منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الفتنة الأولى وبداية الانكسار في تاريخ الأمة الإسلامية؛ دراسة في الأسباب والنتائج

ذ.محمد الغالي

0

الفتنة الأولى وبداية الانكسار في تاريخ الأمة الإسلامية؛

دراسة في الأسباب والنتائج

ذ.محمد الغالي

ملخص:

عرفت الأمة الإسلامية في فترة مبكرة انحدارا تاريخيا منذ كسر باب الفتنة الذي ذهب ضحيته عمر الفاروق، وبقتله بدأت الفتنة تلوح في الأفق، بعده تولى سيدنا عثمان، فتلاطمت واشتدت نارها بموته رضي الله عنه، وما نتج عن هذه الفتنة المؤلمة من قتال بين المسلمين، وما تلا ذلك من تمزق للجماعة المسلمة الأولى، إذ ظهرت الخوارج وتسلسلت إلى طوائف شغلت بحروبها المسلمين قرونا، وظهرت ثورات آل البيت من قيام الإمام الحسين عليه السلام ولم يكن مقتله الفاجع أقل وجوه تلك الفتنة قتامه، وبرزت الشيعة وتناسلت مذاهبهم، وكان أهم نتيجة لهذه الفتنة تحول نظام الحكم من الخلافة الإسلامية على منهاج النبوة إلى ملك عاض وجبري من بعده.

نعم انتقضت عروة الحكم، وانحرف المسار، وبدأ الانكسار، بعد ثلاثين سنة من وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم. وواكب النقض فتن ومدلهمات وسالت الدماء، وظل السيف سيد الموقف يصول ويجول فوق الرقاب. وحل الاستبداد مكان الشورى والظلم بديل العدل، وجاء من يحكم بهواه وعصبيته وجبروته، لا بالقرآن ولا بشورى أهل القرآن ولا بعدل القرآن ولا بإحسان أمر به القرآن.

وتاريخنا يفرض علينا فهم هذا الانكسار الذي حدث عقب أحداث الفتنة الكبرى، لكي نفهم كيف انفرط عقد الجماعة الأولى، وكيف انتقضت عروة الحكم كنتيجة لهذا الانفصام، وآثار ذلك على تاريخ المسلمين.

الكلمات المفتاح: الفتنة، الأمة، الانكسار التاريخي، الخلافة، الملك.

مقدمة:

الحمد لله الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق وتكفل سبحانه بحفظ الدين بنفسه، ليظهره على الدين كله، وأنزل القرآن مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه، ونشكره سبحانه المنان علينا بعلمه وحلمه ورحمته، والصلاة والسلام على نبيه محمد الأمين وصحبه وآل بيته ومن تبعهم بعدل وإحسان وجعلنا معهم إلى يوم اللقاء عند رب العزة سبحانه.

أما بعد: لكي نستحق أن نكون من التلاميذ الراشدين في مدرسة النبوة بين يدي رسول الله الذي يعلمنا بالصحف المطهرة والكتب القيمة، ويأمرنا أن نعبد الله مخلصين له الدين بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وبالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ينبغي أن نوطن الأقدام ونصحح الأفهام ونرفع الهمم بلا حماس ثائر أو كراهة لماضي أمتنا، بل بعين فاحصة وقلب مطمئن نقرأ تاريخنا وبمواقف راسخة برسوخ إيماننا بالله ورسوله نستعد ونعمل لتحقيق موعود الله ووعد رسول الله صلى الله عليه وسلم.

قد يفضل بعض علمائنا السكوت والإطباق عن هذه المرحلة الصعبة والدقيقة معا والمهمة في نفس الآن في تاريخ المسلمين المنعوتة بمرحلة الفتنة الأولى أو الكبرى، حتى لا يستنقص من صحابة رسول الله. والأمر عكس ما ذهب إليه بعض سلفنا الصالح، فالبحث في مثل هذا الموضوع يختلف باختلاف أهداف الباحثين وتوجهاتهم، كما لا ننكر أن بعض الدراسات المغرضة تهدف إلى تشويه تاريخنا وتحريفه والطعن في رجالاته وصولا إلى الطعن في الدين.

ونظن أنه لا زالت ساحة الفكر الإسلامي المعاصر تحتاج إلى مزيد من الدراسات الحديثة من أجل تصحيح بعض الأخطاء الشائعة عند بعض الذهنيات التقليدية التي تنظر إلى الأمور من أسفلها، وتدافع عن تاريخ المسلمين ظنا منها أنه تاريخ الإسلام والأمر غير ذلك. والأمة لا تستطيع الخروج من أزمتها إلا بعدما تدرك كيف دخلت إليها.

ولكي نستوفي هذه الدراسة حقها قسمت البحث فيها إلى مبحثين ومقدمة وخاتمة.

