشر:
كان الصحابي حذيفة بن اليمان رضي الله عنه أعلم الناس بالشر، فكان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير، قال حذيفة: “وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني، فقلت: يا رسول الله إنا كنا في جاهلية وشر فجاءنا الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير من شر؟ قال: نعم، قلت: وهل بعد ذلك الشر من خير؟ قال: نعم، وفيه دَخَن، قلت: وما دخنه؟ قال: قوم يهدون بغير هديي تعرف منهم وتنكر، قلت: فهل بعد ذلك الخير من شر؟ قال: نعم، دعاة على أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها، قلت: يا رسول الله، صفهم لنا، قال: هم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا”[58].
فالحيلة المشروعة هي التي تفضي إلى أمر مشروع، ويدخل في ذلك التحيُّلُ على جلب المنافع، ودفع المضار، فالصحابي الكريم الذي كان يسأل عن الشر مخافة أن يدركه، كان يسأل عن الطرق المشروعة لتلافي هذا الشر ولواحقه. قال ابن القيم: “فالعجز عدم القدرة على الحيلة النافعة، والكسل عدم الإرادة لفعلها، فالعاجز لا يستطيع الحيلة، والكسلان لا يريدها، ومن لم يحتل أضاع فرحته وفرّط في مصالحه”[59]. ولذلك كان عمر بن الخطاب يقول: “لستُ بالخبّ ولا يخدعني الخبّ”[60]، وهو قول يمثل طبيعة الخليفة عمر ويبرز خبرته الفقهية واجتهاداته المقاصدية وأثر ذلك في تنزيل الأحكام، وهذا عكس منهج عبد الله بن عمر الذي كان يتمثل قوله: “من خدعنا بالله انخدعنا له”[61]، قالها يوما وهو يعلم أن رقيقه وعبيده يخدعونه بلزومهم المسجد وأعمال الخير رغبة في العتق والتحرر.
وأخرج مسلم في الصحيح أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: “الحرب خدعة”[62]، وهذا من الحيل المندوبُ إليها شرعا في الحرب وفي غيره من المواطن التي تتطلب الفطنة والتورية والدهاء.
وبصفة عامة فإن تنزيل الأحكام الشرعية على الوقائع بما يناسبها يعتبر من الأسباب المباشرة في نشوء الحيل، لأن المجتهد الذي صح قصده يلجأ إلى وسيلة مشروعة لمعالجة الواقع أو حيلة تخرجه إلى تنزيل الحكم بطريقة سليمة، مما تمكنه القدرة على احتواء جميع الظروف والأحوال، وهذا من فقه التنزيل.
وفي المقابل رتب العلماء على أصل المآل اعتبار منع الحيل الفقهية التي تُتّبع للوصول إلى ما حرّمهُ الله تحت غطاء الشرع.
2- منع الحيل في فقه الصحابة:
صدّر الإمام البخاري كتاب الحيل، باب في ترك الحيل وأن لكل امرئ ما نوى في الإيمان وغيرها، حديث علقمة بن وقاص، قال: سمعت عمر بن الخطاب رضي الله عنه يخطب فقال: سمعت رسول الله صلى اله عليه وسلم يقول: “يا أيها الناس إنما الأعمال بالنية وإنما لامرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن هاجر إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه”[63]. فهذا الحديث العظيم فصل في الحيل وأنواعها، وأخبر أن الأعمال تابعة لمقاصدها، قال ابن القيم: “وهذا نص في أن من نوى التحليل كان محللا، ومن نوى الربا بعقد التبايع كان مُرابيا، ومن نوى المكر والخداع كان ماكرا مخادعا، ويكفي هذا الحديث وحده في إبطال الحيل”[64].
فليس للعبد من ظاهر قوله وعمله إلا ما نواه وأبطنه لا ما أعلنه وأظهره، ولذلك أبطل النبي صلى الله عليه وسلم هجرة مهاجر أم قيس بسبب ما أبطنه ونواه من إرادة أم قيس.
ومن الواضح أن الصحابة مجمعون على تحريم هذا النوع من الحيل وإبطالها، ويشهد لذلك مجموعة من الوقائع نذكر منها ما يلي:
أ- ذكر ابن القيم أن عمر بن الخطاب خطب الناس على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: “لا أوتي بمحلل ولا محلل له إلا رجمتهما”[65]، وأقره سائر الصحابة في ذلك كما يقول ابن القيم، رغم أن السنة تقول بلعن المحلل والمحلل له، كما في حديث ابن مسعود قال: “لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم المُحَلَّ والمحلل له”[66]، وقد شبهه الرسول عليه الصلاة والسلام بالتيس المستعار، فقد روي عن عقبة بن عامر أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ألا أخبركم بالتيس المستعار؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: هو المحلّل، لعن الله المحلل والمحلل له”[67].
