بني النضير (2) اليهود في ذكرى المولد النبوي
الدكتور مصطفى العلام
بنو قينقاع (1) اليهود في ذكرى المولد النبوي
بعد يهود بني قينقاع وقتلهم الرجل المسلم الذي دافع عن المرأة المسلمة التي انكشفت سوأتها، سنرى تصعيدا آخر من يهود بني النضير في محاولتهم قتل النبي صلى الله عليه وسلم. وهي محاولة ليست غريبة عنهم، فالتاريخ يشهد أنه اليهود قتلة الأنبياء والمرسلين عليهم السلام ، وأنهم المتآمرون على رسالة التوحيد التي بعثوا بها من لدن آدم عليه السلام إلى سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام.
نسب يهود بني النضير: من المعلوم في المصادر التاريخية أن بنو النضير من القبائل اليهودية التي استقرت بالمدينة المنورة، واختلف الباحثون في الأصل الذي تنتسب إليه، هل هي من القبائل العربية التي اعتنقت اليهودية؟ أم هي من القبائل التي تنتسب لبني إسرائيل وهاجرت إلى الجزيرة العربية في فترات تاريخية محددة ؟
فالباحثون الذين يقولون بأن بني النضير من القبائل العربية، فدليلهم في ذلك أنها تنتسب إلى فرع من قبيلة جذام العربية، وأنها تهودت ونُسِبَت للمكان الذي نزلت فيه، وهو اسم جبل بالمدينة المنورة،بالإضافة إلى الأسماء العربية لبعض زعمائهم، ومنها: حُيي بن أخطب وسلام بن مشكم وكنانة بن الربيع وسلام بن أبي الحقيق وسلام بن الربيع وغيرها. لكن هذه الأدلة التي ساقها أصحاب هذا الرأي ليست بالقوة الكافية للتصديق بها.
أما الباحثون الذين يقولون بأن بني النضير من القبائل التي تنتسب تاريخيا إلى بني إسرائيل، فدليلهم أقوى ويستندون إلى وقائع وأحداث تاريخية تبين هجرتهم واستقرارهم بالجزيرة العربية في فترات تاريخية، كما يؤكدون أن شجرة الأنساب العربية لاتتضمن قبيلة بني النضير وغيرها من القبائل اليهودية التي استقرت بالمدينة المنورة.
أحداث غزوة بني النضير: تشير أغلب مصادر السيرة النبوية أن سبب أحداث غزوة بني النضير هو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جاءهم يستعينهم في دية القتيلين من بني عامر اللذين قتلهما عمرو بن أمية الضمري، فقالوا: نعم يا أبا القاسم نعينك على ما أحببت، ثم تآمروا بعد ذلك لقتله. لكن ابن حجر العسقلاني يخالف هذا القول، ويروي لنا سبب إجلائهم بسند صحيح متصل، قال ” وروى ابن مردويه قصة بني النضير بإسناد صحيح إلى مَعْمر عن الزهري: “أخبرني عبد الله بن عبد الرحمن بن كعب بن مالك عن رجل من أصحاب النبي – صلى الله عليه وسلم – قال: كتب كفار قريش إلى عبد الله بن أُبيّ وغيره ممن يعبد الأوثان قبل بدر يهددونهم بإيوائهم النبي – صلى الله عليه وسلم – وأصحابه ويتوعدونهم أن يغزوهم بجميع العرب، فهمّ ابن أُبيّ ومن معه بقتال المسلمين، فأتاهم النبي – صلى الله عليه وسلم – فقال: “ما كادكم أحد بمثل ما كادتكم قريش، يريدون أن تلقوا بأسكم بينكم” فلما سمعوا ذلك عرفوا الحق فتفرقوا، فلما كانت وقعة بدر كتب كفار قريش بعدها إلى اليهود: إنكم أهل الحلقة والحصون، يتهددونهم، فأجمع بنو النضير على الغدر، فأرسلوا إلى النبي – صلى الله عليه وسلم -: اُخرج إلينا في ثلاثة من أصحابك ويلقاك ثلاثة من علمائنا، فإن آمنوا بك اتبعناك، ففعل، فاشتمل اليهود الثلاثة على الخناجر فأرسلت امرأة من بني النضير إلى أخ لها من الأنصار مسلم تخبره بأمر بني النضير، فأخبر أخوها