المبحث الأول: الفتنة الأولى؛ دراسة في المفهوم والأسباب التاريخية والسياسية.

المبحث الثاني: الانكسار التاريخي الكبير ونتائجه على الأمة الإسلامية.

المبحث الأول: الفتنة؛ المفهوم والأسباب.

يختلط في مجتمعاتنا الغثائية الحق بالباطل وتشتبك الجاهلية بالإسلام على كل الأصعدة، وتتداخل الفتنة مع الجاهلية في أذهان العامة، والتشخيص النبوي يسمي مجتمعاتنا مجتمع فتنة، و التدقيق في الوصف له أهميته لأن عليه يبنى الحكم ومنه نصل إلى وسيلة العلاج. فما معنى الفتنة؟ وما أسبابها؟

المطلب الأول: مفهوم الفتنة وأنواعها.

1-الفتنة في اللغة: جمع فتن، والفتنة: الابتلاء والامتحان والاختيار…والفتنة المحنة، والفتنة المال، والفتنة الأولاد، والفتنة الكفر، والفتنة الفضيحة… وقيل الفتنة في التأويل الظلم. والفتان اللص والشيطان …والفاتن الصائغ… والمفتون المجنون [1].

و أصل الفتن إدخال الذهب في النار لتظهر جودته من رداءته، ويستعمل في إدخال الإنسان النار، ويطلق على العذاب كقوله تعالى: {ذوقوا فتنتكم}(الذاريات الآية 14). وإلى ما يحصل عند العذاب كقوله تعالى:{ألا في الفتنة سقطوا}( طه الآية: 40) وعلى الاختبار قوله تعالى: {وفتناك فتونا}( طه الآية: 40) وفيما يدفع إليه الإنسان من شدة ورخاء، وفي الشدة أظهر معنى وأكثر استعمالا قال تعالى: {ونبلوكم بالشر والخير فتنة}( الأنبياء الآية 35) ومنه قوله تعالى: {وإن كادوا ليفتنونك}( الإسراء الآية 73) أي يوقعونك في بلية وشدة في صرفك عن العمل بما أوحي إليك.

وفي مجملها إذا وردت مفردة “فتنة” تعني اختبار للإنسان منفردا، وإذا وردت جمعا “فتن” تعني مجموع الرزايا والحروب والبلايا، وبهذا المعنى نجد في كتب الحديث باب الفتن أو كتاب الفتن. فقد ورد في البخاري على سبيل المثال ثمان وعشرون بابا وما يقاربه في مسلم والترمذي وغيرهم من مصنفات علم الحديث.

2-الفتنة في الاصطلاح: يرد مصطلح “الفتنة” ليدل على معاني كثيرة، من ضمنها: اختلاف الناس في الآراء وما يقع بينهم من القتال. ويسمي الإسلام بلسان نبيه صلى الله عليه وسلم أمر الأمة إذا اختلط حتى ينطوي الحق ويمتد الباطل ويحل العنف محل القوة والتطاحن على العصبيات محل التعاون بين المسلمين والمحبة، يسمي الإسلام هذا فتنة.

وقد ورد هذا المعنى بجلاء على لسان سيدنا حذيفة رضي الله عنه قال: “لا تضرك الفتنة ما عرفت دينك، وإنما الفتنة إذا اشتبه عليك الحق بالباطل”[2] فالحق هو الإسلام والباطل هو الجاهلية، والفتنة مصطلح جامع لهذا الاشتباه.

والفتن هي مجموع ما يحدثه الله بفعله حكمة، أو ما يفعله البشر جناية من رزايا ومصائب وبلايا وإثم وظلم وسفك للدماء. ويمكن أن نعرفها سياسيا باعتبارها طغيان سياسي وفساد في الحكم ، تختلط فيها القيم وتفسد المقاييس ويتجند العقل في خدمة الإرادات المخربة ويزور ويكذب، وتحدث الفتنة.

3-الفتنة نوعان: الفتنة في المفهوم القرآني ليست هي في المفهوم السني، والمفهومان يكمل بعضها بعضا ويشرح ويفصل بعضه البعض كما هي علاقة السنة المطهرة بالقرآن الكريم، إذن فهي نوعان: فتنة ابتلائية بمفهوم قرآني، والفتن والملاحم التي أخبر بوقوعها الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم فهي إذن فتنة تاريخية، كما نحب أن نسميها تمييزا عن الابتلائية في القرآن الكريم.