ولم يرد في السنة حُكمٌ بجلد المحلل أو المحلل له، ولكن عمر رضي الله عنه رأى أن فيه استحلال الزّنى باسم النكاح، فإن قول المحلِّل: تزوجت هذه المرأة، وهو غير مبطن لحقيقة النكاح، ولا يقصد أن تكون زوجة له، ولا هي مريدة لذلك، ولا الولي “فقد توسل باللفظ الشرعي إلى ما ينافي مقصود العقد، أو إلى أمر خارج عن أحكام العقد، وهو عودة المرأة إلى زوجها المطلق”[68]. فالنكاح إنما يقصد به الدوام والبقاء المؤبد، ونكاح المحلل حيلة إلى رجوع الزوجة إلى مطلقها ثلاثا، طلاقا بائنا، وهنا وجه المناقضة. “فكان حكم التحليل المنع ترجيحا لمفسدة المآل على مصلحة الأصل، لكون مفسدة المآل هادمة لمقاصد التشريع”[69].
ب- وأفتى عثمان وعلي وابن عباس وابن عمر أن المرأة لا تحل بنكاح التحليل، فقد روي عن ابن عباس أنه جاءه رجل فقال: عمي طلق امرأته ثلاثا، أيحلها له رجل؟ فقال: “من يخادع الله يخدعه”[70]. لأن هذا هروب من التشريعات والتكليفات، وكل ما قصد به هذا المعنى لا يصح تنزيله، لأن “الحيل والاستحسان وغيرهما مما يتعين وسيلة لمقصده بحسب الاعتبار الشرعي وعدمه”[71].
وكان عمر وعثمان يسميان نكاح المحلل نكاح دلسة، بمعنى الخداع، وصح عن أنس وابن عباس وعائشة، أنهم سئلوا عن العِينةِ، قالوا “إن الله لا يُخدعُ، هذا مما حرم الله ورسوله”[72]، ويسمون ذلك خداعا؛ لأن مآل العمل فيها خرم لقواعد الشريعة في الواقع كما يقول الشاطبي[73].
كما أفتى عمر وعثمان وعلي وأبي بن كعب وغيرهم من الصحابة أن المبثوثة في مرض الموت ترث، كما رأينا سابقا، ووافقهم سائر المهاجرين والأنصار على ذلك فصار إجماعا، باعتبار قصد المكلف إلى إسقاط التكليف، وهو ممنوع شرعا باعتبار المآل قياسا على الواهب ماله قبل حولان الحول فرارا من الزكاة. أو كمن يعمل على تبديد شهر رمضان بالأسفار بقصد الإفطار فيه وقضائه متفرقا.
ج- عن إبراهيم عن علقمة أنه قال: “لعن عبد الله الواشمات والمتنمصات والمتفلجات للحسن المُغيرات خلق الله، فقالت أم يعقوب: ما هذا؟ قال عبد الله: ومالي لا ألعن من لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم[74]، وفي كتاب الله، قالت: والله لقد قرأت ما بين اللوحين فما وجدته، قال: والله لئن قرأتيه لقد وجدتيه؛ وما أتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا”[75]. يعلق ابن القيم بقوله: “إن هذه تُظهر من الخلقة ما ليس فيها، والمحلل يظهر من الرغبة ما ليس عنده، وآكل الربا يستحله بالتدليس والمخادعة فيظهر من الرغبة ما ليس عنده”[76].
والقاسم المشترك بين جميع هذه الأصناف المحظورة، هو التحيّل والخداع والتدليس. يقول الإمام النووي: “والمتحايل من تحمله الأغراض الفاسدة على تتبع الحيل المحرمة، أو المكروهة والتمسك بالشبه، طلبا للترخيص لمن يرومه نفعه، أو التغليط على من يريد ضره”[77]. وهذا الذي أفسده قصده، فأما إن حسن قصد العالم والمفتي “في حيلة جائزة لا شبهة فيها ولا مفسدة لتخليص المستفتي بها من حرج جاز ذلك، بل استحب، وقد أرشد الله تعالى نبيه أيوب عليه السلام إلى التخلص من الحنث بأن يأخذ بيده ضغطا فيضرب به المرأة ضربة واحدة، وأرشد النبي صلى الله عليه وسلم بلالا إلى بيع التمر بدراهم، ثم يشتري بالدراهم تمرا آخر فيخلص من الربا”[78].
بقي التنبيه إلى أن قاعدة منع الحيل تتحد وتشترك مع قاعدة سد الذرائع في جهة الانتماء من أصل اعتبار المآل، لاشتراكهما في مبدأ حظر المأذون المفضي إلى الإخلال بالمقاصد الشرعية، وهذا ما يجعلهما تحققان الهدف نفسه، وإن اختلفت الوسيلة ومجال الاشتغال. غير أن هناك شرطا تختص به الحيل من دون الذرائع وهو المقصد؛ فالحيل يشترط فيها المقصد، أما الذرائع فلا يشترط وجوده، ولهذا فإن الأصوليون والفقهاء يتناولون إحداهما تبعا للأخرى.