النبي – صلى الله عليه وسلم – قبل أن يصل إليهم، فرجع، وصبّحهم بالكتائب فحصرهم يومه، ثم عدا على بني قريظة فحاصرهم فعاهدوه، فانصرف عنهم إلى بني النضير، فقاتلهم حتى نزلوا على الجلاء، وعلى أن لهم ما أقلت الإبل إلا السلاح، فاحتملوا حتى أبواب بيوتهم، فكانوا يخربون بيوتهم بأيديهم فيهدمونها، ويحملون ما يوافقهم من خشبها. وكان جلاؤهم ذلك أول حشر الناس إلى الشام” وكذا أخرجه عبد بن حُميد في تفسيره عن عبد الرازق، وفي ذلك رد على ابن التين في زعمه أنه ليس في هذه القصة حديث بإسناد. قلت (ابن حجر): فهذا أقوى مما ذكر ابن إسحاق من أنّ سبب غزوة بني النضير طلبه – صلى الله عليه وسلم – أن يعينوه في دية الرجلين، لكن وافق ابن إسحاق جُلّ أهل المغازي”. [1]
أما الطبري فيروي لنا أحداث غزوة بني النضير، وسببها كما هو مشهور في كتب السيرة النبوية، قال” عن ابن إسحاق أنه قال: “خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بني النضير يستعينهم في دية ذينك القتيلين من بني عامر، اللذين قتلهما عمرو بن أُميّة الضمري، للجوار الذي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم عقد لهما.. وكان بين بني النضير وبني عامر حلف وعقد، فلما أتاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم يستعينهم في دية القتيلين، قالوا: نعم، يا أبا القاسم نعينك على ما أحببت مما استعنت بنا عليه. ثم خلا بعضهم ببعض فقالوا: إنكم لن تجدوا هذا الرجل على مثل حاله هذه، ورسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جنب جدار من بيوتهم قاعد، فقالوا: مَن رجل يعلو هذا البيت فيلقي عليه صخرة فيقتله فيريحنا منه.. فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم الخبر من السماء بما أراد القوم، فقام وقال لأصحابه لا تبرحوا حتى آتيكم، وخرج راجعاً إلى المدينة. ولما رجع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم انتهوا إليه وهو جالس في المسجد، فقالوا: يا رسول الله انتظرناك ومضيت، فقال: همت يهود بقتلي وأخبرنيه الله عزَّ وجلَّ، ادعوا إليَّ محمد بن مسلمة، قال: فأتى محمد بن مسلمة، فقال: اذهب إلى يهود فقل لهم: أخرجوا من بلادي ولا تساكنوني وقد هممتم بما هممتم به من الغدر.. فقالوا: نتحمل، قال: فأرسل إليهم عبد الله بن أُبي يقول: لا تخرجوا فإن معي من العرب وممن انضوى إليّ من قومي ألفين فهم يدخلون معكم وقريظة تدخل معكم.. فقال سلام بن مشكم لحيي بن أخطب: يا حيي اقبل هذا الذي قال محمد، فإنما شرفنا على قومنا بأموالنا قبل أن تقبل ما هو شر منه، قال وما هو شر منه؟ قال أخذ الأموال وسبي الذراري وقتل المقاتلة، فأبى حيي، وأرسل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنا لا نريم دارنا فاصنع ما بدا لك، قال: فكبّر رسول الله صلى الله عليه وسلم وكبر المسلمون معه، وقال: حاربت يهود”. [2]
بعد ذلك حاصرهم وقاتلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى طلبوا الصلح، وكانت نتيجة ذلك كله الحكم بإجلائهم من ديارهم، على أن يأمنهم على دمائهم ونسائهم وذراريهم وما حملته الإبل من أموالهم ،كما وردت تفاصيله في سورة الحشر، يقول الحق سبحانه وتعالى “ هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَار” سورة الحشر، الآية 2. وهي صورة واضحة لخبت اليهود وهم في حالة انهزام يخربون بيوتهم لكي لا يستفيد منها المسلمون ، فمنهم من توجه إلى خيبر، ومنهم من توجه إلى الشام، يقول مصطفى السباعي ” فلما أرادوا الخروج أخذوا كل شيء يستطيعونه، وهدموا بيوتهم كيلا يستفيد منها المسلمون، وساروا، فمنهم من نزل خيبر على بعد مائة ميل من المدينة، ومنهم من نزل في ناحية «جرش» بجنوب الشام، ولم يسلم منهم إلا اثنان.” [3]