والفتن خاصة وعامة؛ أما الخاصة فهي كذلك: فتنة الشبهات وهي أعظمها لأنها تصيب الإنسان في عقيدته أو دينه أو في عبادته وعلاقته مع ربه، وتعالج بعلم اليقين وحق اليقين وعين اليقين وإتباع ذلك بالتوبة والعمل الصالح، والأخرى فتنة الشهوات وفروعها كثيرة منها: فتنة القوارير، ولعلها من أهم الفتن في مجال الشهوات وهي أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء، وما ترك النبي عليه السلام بعده فتنة أشد على الرجال من النساء كما جاء عند الشيخين. وفتنة المال؛ وتدخل ضمنها فتنة الغنى والفقر.وفتنة الأولاد؛ وجودهم فتنة وغيابهم فتنة.وفتنة العلم: وهي من أشد الفتن، وضمنها فتنة المنطق ويبلى بها العلماء والخطباء. وفتنة العقل: وما يرادفها من الذكاء والموهبة أو الفطنة والكفاية، خاصة إذا لم يصاحبه التقوى والورع فقد يصيبه الغرور بالنفس وهو من أكبر مصادر الفتن.

والفتن الخاصة هي فتن عينية تصيب الإنسان في خويصة نفسه، وهذا النوع من الفتن لها علاجها. كما سنرى في حديث حذيفة  المقبل.

أما الفتنة العامة والتي تموج كموج البحر فهي ما يصيب الجماعات من رزايا وانشقاقات وفتن عظيمة تقود إلى رزايا في الدين والجماعة كما حصل في فتنة عثمان –رضي الله عنه- والتي تعتبر أول الفتن وأول وأكبر الخروم في الإسلام. عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال: بينما نحن جلوس عند عمر (بن الخطاب) إذ قال: أيكم يحفظ قول النبي صلى الله عليه وسلم في الفتنة؟ قال: فتنة الرجل في أهله وماله وولده وجاره يكفرها الصلاة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. قال: ليس عن هذا أسألك، ولكن التي تموج كموج البحر، فقال: ليس عليك منها بأس يا أمير المؤمنين، إن بينك وبينها بابا مغلقا. قال عمر: أيكسر أم يفتح؟ قال لا بل يكسر. قال عمر إذن لا يغلق أبدا. قلت أجل. قلنا لحذيفة –يقول شقيق وهو راوي الحديث- أكان عمر يعلم ما الباب. قال حذيفة كما يعلم أن دون غد ليلة. وذلك أني حدثته حديثا ليس بالأغاليط. فهبنا أن نساله من الباب !، فأمرنا مسروقا فسأله، فقال من الباب؟ قال عمر”[3]

نعم بقتل أمير المؤمنين عمر كسر الباب وأطلت الفتنة بقرنها ونمت وترعرعت في الفترة الأولى من حكم ذي النورين، في خفاء وسر حتى ظهرت بخروجها واستفحالها وكان أول ضحية لها الشهيد الأمير الصحابي الجليل عثمان بن عفان رضي الله عنه.

وقد مكث عمر بن الخطاب عشر سنوات وستة أشهر في الخلافة إذ لقب بأمير المؤمنين في ظل عهد تكرست فيه مؤسسات الدولة الإسلامية وتوسعت حدودها قبل أن يقتل على يد رجل من موالي الفرس / أبو لؤلؤة سنة 23هـ. وحديثنا عن الفتنة وأسبابها وخصائصها ونتائجها في ما تبقى من البحث، فهو حديث عن الفتن العامة.

المطلب الثاني: أسباب الفتنة العامة وخصائصها.

1-الأسباب: وللفتن أسباب وعلل، كما أن لها عوامل وظروفا، تساعد على انتشارها. وتعاون على نموها، ولا يكن علاج الفتن، أو منعها، إلا بمعرفة أسبابها، وأول هذه الأسباب: انحراف الأمراء عن الحق والعدل مما يؤدي إلى الطعن فيهم.  وكما أن للأمراء حق فلهم واجب، ومنهم تكون بعض أسباب الفتن أيضا، مما يقتضي محاسبة الأمير نفسه، وتنبيه الآخرين له.

ومن أسبابها أيضا الصراع السياسي على الحكم أو الخروج على الحاكم الشرعي ومنازعته الأمر. وهذا ما كان مع أصحاب “الجمل” على حسن نياتهم، فخروجهم لمطالبة الحق وبالقصاص من قتلة عثمان بدون الرجوع إلى الحاكم الفعلي ودون إنضباط لقوانين الحكم الشرعي، اجتهاد في غير محله بل كان سببا في فتنة ذهب ضحيتها الآلف من الأبرياء. ونفسه مع أصحاب “صفين” وخروجهم عن الجماعة ومنازعتهم الأمر أهله، فتنة وباطل بل بغي وظلم. ومن أسباب الفتن قلت العلم بالشرع أو الواقع  وفقهه، فيتصرف الدعاة بجهل، ولذلك نجد من يتمسك بعدم جواز تولية الجاهل الحكم ولو كان عاقلا عفيفا، كما ذكر ذلك غير واحد من أهل العلم.