المطلب الرابع: مراعاة الخلاف[79] وأثره في فقه التنزيل عند الصحابة.
إن أغلب التعريفات التي تناولت مفهوم “مراعاة الخلاف”[80] اعتبرته قاعدة تقتضي عمل المجتهد بدليل القول المخالف لاجتهاده والمرجوح في نظره في بعض مدلولاته، أو بعض لوازمه، وأن مراعاة الخلاف لا يُصار إليها إلا لمسوغ شرعي يبيح الانتقال من قول إلى قول آخر قصد الاحتياط و التيسير ورفع الحرج، وبهذا يصير معنى مراعاة الخلاف، هو:”إعطاء المستدل كلاًّ من الدليلين المتعارضين ما يقتضيه الآخر، أو بعض ما يقتضيه في غير الوجه الذي يقول فيه بالقول الآخر، لمسوغ شرعي، من احتياط أو تيسير”[81]. وبالتالي يمكن القول أن أصل مراعاة الخلاف والعمل به مطلب شرعي، لما يتضمنه من احتياط وتيسير في الأحكام عند تنزيلها على واقع المكلفين.
والملاحظ على قاعدة “مراعاة الخلاف” أنها شديدة الارتباط بالجانب التنزيلي للأحكام الشرعية[82]، ونقصد بمراعاة الخلاف من الجهتين معا: قبل وقوع الفعل وبعد وقوعه، رغم أن المالكية قصروه على جهة وقوع المكلف في المنهي عنه، لأن الأول “اعتبار الخلاف ابتداءً، سواء وقع المنهي أو لم يقع بعد أو كان غيره؛ كدوران الفعل بين الوجوب والندب فينظر في مراعاة الخلاف، وبهذا يمكننا توسيع النظر إلى مآل الفعل وهو الاحتياط في أمور الدين أو الاحتياط من الوقوع في الخلاف المفضي إلى التباغض، لأن اعتبارها حال وقوع المنهي قاصر على مصلحة جزئية واعتبارها بمجرد الخلاف مصلحة كلية”[83].
وبهذا يتبين أصل مراعاة الخلاف وأثره في التنزيل للأحكام بعد وقوع المكلف في المنهي عنه، غير التنزيل الذي قبل الوقوع، وهذا “مما يؤكد أن التنزيل للأحكام يحتاج إلى فقه دقيق يبصر العواقب والمآلات، التي تنتج قبل الوقوع في المنهي وبعده، وما هو الحكم الذي يناسب كلا الحالتين، بما يخالف المقاصد الكلية للشريعة”[84]، ويعتبر جميع الآراء وينزلها على الواقع مبصرا المآلات التي لا تعود بالنقص على مقاصد الشرع، متجنبا بذلك التعصب للرأي أو المذهب الذي يشكل خطرا كبيرا على الأمة والأفراد بإسقاط الأحكام بدل تنزيلها على الواقع بما يناسبها ويصلحها.
والأخذ بقاعدة مراعاة الخلاف من الورع والاحتياط المطلوب شرعا، فعن عائشة أم المؤمنين قالت: “اختصم سعد بن أبي وقاص وعبد بن زَمْعَة في غلام، فقال سعد: هذا يا رسول الله ابن أخي عتبة بن أبي وقاص عهِد إليّ أنه ابنه، انظر إلى شبهه، وقال عبدُ بن زمعة: هذا أخي يا رسول الله وُلد على فراش أبي من وليدته، فقال: “هو لك يا عبْدُ؛ الولد للفراش وللعاهر الحجر، واحتجبي منه يا سودة بنت زمعة” قالت عائشة: فلم ير سودة قط”[85].
في الأصل هنا الرسول صلى الله عليه وسلم اعتبر حكم الفراش في الإلحاق، ومع ذلك راعى حكم الشبه في بعض لوازمه، فأمر سودة، رضي الله عنه، بالاحتجاب عنه بحكم الاحتياط كما يشير النووي في شرحه لمسلم[86]. ووجه الدلالة هو مراعاة الدليلين المتعارضين كليهما، فالرسول صلى الله عليه وسلم أعطى كل واحد منهما ما يناسبه من الحكم، وهذا معنى مراعاة الخلاف. قال ابن العربي: “القضاء بالراجح لا يقطع حكم المرجوح بالكلية، بل يجب العطف عليه بحسب مرتبته، لقوله عليه السلام: الولد للفراش وللعاهر الحجر”[87].
وشبيه هذا ما روته عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “أيما امرأة نُكحت بغير إذن وليها، فنكاحها باطل، فنكاحها باطل، فنكاحها باطل، فإن دخل بها فلها المهر بما استحل من فرجها، فإن اشتجروا فالسلطان وليُّ من لا وليَّ له”[88].