يهود بني النضير في هذا الزمان: إذا كان القتل والتآمر على الإسلام وأهله سمة أساسية ليهود بني قينقاع وبني النضير، فإن الإبادة الجماعية وتخريب البنايات ومحو الآثار الإنسانية هي سمة اليهود الصهاينة في هذا الزمان في غزة وأرض فلسطين. لذلك يحق لنا التساؤل عن صهاينة هذا الزمان أهم من اليهود حقا؟ لاشك أن الجواب عن هذا السؤال يلزمه بحث آخر، لكن الأكيد أن اليهود الصهاينة في هذا الزمان هم عصابة ومرتزقة من جنسيات مختلفة، استوطنوا أرض فلسطين وهجروا أهلها، وعَلَوا علوا كبيرا وفسدوا فسادا لامثيل له في التاريخ، ولعله يكون الفساد الثاني والأخير قبل وعد الآخرة، والتي من شروطه اجتماعهم في الأرض المباركة، يقول الحق سبحانه” وَقُلْنَا مِن بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا” سورة الإسراء الآية 104. وهذا وعد حق لاشك فيه، نسأله جلت قدرته أن يتحقق على أيدي هذا الجيل الفريد من أبناء المقاومة الفلسطينية الصامدة، ونسأله جلت قدرته أن لايميتنا حتى نعيش هذه اللحظة الخالدة المتمثلة في نهاية فساد الصهاينة في أرض فلسطين وتحرير القدس والمسجد الأقصى من أيدي القتلة المجرمين. وهو دعاء دعا به قبلنا سعد بن معاذ على يهود بني النضير، وهو شاب بلغ ٣٧ سنة من عمره، ومصاب إصابة قاتلة، يقول” اللهم إنك تعلم أنه ليس أحد أحب إليّ أن أُجاهده فيك من قوم كذّبوا رسولك وأخرجوه، اللهم فإني أظن أنك قد وضعت الحرب بيننا وبينهم، فإن كان بقي من حرب قريش شيء فأبقني لهم حتى أُجاهدهم فيك، وإن كنت وضعت الحرب فافجرها -أي: افجر إصابتي واجعلها تزيد- واجعل موتتي فيها…. ثم قال في آخر دعائه: ولا تمتني حتى تقر عيني من بني قريظة”[4].
ملاحظة : إننا إذ نخاطب يهود بني قريضة ويهود بني النضير باسم اليهود، فلأن نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية خاطبتهم بهذا الاسم لا بغيره. أما يهود اليوم في أرض فلسطين ومن يحالفهم ومن يدعمهم فهم صهاينة غاصبون نخاطبهم باليهود الصهاينة الغاصبين، ولا نتعرض لليهود الآخرين الذين ينكرون هذه الإبادة الجماعية وهم قلة مقتصدة ، يقول الحق سبحانه ” مِّنْهُمْ أُمَّةٌ مُّقْتَصِدَةٌ ۖ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ” سورة المائدة الآية 66.
الهوامش
[1] فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ابن حجر العسقلاني(ت852ه)، دار المعرفة بيروت ـ لبنان، د.ط، ج7،ص:331 ـ 332.
[2] تاريخ الأمم والملوك، محمد بن جرير الطبري، ، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، بيروت، الطبعة الرابعة، 1403ه / 1983م، ج2، ص: 223-224 .
[3] كتاب السيرة النبوية دروس وعبر : مصطفى السباعي، المكتب الإسلامي، الطبعة الثالثة 1405ه/1985م، ص:88.
[4] السيرة النبوية: الحنفي راغب السرجاني، دروس صوتية قام بتفريغها موقع الشبكة الإسلامية:
(http://www.islamweb.net)، ج28، ص14.