2-الخصائص:

إن للفتن العامة خصائص كثيرة تميزها عن مشاكل الحوادث العرضية، وأحزان العمل الاعتيادية، وتفرقها عن الخلافات الطبيعية بين البشر، ولعل أهمها: هو اختفاؤها في البداية، ثم نموها بسرعة، حتى تدمر الأمة، دون الانتباه لها، فهي إذن لا تبرز للعيان مرة واحدة، بل تبدأ بنجوى الاثنين والثلاثة … وهكذا تتفاقم.

ومن مظاهر الفتن كذلك، نشاط أصحابها، وقوة عزيمتهم، والاستمرار والتعبئة الدائمة دون كلل ولا ملل، فتكاد لا ترى لصاحبها الهمة الفاترة أو الضعف المعروف، أثناء أوقات العافية والصحة، فإذا ما حصلت الفتن أو حصل الخلاف، رأيت رأس الفتنة وأصحابه نشيطون، وحول الحرص على الدعوة يتحدثون، وسنشير إلى نموذج عبد الله بن سبأ في معرضنا  عن الحديث حول أسباب اندلاع الفتنة بين الصحابة والخلافات السياسية بينهما وما كان له من دور لا يستهان به في تأجيج الخلاف وإشعال نار الحرب بين الإمام الشرعي علي بن أبي طالب كرم الله وجهه ومخالفيه من أهل الجمل وأصحاب صفين.

وإن من أهم خصائص الفتن كذلك، أن أهلها عيابون طعانون، يلبسون قليلا من الحق بكثير من الباطل، ويكتمون المحاسن ويظهرون المساوئ، ويكثرون من التدليس في رواياتهم ويسيئون تفسير المواقف ويتكلفون في تأويلها ويتأولون الألفاظ، فقد روي عن سيدنا عثمان في إحدى خطبه عندما استفحلت الفتنة وجحظت عيناها وكشرت  عن أنيابها، قال رحمه الله: “أما بعد، فإنه لكل شيء آفة، ولكل أمر عاهة وإن آفة هذه الأمة وعاهة هذه النعمة عيابون طعانون يرونكم ما تحبون، ويسرون لكم ما تكرهون، ويقولون لكم ويقولون أمثال النعام، يتبعون أول ناعق، أحب مواردها إليها البعيد، لا يشربون إلا نغصا، ولا يردون إلا عكرا لا يقوم لهم رائد. وقد أعيتهم الأمور، وتعذرت عليهم المكاسب”[4] وصف دقيق وصادق من رجل خبر الفتنة وذهب ضحيتها.

المطلب الثالث: مظاهر الفتنة الأولى.

من الواضح تاريخيا أن الدولة الإسلامية عرفت تحولات عظمى شملت جميع ميادين الحياة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية وغيرها من الجوانب، خاصة إبان خلافة عثمان رضي الله عنه، نذكر منها:

  • اتساع رقعة الدولة الإسلامية وصعوبة التحكم في الأطراف البعيدة.
  • دخول أجناس متعدد بعقائدها وأفكارها وعاداتها وأخلاقها المتباينة.
  • تظاهر العناصر الوافدة من الأجناس الأخرى باعتناق الإسلام قصد المكر به والتآمر عليه وضربه من الداخل.
  • تشكل طبقة الأعراب الذين أثوا من الفتوحات الإسلامية، وكنزوا الأموال واستوطنوا المناطق الخصبة بفعل تهافتهم على الدنيا ونفاقهم الذي تشربته قلوبهم، وهذه هي طبقة الرعاع التي أدت دورا خطيرا فيما وقع من أحداث[5].

ومن مظاهر الفتنة الأولى التي كانت لها نتائج مباشرة على مسار الأمة وتاريخها السياسي نذكر:

  • بروز الحركة السبئية وآثارها القوية في الفتنة بين المسلمين، وقد أرخ لهذه الحركة وزعيمها مجموعة من العلماء كالطبري[6] وأبو بكر بن العربي[7] ومن تبعهم من المتأخرين والمحققين، ومنهم من تحفظ على هذه الحركة وزعيمها عبد الله بن سبأ اليهودي ولم يذكر لها أثر بل ذهب للقول على أنها وهمية، لاعتماد سيف بن عمر الإخباري في الرواية وهو متروك وضعيف عند الذهبي وغيره.

والحقيقة أن هناك عوامل موضوعية أحسن ابن سبأ استغلالها وأعوانه استغلالا مكنت دعوته أن تغزو فئاما من الناس في البصرة ومصر والكوفة، كسلوك بعض الولاة الأمويين إبان خلافة سيدنا عثمان رضي الله عنه. وتقريب الخليفة لبعض عشيرته، وتحكم مروان بن الحكم في الأمر من وراء ستار. “هكذا نشأت الحركة السبئية اليهودية التي تستهدف تقويض الخلافة الإسلامية بتقويض قيادتها، فبدأ ابن سبأ وأصحابه ينظمون حرب الإشاعة ضد عثمان وولاته”[8].