ووجه الدلالة في الحديث هو أن النبي صلى الله عليه وسلم حكم أولا ببطلان العقد وأكده بالتكرار ثلاثا، وسماه زنى في قوله: “فإن الزانية هي التي تزوج نفسها”[89]، وأقل مقتضيات هذا العقد هو عدم اعتباره أصلا، لكنه صلى الله عليه وسلم عاقبه بما اقتضى اعتباره بعد الوقوع بقوله: فلها مهرها بما أصاب منها[90]، و”مهر البغيّ حرام”[91]. فإثبات المهر لها دليل على اعتباره للعقد الفاسد بعد الوقوع، فلو كان زنى لما أثبت لها الشارع المهر.
وهكذا كان الصحابة والسلف المقتدى بهم في هذه الأمة مع أصل مراعاة الخلاف، يسجل الشاطبي الصلة والأثر اللذين خلفهما المآل في الاحتياط عندهم بقوله: “إن الصحابة رضي الله عنهم عملوا هذا الاحتياط في الدين لما فهموا هذا الأصل من الشريعة، وكانوا أئمة يُقتدى بهم؛ فتركوا أشياء وأظهروا ذلك ليبينوا أن تركها غير قادح وإن كانت مطلوبة. فمن ذلك ترك عثمان القصر في السفر في خلافته، وقال: إني إمام الناس، فينظر إليّ الأعراب وأهل البادية أصلي ركعتين؛ فيقولون: هكذا فُرضت، وأكثر المسلمين على أن القصر مطلوب”[92].
وقد صح عن ابن مسعود أنه أنكر على عثمان بن عفان إتمام الصلاة في السفر، ثم صلى خلفه متمما، “فقيل له: عِبْتَ على عثمان، ثم صليت أربعا، فقال: الخلاف شر”[93]، لأن متابعة الإمام أمر واجب، ومصلحة راجحة، والأخذ برأيه مسألة مرجوحة.
والنماذج التطبيقية لمراعاة الخلاف في فقه الصحابة كثيرة، هذه بعضها :
أ- ما رواه مالك عن يحيى بن سعيد: أن أبا بكر الصديق بعث جيوشا إلى الشام، فخرج يمشي مع يزيد بن أبي سفيان، وكان أمير ربع من تلك الأرباع، فزعموا أن يزيدا قال لأبي بكر: إما أن تركب، وإما أن أنزل، فقال أبو بكر: ما أنت بنازل، وما أنا براكب، إني أحتسب خُطاي هذه في سبيل الله، ثم قال له: إنك ستجد قوماً زعموا أنهم حبّسوا أنفسهم له، وستجد قوماً فحصوا عن أوساط رؤوسهم من الشعر، فاضرب ما فحصوا عنه بالسيف، وإني موصيك بعشر: لا تقتلن امرأة، و لا صبيا، ولا كبيرا هرما، ولا تقطعن شجرا مثمرا، ولا تخربن عامرا، ولا تعقِرَنّ شاة ولا بعيراً، إلا لمأكلةٍ، ولا تحرقن نخلا، ولا تغرقنه، ولا تغلل ولا تجبن”[94].
ولذلك لا يسبى الراهب ويترك له ماله، أو ما قلّ منه على الخلاف في ذلك، وغيره ممن لا يقاتل يُسبى ويُملك، وإنما ذلك لما زعم أنه حبّس نفسه له، وهي عبادة الله تعالى، وإن كانت عبادته أبطل الباطل، فكيف يستبعد اعتبار عبادة مسلم على وجه دليل شرعي لا يقطع بخطئه فيه، وإن كان يظن ذلك ظنا[95].
ب- ومن ذلك ما ذكره الشاطبي في الاعتصام؛ في المرأة يتزوجها رجلان، ولا يعلم الآخر بتقدم نكاح غيره إلا بعد البناء، فأبانها عليه بذلك عمر ومعاوية والحسن رضي الله عنهم، ونسب مثله أيضا لعلي بن أبي طالب. ومقتضى القياس أنه إذا تحقق أن الذي لم يبن هو الأول، فدخول الثاني بها دخول بزوج غيره، وكيف يكون غلطه على زواج غيره مبيحا على الدوام، ومصححا لعقده الذي لم يصادف محلا، ومبطلا لعقد نكاح مجمع على صحته، لوقوعه على وفق الكتاب والسنة ظاهرا وباطنا؟ وإنما المناسب أن الغلط يرفع عن الغلط الإثم والعقوبة، لا إباحة زوج غيره دائما، ومنع زوجها منها[96].
ج- ومنه كذلك ما روي عن عمر وعثمان رضي الله عنهما؛ أنهما قالا: إذا قدم المفقود يخير بين امرأته أو صداقها، فإن اختارها بقيت له، وإن اختار صداقها بقيت للثاني، وخالفهما علي.
