مُعَلَّقَةُ الفَارِسِ وَالعَيْنَيْنِ (قصيدة)
مُعَلَّقَةُ الفَارِسِ وَالعَيْنَيْنِ (قصيدة)/ أبو علي الصُّبَيْح
مُعَلَّقَةُ الفَارِسِ وَالعَيْنَيْنِ (قصيدة)
أبو علي الصُّبَيْح
ألا يا ابنةَ الصحراءِ مهلًا فإنّني
رأيتُ بعينيكِ الجحيمَ وأنعُمُ
خرجتُ من الهيجاءِ والسيفُ مُرهَقٌ
وعلى كتفي غُبرُ المعاركِ تَلطُمُ
أجرُّ صليلَ البيضِ خلفي كأنّني
لليلِ إذا ما ضجَّ بالرعدِ موسمُ
ولي في الوغى خيلٌ إذا ما دعوتُها
أتتْ، وعلى أعناقِ أعدائِها الدمُ
إذا ما اعتلى فرسي الكُميتُ توهّجتْ
رُبى الأرضِ حتى خلتُها تتبسَّمُ
وأطلقتُ رمحي في الكريهةِ مُقبلًا
فما عادَ من بينِ الصفوفِ مُسلَّمُ
أنا الفارسُ المشهورُ في كلِّ بلدةٍ
إذا ذُكرَ الأبطالُ فالاسمُ يُعلَمُ
أُطاردُ موتي ضاحكًا غيرَ هيِّبٍ
كأنَّ المنايا في يديَّ تُقسَّمُ
ولمّا رأيتُكِ استحالَ تجهّمي
ندىً، وكأنَّ القلبَ طفلٌ مُتيَّمُ
تبدّلَ صخرُ الروحِ نهرًا من الهوى
وصارَ حصانُ الحربِ بالحبِّ يحلُمُ
فيا فتنةَ البيداءِ ماذا صنعتِ بي؟
فإنّي قويٌّ، والهوى يتجَبَّرُ
أأنتِ التي كانتْ تُغنّي رياحُها
على خيمتي، والليلُ بالنجْمِ مُفعَمُ؟
أم البدرُ لمّا ضاقَ في الأفقِ موضعٌ
تنكّرَ حتى صارَ وجهًا يُكلِّمُ؟
رأيتُكِ بينَ الرملِ تمشينَ هادئًا
فمالَتْ سنابكُ خيلِنا وتلعثموا
كأنَّكِ آياتُ الجمالِ إذا بدتْ
تخشّعَ حتى السيفُ وهو مُصمَّمُ
أيا ظبيةَ الوادي التي لو تنفّستْ
لذابَ صقيعُ الليلِ والبردُ يُهزمُ
إذا ضحكتْ عيناكِ سالَتْ كواكبٌ
على وجنةِ الدنيا، وفاحَ الخُزامُ
أحبُّكِ حبًّا لو يُباعُ لزلزلتْ
كنوزُ الملوكِ الأرضَ وهي تُحطَّمُ
وأقسمتُ لا أهوى سواكِ وإنّني
رأيتُ نساءَ الأرضِ ثمّ تَأثَّموا
فما امرأةٌ إلا وأنتِ جمالُها
وما البدرُ إلا من محيّاكِ يُلهمُ
إذا ما مشيتِ اختالَ غصنٌ بخصرِكِ الـ
نحيلِ، وغنّى في الرياضِ الحمامُ
وإنْ مرَّ عطركِ في الخيامِ توهّجتْ
قلوبُ رجالٍ بالهيامِ تُخيَّمُ
أنا الليثُ لكنّي أمامَ ملاحةٍ
أُقيَّدُ، حتى يستبيحَنيَ الندمُ
أقودُ الجيادَ الشهبَ في كلِّ معركةٍ
وأرجعُ من عينيكِ وحدي مُهزَّمُ
إذا صاحَ داعي الحربِ هبّت عزائمٌ
كأنّ جحافلَنا لهيبٌ مُضرَّمُ
تُدوّي رماحُ القومِ حولي صواعقًا
وأضحكُ، فالموتُ الذي يتوهّمُ
وأضربُ بالسيفِ الصقيلِ جماجمًا
فتنشقُّ أبوابُ المنيّةِ والدمُ
ولي وقفةٌ يومَ الكريهةِ لم يزلْ
يُحدّثُ عنها السيفُ وهو مُكلَّمُ
أشقُّ صفوفَ القومِ والخيلُ خلفَنا
كأنّا رياحُ الصيفِ حينَ تَسمَّمُ
فكم فارسٍ جرّبتُهُ فتكسّرتْ
على حدِّ سيفي عزّةٌ وتوهُّمُ
وكم رايةٍ كانتْ تُظلّلُ بطشَهم
هوتْ، وعلَتْ فوقَ العجاجِ لنا العَلَمُ
ولكنَّني عندَ المساءِ إذا خلوتُ
يعودُ إليَّ العاشقُ المُتألِّمُ
أضمُّ بقايا الحربِ فوقَ وسادتي
وأذكرُ عينيكِ اللتينِ تُرنِّمُ
فأنسى صهيلَ الخيلِ حينَ أراكِ في
خيالي، ويخبو في ضلوعي التجهُّمُ
تعالي، فإني قد تعبتُ من الوغى
ومن صحبةِ الأيامِ وهي تجهَّمُ
تعالي أعلّمكِ القصائدَ كلَّها
فإنَّكِ بحرُ الشعرِ حينَ يُترجَمُ
سأكتبُ فوقَ الرملِ اسمَكِ خاشعًا
فتحفظُهُ الصحراءُ ما دامَ زمزمُ
وأزرعُ من أجلكِ ألفَ قصيدةٍ
إذا متُّ يبقى بعدَ موتيَ مُعجَمُ
فيا ابنةَ الأحرارِ هلّا تبسّمتْ
شفاهُكِ؟ إنَّ الروحَ منكِ تُكلَّمُ
فما عدتُ أدري: هل أنا في معركةٍ
أم الحبُّ سيفٌ في الضلوعِ مُخيَّمُ؟