  • مقتل عثمان بن عفان رضي الله عنه: فقد أخبرتنا الاستشرفات النبوية بالفتنة التي تموج كموج البحر، وبمقتل الخليفة الفاروق، رضي الله عنه، على يد أبو لؤلؤة الفارسي، كسر الباب ولم يفتح، وأقبلت الفتن حالكة كقطع الليل المظلم، ذهب ضحيتها الرجل المقنع ذي النورين، قتل بعد بيعته الشرعية، قتله كان خرما شنيعا في التاريخ الإسلامي، كما كان قتل الحسين، وابن الزبير.. و.. تكثر الأحداث ويحار المؤرخون. “والحق أن الفتن التي تعرض لها الإسلام والمسلمون في عهد الخليفة عثمان والتي فرضتها حركة التاريخ عليه فرضا، دون أن تكون له يد في إرجائها، ما كان في وسع أحد أن يدفعها (…) ومن الظلم للخليفة، والحقيقة أيضا، أن نرى في الخلاف الذي قام بينه وبين نفر من أصحابه ومن المسلمين الوافدين من بعض الأقطار جوهر الفتنة وشكلها الوحيد”[9]. فقد كانت زمرة من بني أمية بقيادة مروان بن الحكم يستغلون السلطان، ولا يعدلون في القسمة بين الناس في العطاء، وكان من جهة أخرى قبائل تطمح للسلطان وتنظر في عددها، وكان من العمال والحكام من اندسوا تحت بساط الإمام عثمان رضي الله عنه فكانوا قوما مفسدين، أعطوا غوغاء القبائل الفرصة والعلة اللازمة لإظهار السخط، ثم التمرد ثم الثورة ثم الفتك بالزكي الطاهر رضي الله عنه[10] .
  • طائفتان من المؤمنين اقتتلوا في وقعة الجمل: إنها فتنة ثالثة لم يعرف المسلمون مثلها قبل ذلك الزمان، إنها وقعة الجمل التي رفع فيها السيف بين المسلمين لأول مرة في تاريخهم. نذكر ذلك لرفع جانب من الستار بقدر ما نتبين الأسباب التاريخية للإنكسار الكبير والمريع في تاريخ الأمة الإسلامية. ولن نفهم المنهاج النبوي لإعادة الخلافة إن بقينا نستحي ونغطي وجوهنا كلما ذكرت تلك الفترة العنيفة من تاريخنا. ولن نفهم أسباب التمزق الذي نعيشه اليوم، ولن نفهم اتجاه ومحرك وأهداف الخلاف المذهبي بين طرائف الأمة الإسلامية؛ إلا بالنظر إلى الانشقاقات الرئيسية التي طرأت على جسم الأمة الموحد، لا شأن لنا بنبش الخلاف بين الصحابة رضي الله عنهم أجمعين، لكن نستعرض هذه الوقائع الفاصلة بين عهدين في حياة الأمة، عهد الخلافة والأخوة والألفة والوحدة، وعهد التدهور والعداء والعدوان الذي لا تزال تدفعنا موجاته المتلاحقة.
  • معركة صفين: إنها واقعة صفين حيت تعارضت إردتان مستميتتان انقسم المسلمون خلالها إلى معسكرين متعاديين وتواجها مدة سبعة أشهر في قتال على الماء والزحف المتواصل والقتل بالآلاف. وكانت ليلة الهرير رمزا شنيعا لكراهة المسلمين إخوانهم.
  • وفي سنة أربعين اجتمع بمكة جماعة من الخوارج، فتذاكر الناس، وما هم فيه من الحرب والفتنة، وتعاهد ثلاثة منهم على قتل علي، ومعاوية، وعمرو بن العاص، وتواعدوا أن يكون ذلك ليلة سبع عشرة من شهر رمضان[11]. وهكذا قتل أبا الحسن رضي الله عنه، وبقتله طوت الدولة الإسلامية مرحلة من مراحلها التاريخية التي حددها الرسول صلى الله عليه وسلم قي ثلاثين سنة من بعده، وأغلق باب الخلافة خلافة الشورى والعدل وفتح باب الإمارة والملك العاض وبيعة الإكراه.

خلاصة المبحث: تعتبر كلمة “فتنة” من المفاهيم الأساسية في الدين، مثل: إيمان، كفر، دنيا، أخرى، سعادة، شقاء، جنة، نار. فقد وردت مادة “فتن” في القرآن الكريم ستين مرة. وقد ذكرنا بعضها في عرضنا للتعريف اللغوي مع الراغب الأصفهاني، فهي: امتحان واختبار وابتلاء في الدنيا للإنسان، وفي الآخرة عرض للكفار على النار.