قال ابن القيم أنه “قد تبث عن عمر بن الخطاب أنه أجل امرأة المفقود أربع سنين، وأمرها أن تتزوج، فقدم المفقود بعد ذلك، فخيره عمر بين امرأته وبين مهرها”[97]. وصح عند ابن حزم[98] أن عثمان ابن عفان قضى في المفقود أن امرأته تتربص أربع سنين، وأربعة أشهر وعشرا بعد ذلك، ثم تتزوج فإن جاء زوجها الأول خير بين الصداق وبين امرأته.
وقد انتهى الشاطبي رحمه الله، بعد مناقشات طويلة، إلى الإقرار بأن “مراعة الخلاف” تعتبر قاعدة من قواعد المآل، بحجة موافقتها لمقاصد الشريعة.
وإجمالا فإن كل القواعد المذكورة سلفا والتي عمل بمقتضاها الصحابة الكرام في تنزيل الأحكام على الوقائع تتسم بالصبغة المآلية على نحو مباشر أو غير مباشر؛ لأن هذه القواعد شرعية، والشريعة في الأصل مآلية بطبيعتها.
وبعدما ذكر الشاطبي[99] القواعد الأربعة المعبرة عن المآل صراحة، وهي: سد الذرائع والاستحسان ومنه الحيل ومراعة الخلاف، ختم بخامسة عبر عنها بقاعدة ” المصالح الضرورية والحاجية والتكميلية لا ترفعها العوارض المنكرة الخارجية”، وبين موافقتها لمقاصد الشريعة، ورجوعها إلى أصل اعتبار المآل الثابت بالاستقراء. لكننا لم نجد لها مثالا لكي نثبت حجيتها في عمل الصحابة رضي الله عنهم.
خلاصة:
وختاما نقول أن الناظر في حياة الصحابة الكرام، يصادف في تطبيقاتهم وفتاويهم الفقهية الكثيرة من الشواهد والأدلة على اعتبارهم لأصل فقه التنزيل، “بل يجد أن السمة التي تسِمُ فتاواهم وتوجيهاتهم الشخصية هي تحقيق مناط الأحكام العامة، والقواعد الكلية تبعا لظروف المستفتي، أو الشخص محل التوجيه، وملابسات الواقعة المُفتى فيها”[100] بما يرونه مناسبا لمعالجة النازلة أو بما يمثل واجب الوقت في حق المكلف.
وإذا كان فهم الدين عند الصحابة هو الأساس في التدين، فإنهم يدركون “أن تنزيله في واقع الحياة هو الثمرة المبتغاة من أصل الدين”[101]. ولا يتحقق الغرض وتحصل الفائدة إلا بحصول المصلحة الثانية من مراحل الدين وهي الاجتهاد في فقه التنزيل.
لذلك نجد أن فهم مسالك التنزيل وضبط آلياته كان ثابتا في فقه الصحابة رضي الله عنهم، وبذلك استطاعوا “بفضل استيعابهم لواقعهم، واستذكارهم لعوائدهم وخصوصياتهم، أن يحققوا المناطات ويلبوا الحاجات، فكان عملهم بفقههم من عملهم بواقعهم”[102].
حتى إن واقع الصحابة أصبح -كما رأينا- يعيش على معيار فقه تنزيل الأحكام المهيمن على كل ما يعرض لهم من قضايا في دينهم ودنياهم، وهم كانوا أول من عمل بالاجتهاد التنزيلي بجميع عناصره ومقوماته وضوابطه لتحقيق المقاصد والغايات الكبرى من التشريع كله.
فقد رأوا رضي الله عنهم هدي الرسول صلى الله عليه وسلم في القضاء والحكم والإفتاء، وكيف حثهم على الاجتهاد لرعاية مصالح العباد، وتعلموا منه كيفية مخاطبة كل مسلم مكلف بما يناسبه ويراعي حاله وظروفه ويصلح شأنه في الدين والدنيا، فأصبحوا النموذج الأفضل والأمثل لهذه الأمة اجتهادا في الفقه والفهم والتنزيل، لمواجهة المشكلات والمستجدات في حياة المسلمين. وقد تعددت واختلفت اجتهاداتهم التنزيلية بتعدد واختلاف موجبات تغير الأحكام من الزمان والمكان والأحوال والعوائد وغيرها.
في الحلقة المقبلة والأخيرة من هذه السلسلة نختم بالنتائج والتوصيات.
[1] ينظر: سد الذرائع في الشريعة الإسلامية، محمد هشام البرهاني ، ص:772.
[2] المناهج الأصولية، الدريني، ص:477.
[3] فقه التنزيل، المعماري، ص:309.
[4] أخرجه الحاكم في المستدرك، 1/183. والدارمي في السنن، 1/97. وصححه الألباني في صحيح ابن ماجة، برقم:26.
[5] جامع بيان العلم وفضله، ابن عبد البر، 2/121.
[6] إعلام الموقعين، ابن القيم، 3/172.
[7] ينظر: الاعتصام، الشاطبي، 2/125.
[8] أخرجه ابن ماجة في السنن، كتاب الفتن، باب فتنة النساء، رقم:4002. وصححه الألباني في صحيح الجامع، برقم:2703، وفي السلسلة الصحيحة، 3/27.
[9] ينظر: إعلام الموقعين، ابن القيم، 3/59.
[10] فقه التنزيل، المعماري، ص:323.
[11] قواعد الأحكام في مصالح الأنام، ابن عبد السلام، 1/111-115.
[12] أخرجه البيهقي في شعب الإيمان، رقم:1639،. وابن حجر في الإصابة في تمييز الصحابة، 4/58. وأخرج ابن عساكر لهذه القصة شاهدا من حديث ابن عباس رضي الله عنه موصولا، تخريج سير أعلام النبلاء، شعيب الأرناؤوط، 1/14.
[13] الاعتصام، الشاطبي، 2/138.
[14] الموافقات، الشاطبي، 4/203.
[15] المصدر السابق، 4/150.
[16] المناهج الأصولية، الدريني، ص: 485.
[17] تغير الظروف وأثره في اختلاف الأحكام في الشريعة الإسلامية، قاسم محمد المنسي، ص: 422.
[18] ينظر: المبسوط، السرخسي، 2/14.
[19] أخرجه الدارقطني في السنن، كتاب البيوع، رقم: 167، 3/41. البيهقي في السنن الكبرى، رقم:13076. وابن الجوزي في التحقيق، رقم: 1597. وحسنه الألباني في التعليقات الرضية على الروضة الندية، 2/487.
[20] أخرجه ابن ماجة في السنن، كتاب الصدقات، باب من وقف، رقم:2401 واللفظ له. وابن حبان في المجروحين، 1/495. وحسنه الألباني في صحيح ابن ماجة، رقم: 1959، وفي إرواء الغليل، برقم:1547.
[21] الموافقات، الشاطبي، 2/350.
[22] أخرجه البيهقي في السنن الكبرى، كتاب الإجارة، باب ما جاء في تضمين الأجراء، برقم: 11444.
[23] الاعتصام، الشاطبي، 2/356.
[24] ينظر: سبل السلام، السمعاني، 3/104. وبداية المجتهد، ابن رشد، 2/178.
[25] بداية المجتهد، ابن رشد، 2/178.
[26] أخرجه مالك في الموطأ، كتاب القراض، باب ما جاء في القراض، رقم:1356. والبهقي في السنن، رقم:11939 باختلاف يسير. قال الألباني: إسناده صحيح وهو على شرط الشيخين، إرواء الغليل، 5/291.
[27] الإجارة: “عبارة عن العقد على المنافع بعوض هو مال؛ وتمليك المنافع بعوض إجارة، وبغير عوض إعارة”. الجرجاني، التعريفات؛ ص:18.
[28] المساقاة: “هي دفع الشجر إلى من يصلحه بجزء من ثمره”. التعريفات، ص:207.
[29] قال مالك: “ومن الاستحسان ما ثبت بالإجماع مثل الاستصناع، يعني فيما فيه للناس تعامل مثل أن يأمر إنسانا ليخرز له خفا مثلا بكذا ويبين صفته ومقداره ولا يذكر له أجلا ويسلم إليه الدراهم أو لا يسلم، فإنه يجوز”. أنظر: الموطأ، كتاب البيوع، باب العينة وما يشبهها.
[30] الزبية: حفرة تحفر ليصطاد فيها الأسد، وتكون عادة في مكان مرتفع، فإن الزبية في الأصل هي الربوة. معجم المعاني.
[31] الواقصة من وقص عنقه: كسرها ، وقصت به الدابة: رمت به فكسرت عنقه. لازم متعد. لسان العرب،(مادة وقص).
[32] أخرجه الإمام أحمد في المسند، مسند علي. وابن تيمية في منتقى الأخبار، وابن عربي في أحكام القرآن؛ ذكر ذلك ابن القيم في زاد المعاد، 6/281.
[33] زاد المعاد، 6/281، وإعلام الموقعين، ابن القيم، 2/16.
[34] ينظر: نيل الأوطار، الشوكاني، 7/235.
[35] إعلام الموقعين، ابن القيم، 2/16.
[36] أخرجه الذهبي في المهذب في اختصار السنن الكبرى للبيهقي، 6/3202.
[37] ينظر: السياسة الشرعية، عبد الرحمان تاج، ص: 178-179.
[38] المشتركة هي: إذا توفيت عن زوج وأم وأخوين لأم وإخوة أشقاء. ينظر: السنن الكبرى، البيهقي، 6/122.