لكن حكمته سبحانه في الفتنة ليظهر في الواقع ما هو كامن في استعداد الفطر ومكنون القدر. أبدى لنا منها ما أبدى، واختص سبحانه بما لا علم لنا به.

و العامة من الناس  تخلط مفهوم الفتنة بمفهوم الجاهلية الوارد في القرآن الكريم، فالجاهلية هي جهل بالحق وعنف على العباد وحكم بغير ما أنزل الله، والفتنة ما اختلط عليك الحق بالباطل في مجتمع العصيان لا مجتمع الكفر.

المبحث الثاني: الانكسار التاريخي ونتائجه على الأمة الإسلامية.

عرفت الأمة الإسلامية في فترة مبكرة انحدارا تاريخيا منذ بداية الفتنة التي كانت شرارتها باغتيال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، ثم بظهور القلائل ومقتل عثمان وما تلي ذلك من حرب وقتال في واقعتي الجمل وصفين ومقتل علي ابن أبي طالب آخر خليفة للمسلين في الخلافة على منهاج النبوة الأولى.

نعم انتقضت عروة الحكم، وانحرف المسار، وبدأ الانكسار، بعد ثلاثين سنة من وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم. وواكب النقض فتن وحروب وصراعات وسالت دماء الأبرياء، وظل السيف سيد الموقف يصول ويجول فوق الرقاب. وحل الاستبداد مكان الشورى والظلم بديل العدل، وجاء من يقول من أعلى منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم “إني لن أوداوي أمراض هذه الأمة بغير السيف (…) والله لا يأمرني أحد بعد مقامي هذا بتقوى الله إلا ضربت عنقه”[12]، جاء من يحكم بهواه وعصبيته وجبروته، لا بالقرآن ولا بشورى أهل القرآن ولا بعدل القرآن ولا بإحسان أمر به القرآن. إنه الملك وكفى.

وتاريخنا يفرض علينا فهم هذا الانكسار الذي حدث عقب أحداث الفتنة الكبرى، لكي نفهم كيف انفرط عقد الجماعة الأولى، وكيف انتقضت عروة الحكم كنتيجة لهذا الانفصام، وآثار ذلك على تاريخ المسلمين، وكيف يتم الإبرام من جديد حتى تحقيق الخلافة الثانية على منهاج النبوة؟.

المطلب الأول: من الخلافة إلى الملك.

الخلافة هي حمل الكافة على مقتضى النظر الشرعي في مصالحهم الأخروية والدنيوية الراجعة إليها، والقائم بها يسمى خليفة وإماما، فأما تسميته إماما فتشبيها بإمامة الصلاة في إتباعه والاقتداء به ولهذا يقال الإمامة الكبرى،

وأما تسميته خليفة فلكونه يخلف النبي صلى الله عليه وسلم في أمته فيقال خليفة بإطلاق، وخليفة رسول الله، واختلف في تسميته خليفة الله، فأجازه بعضهم اقتباسا من الخلافة العامة التي للآدميين في قوله تعالى: { إني جاعل في الأرض خليفة}( سورة البقرة الآية 29). ومنع الجمهور ذلك لأن معنى الآية ليس عليه، فقد نهى أبو بكر عنه لما دعي به، وقال: لست خليفة الله ولكن خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولأن الاستخلاف إنما هو في حق الغائب أما الحاضر فلا [13].

والخلافة نوعان؛ خلافة عامة للبشر في استعمار هذه الأرض، وخلافة خاصة في الحكم للدول في قيادة البشرية. فإذا كانت غاية إستخلاف الله تعالى للإنسان في الأرض هي الإقرار له بالألوهية وتحقيق العبودية الكاملة له، فإن النظام الخلافي في الإسلام له غايات تصب كلها في الغاية الكبرى التي هي تحقيق العبودية لله عز وجل. فالغاية إذن هي إقامة الدين وتدبير المصالح العامة.

والملك يعني التغليب والحكم بالقهر، والملك الطبيعي هو حمل الكافة على مقتضى الغرض والشهوة، والسياسي هو حمل الكافة على مقتضى النظر العقلي في جلب المصالح الدنيوية ودفع المضار. والملك على الحقيقة هو لمن يستعبد الرعية ويجبي الأموال ويبعث البعوث، ويحمي الثغور، ولا تكون فوق يده يد قاهرة وهذا معنى الملك وحقيقته في المشهور كما يعبر ابن خلدون رحمه الله[14]  .

ولتحديد مرحلة الملك في تاريخ المسلمين نورد حديثا رواه أبو داود والترمذي بسند حسن وصححه ابن حبان “عن سعيد بن جهمان عن سفينة رضي الله عنه مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: الخلافة في أمتي ثلاثون سنة، ثم قال امسك عليك أي (أحسب في أصابعك)، خلافة أبي بكر، ثم قال خلافة عمر وخلافة عثمان، ثم قال خلافة علي. فوجدناها ثلاثين سنة، قال سعيد فقلت له إن بني أمية يزعمون أن الخلافة فيهم قال: كذب بنو الزرقاء بل هم ملوك من شر الملوك” زاد ابن أبي شيبة  وأول الملوك معاوية[15]  .