[39] ينظر: بداية المجتهد، ابن رشد، 1/35.
[40] تغير الظروف وأثره في اختلاف الأحكام، قاسم المنسي، ص:435.
[41] الفتاوى الكبرى، ابن تيمية، 6/17.
[42] إعلام الموقعين، ابن القيم، 3/277.
[43] فتح الباري، ابن حجر، 13/280.
[44] الموافقات، الشاطبي، 4/145.
[45] المصدر السابق، 2/287.
[46] مقاصد الشريعة الإسلامية، ابن عاشور، ص:353.
[47] إغاثة اللهفان، ابن القيم، 1/393.
[48] المعاريض من الكلام: ما عرض به ولم يصرح، بمعنى التورية بالشيء عن الشيء، وهو خلاف التصريح. ينظر: لسان العرب، ابن منظور، (مادة عرض).
[49] إعلام الموقعين، ابن القيم، 3/184.
[50] أخرجه البخاري في الصحيح، كتاب الإكراه، باب1004.
[51] ينظر: إعلام الموقعين، ابن القيم، 3/150.
[52] أخرجه ابن حبان في صحيحه، كتاب الصلاة، باب الحدث في الصلاة، رقم:2238. قال المحقق: “إسناده صحيح”، تخريج صحيح ابن حبان، برقم:2239. وصححه الألباني في صحيح الجامع، رقم:286.
[53] أخرجه الحاكم في المستدرك عن الدار قطني، 1/294.
[54] أخرجه أحمد في المسند، رقم:14063 واللفظ له، والدارمي في السنن، برقم:88. قال شعيب الأرناؤوط: “إسناده صحيح على شرط مسلم”، تخريج المسند، برقم:12234.
[55] أخرجه أبو داود في السنن، كتاب الأيمان والنذور، باب المعاريض، جمع معراض من التعريض وهو خلاف التصريح من القول في الإيمان. وابن ماجة في السنن، كتاب الكفارات، باب من ورى في يمينه، رقم:2119. وصحيحه الألباني في صحيح أبي داود برقم:3256. وفي صحيح الجامع، برقم:3758.
[56] آداب الفتوى والمفتي والمستفتي، النووي، 1/47.
[57]ذكره ابن حجر في الكافي الشافي في تخريج أحاديث الكشاف، رقم:212. وابن دقيق العيد في الإمام في معرفة أحاديث الأحكام، 3/73. قال محمد ابن عبد الهادي: “مرسل وروي من وجه آخر متصل”، تنقيح تحقيق التعليق، 1/139.
[58] أخرجه البخاري في كتاب كيف الأمر إذا لم تكن جماعة، رقم: 6673.
[59] إعلام الموقعين، ابن القيم، 3/336.
[60] إعلام الموقعين، 3/241، و الروح، ابن القيم، ص:244. وابن تيمية في مجموع الفتاوى، 5/265.
[61] الطبقات الكبرى، ابن سعد، 4/167.
[62] أخرجه مسلم في كتاب الجهاد، باب جواز الخداع في الحرب، رقم: 1739.
[63] أخرجه البخاري في كتاب الحيل، باب في ترك الحيل، رقم: 9636.
[64] إعلام الموقعين، ابن القيم، 3/130.
[65] بيان الدليل على بطلان التحليل، ابن تيمية، ص: 481. وقال:” ثابت مشهور محفوظ عن عمر”. و في المجموع الفتاوي، 30/33. وابن القيم في إغاثة اللهفان، 1/411، وقال: “صحيح عنه”.
[66] أخرجه أبو داود في سننه، باب التحليل، رقم:2076. والترمذي في السنن، كتاب النكاح، باب ما جاء في المحلل والمحلل له، رقم: 1120، وقال:”هذا حديث حسن صحيح”. والحكام في المستدرك، كتاب الطلاق، رقم: 2864 ، وقال: “هذا حديث صحيح الإسناد”. وقال أحمد شاكر: “إسناده صحيح”، مسند أحمد،16/126.
[67] أخرجه ابن ماجة في السنن، رقم:1585، وقال أحمد شاكر: “إسناده صحيح”، عمدة التفسير من تفسير ابن كثير،1/283. وحسنه الألباني في صحيح ابن ماجة، رقم:1585، وفي إرواء الغليل، 6/309.
[68] فقه المآلات وقضايا العصر، عمر الجميلي، ص:263.
[69] الاجتهاد التنزيلي، بشير جحيش، 1/86.
[70] أخرجه عبد الرزاق في المصنف، رقم:10779. وابن تيمية في بيان الدليل، رقم:486، وقال: “إسناده ثابت”. وابن القيم في إعلام الموقعين، 3/139. والطحاوي في شرح معاني الآثار، رقم:1176.