كان الصحابة رضوان الله عليهم وضمنهم الخلفاء الراشدون يدركون أيما إدراك الفروق الجوهرية بين الخلافة والملك، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخبرهم به ويحذرهم منه، وكان كلما تولى الواحد منهم أمر الأمة والخلافة يخشى أن يؤتى الأمر من جانبه، فيذهب يسأل أهل الشورى للاطمئنان على سلامة الطريق التي نهجها.

وإن قيل أن هناك أمران لا يحدد لهما وقت بدقة، النوم في حياة الفرد، والانحطاط في حياة الأمة، فبالنسبة للأمة الإسلامية الأمر خلاف ذلك، يقول أبو الحسن الندوي: ” إنه لحق في قضية أكثر الأمم، ولكن بدأ التدني والانحطاط في حياة الأمة الإسلامية أوضح منه في حياة الأمم الأخرى، ولو أردنا أن نضع أصبعنا على الحاد الفاصل بين الكمال والزوال لوضعناه على ذلك الخط التاريخي الذي يفصل بين الخلافة الراشدة والملوكية العربية أو ملوكية المسلمين[16]

ويحدد محمد قطب أسباب هذا الانتقال في نقطتين أساسيتين هما: الفتنة واتساع رقعة الفتح الإسلامي.يقول: “من الواضح أن الفتنة التي أحدثها عبد الله بن سبأ، وانتهت بمقتل عثمان – رضي الله عنه – ثم قيام النزاع بين علي ومعاوية، وظهور الخوارج ، كل ذلك كان من أسباب التمكين لهذا النظام الذي وصفه رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بأنه ملك عضوض،  فقد هزت الفتنة وجدان المسلمين هزا عنيفا حتى تمنوا أن ينتهي الصراع على أية صورة، وان يعود المجتمع المسلم إلى الاستقرار” [17].

دخول الأفواج الكبيرة من الشعوب والقبائل التي لم تتم لهم بعد فرصة التعميق في فهم الإسلام أو تلقي تربية متكاملة متوازنة تجعلهم حريصين على بيضة الإسلام ونظمه والخوف من اتساع الفتنة والرغبة في اطفائها على أية صورة، عاملان أساسيان مكنا للملك العضوض والجبري من بعده.

وقد كان امتلاك معاوية ابن أبي سفيان لأعنة الحكم وزمامه مرحلة انتقالية في تاريخ الدولة الإسلامية من الخلافة إلى الملك، وقد فهم الصحابة وغيرهم من كبار التابعين تلك المرحلة وكانوا يقولون نحن على أبواب الملك، حتى أن الصحابي يدخل على معاوية –بعد بيعته- فيقول له السلام عليكم أيها الملك، حتى أن معاوية نفسه فهم هذه الحقيقة أيضا ذات مرة فقال عن نفسه: “أنا أول الملوك ”[18].

بل إن ابن كثير يقول أنها سنة أن يلقب معاوية بالملك بذل تلقيبه بالخليفة لأن النبي صلى الله عليه وسلم تنبأ فقال :” الخلافة بعدي ثلاثون سنة ثم تكون ملكا ”[19].

والملك العاض أو العضوض من العض: وهو الذي يعض على الأمة ببيعة الإكراه ويتشبث بالحكم ويعض عليه والمقصود به هو تلك المرحلة التي جاءت بعد الخلافة الراشدة.

وقد حكم العالم الإسلامي في هذه المرحلة عدة أسر تداولت الملك بالوراثة منها ثلاثة أسر ذات سلطة مركزية تحافظ على بيضة المسلمين لأنها بسطة نفوذها على معظم أقطار العالم الإسلامي، وهي: بنو أمية وبنو العباس، وآل عثمان. وقد عاش على أطراف هذه الدول دول صغرى أخرى منها: الدولة السمانية والأيوبية والسلاجقة والمماليك والأدارسة والمرابطون والموحدون والطوائف…

وأما الجبر فهو القهر والتجبر وهو الذي يحكم بغير ما أنزل الله فهو الظلم الأكبر وهو الاشتراك مع الله في حاكميته، وتفشي الرشوة والإدلاء بالأموال في الباطل، وهذا ما سماه ابن خلدون بالتعسف في الأموال، فتجمع خصلتا الشهوة والاستكبار (الغرض والشهوة). والمسلمون اليوم تحت القهر الجبري أي الدكتاتوري بلسان العصر، ولهو أفظع من العاض، لأن الجبري وإن كان يلوح بشعارات الدين كما يفعله الملك العاض، فقد أفرغ أجهزة الحكم والإعلام والتعليم وأفرغ قوانين الحكم من كل معاني الإسلام.