[71] الاجتهاد المقاصدي، الخادمي، 1/41.
[72] إعلام الموقعين، ابن القيم، 3/139، وقال: صحيح.
[73] يقول الشاطبي: “لأنه ابتغى في تكاليف الشريعة غير ما شُرعت له، فقد ناقض الشريعة، وكل من ناقضها فعمله في المناقضة باطل، فمن ابتغى في التكاليف ما لم تشرع له فعمله باطل”.ينظر: الموافقات، 2/333.
[74] أخرجه البخاري في كتاب اللباس، باب الوصل في الشعر، رقم: 5933.
[75] أخرجه البخاري في كتاب اللباس، باب المتنمصات، رقم:5939.
[76] إعلام الموقعين، ابن القيم، 3/127.
[77] آداب الفتوى والمفتي، النووي، 1/47.
[78] إعلام الموقعين، ابن القيم، 4/170.
[79] ينظر لمزيد من التعريف: الموافقات، الشاطبي، 4/90. والمعيار المعرب، أبو العباس الونشريسي، 6/388. وشرح حدود ابن عرفة، ابن عبد السلام،1/269.
[80]المالكية يفرقون بين الخروج من الخلاف ومراعاة الخلاف، بخلاف الجمهور فإنهم لا يفرقون بينهما. ومراعاة الخلاف أصل في مذهب مالك، بل من محاسن هذا المذهب، بحسب تعبير أبي العباس القباب. ينظر: مراعاة الخلاف في المذهب المالكي، محمد الأمين، ص:106 وما بعدها. والاعتصام، الشاطبي، 2/375.
[81] أصول فقه الإمام مالك ؛أدلته العقلية، فاديغا موسى، 1/356.
[82] ينظر: أصل اعتبار المآل بين النظرية والتطبيق، عمر جدية، ص: 202.
[83] الاجتهاد بتحقيق المناط وسلطانه في الفقه الإسلامي، عبد الرحمان الزايدي، ص:125.
[84] فقه التنزيل، المعياري، ص: 393.
[85] أخرجه البخاري في كتاب الأحكام، باب من قضى له بحق أخيه فلا يأخذه فإن قضاء الحاكم لا يحل حراما و لا يحرم حلالا، رقم:7182. ومسلم في كتاب الرضاع، باب الولد للفراش وتوقي الشبهات، رقم:1457.
[86] ينظر: شرح صحيح مسلم، النووي، 10/34.
[87]المعيار المعرب، الونشريسي، 12/37.
[88] أخرجه الترمذي في السنن، كتاب النكاح، باب لا نكاح إلا بولي، رقم:1102. وقال: حديث حسن. وأبو داود في سننه، كتاب النكاح، باب في الولي، رقم: 2083. وصححه الألباني في صحيح الجامع، برقم:2709.
[89] أخرجه ابن ماجة في السنن، كتاب النكاح، باب لا نكاح إلا بولي رقم:1882. والدارقطني عن أبي هريرة في السنن، كتاب النكاح، رقم:25. وصححه الألباني في صحيح ابن ماجة، برقم:1539. وفي إرواء الغليل، برقم:1841
[90] أنظر: الونشريسي، المعيار المعرب؛ 6/395.
[91] أخرج أحمد في المسند، 5/118.رقم:3345، وقال أحمد شاكر: “إسناده صحيح”، واللفظ له. وصححه الأرناؤوط في تخريج سنن الدارقطني، برقم2814. والألباني في الجامع الصحيح، رقم: 3076.
[92] ينظر: الموافقات، الشاطبي، 4/102.
[93] أخرجه أبو داود في سننه، كتاب المناسك، باب الصلاة بمنى، رقم:1960. والطبري في مسند عمر، رقم:357. وقال: الألباني: “إسناده صحيح”، السلسلة الصحيحة،1/444. وصححه في صحيح أبي داود، برقم:1960.
[94] أخرجه مالك في الموطأ، كتاب الجهاد، باب النهي عن قتل النساء والولدان في الغزو، رقم:957. وأخرجه البيهقي في السنن الصغرى مرسلا،3/387. قال شعيب الأرناؤوط: “رجاله ثقات”، تخريج شرح السنة، رقم:2696.
[95] ينظر: المعيار المعرب، أبو العباس، 6/395.
[96] ينظر: الاعتصام، الشاطبي، 2/377.
[97] مجموع الفتاوي، ابن تيمية، 20/576. وإعلام الموقعين ، ابن القيم، 2/12.
[98] المحلى بالآثار، ابن حزم، 10/136.
[99] الموافقات، الشاطبي، 4/143-152.
[100] الاجتهاد التنزيلي، بشير بن مولود، 1/34.
[101] فقه التدين فهما وتنزيلا، عبد المجيد النجار، 1/128.
[102] مسالك الدلالة بين اللغويين والأصوليين، عبد الحميد العلمي، ص:94.