ونختم هذا المطلب بمجمل الإختلافات والفروق بين الخلافة والملك :

  • من الناحية الدينية : نجد الخلافة ملتزمة بالثوابت كالشورى في الأمر ، والعدل في الحكم، فأصبحت الدولة ( في عهد الملك ) مسيرة بفردية ضارية ابتدأت بملك فردي، وانتهت بوضع المخزن .
  • ومن الناحية السياسية: نجد أن حق الأمة في الانتخاب قد انتهى بالخليفة الرابع ليبدأ عهد الوراثة في الحكم .
  • من الناحية الاقتصادية: نجد أن المال أصبح في يد الحاكم الفرد بعد أن كان في يد أمين بيت مال المسلمين.
  • من الناحية الاجتماعية: نجد أن الأمة كانت تعيش في ظل المساواة لا فرق لعربي على عجمي إلا بالتقوى … ثم أصبحت – بعد التحوير- طبقة من نوع مستأثر، ويتربع على رأس الهرم الجديد بنو أمية فقريش فاليمانية فالموالي فالذميون ومن ثم قامت هذه العلاقات الاجتماعية الجديدة على الكراهية والحقد والتعالي وسفك الدماء[20].

بالإضافة إلى بعض التغيرات الأخرى التي طرأت بحلول الملك محل الخلافة كزوال حرية الرأي إذ المسلمون سلبوا حريتهم في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وخير دليل على ذالك قتل حجر بن عدي عام 41هـ وكان صحابيا جليلا زاهدا عابدا، ثم زوال حرية القضاء حيث أن القاضي أصبح منقادا لأمر الملك ويحكم بهوى الملك، أضف إلى ذلك ظهور العصبيات القومية والجنسية والوطنية والقبلية التي رفعت رأسها من جديد بعدما أخمدها الإسلام.

وبكلمة شاملة، فالخلافة تعني الشورى والانتخاب و مواصفات الحاكم. والملكية تعني الغلبة والظهور والوراثة والاستغناء عن مواصفات الحاكم.

ونحن دائما نسعى إلى الوقوف موقف الوسط والاعتدال واحترام مكانة الأشخاص وتغليب المبدأ ، فلا يؤدي بنا فصلنا بين الخلافة والملك  إلى التفسيق والتكفير، كحال المعتزلة والخوارج، ولا يؤدي بنا إلى تبرير الظلم والفجور، كحال العامة، ونستطيع أن نقول أن الخلافة أفضل من الملك، لأن العدل أفضل من الظلم والحسنات أفضل من السيئات، وترك الخلافة مع القدرة إثم وجريمة، والله أعلم .

المطلب الثاني: انتقاض عرى الإسلام.

إن من أخطر نتائج الفتنة على تاريخ المسلمين هو ذلك التغير الجذري الذي طرأ على طبيعة الحكم في دار الإسلام، حيث أنه لم تدم الخلافة الراشدة إلا تلك المدة القصيرة المقدر لها في كتاب، للتحول بعدها الى قدر الملك بعد وصول بني أمية إلى سدة الحكم، وانتقاض عروة الحكم حقيقة تاريخية نصا وعقلا، فعن أبي أمامة الباهلي  رضي الله عنه قال: “لتنقضن عُرى الإسلام عروة عروة، فكلما انتقضت عروة، تشبث الناس بالتي تليها، فأولهن نقضا الحكم، وآخرهن الصلاة”[21].

وبانتقاض عروة الحكم جاء الملك العضوض الذي أنذر بهلاك الأمة على يد غلمانه، فقد سمع أبو هريرة رسول الله  صلى الله عليه وسلم يقول: هلك أمتي على يدي أغيلمة من قريش، فقال مروان غلمة؟ قال أبو هريرة لو شئت أن أسميهم بني فلان، وبني فلان. قال الراوي: فكنت أخرج مع جدي إلى بني مروان حين ملكوا الشام فإذا رآهم غلمانا أحداثا قال لنا عسى هؤلاء أن يكونوا منهم؟ قلنا أنت أعلم.[22]

بدأ الغلمة المفسدون من يزيد ثم مروان الذي سمعناه – في الحديث السابق-     يلعن الغلمة قبل أن تكشف الأيام أنه زعيمهم، ثم فشى الفساد والاستبداد في ذريته وشيعة بني أمية، حاشا بعض الصالحين منهم وهم قلة، إمامهم الصالح عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى.

ونفهم الهلاك في الحديث الشريف على أنه ليس نهاية الأمة وفنائها، ولكن ما نفهمه هو ذهاب الشورى والعدل وتيقظ العصبية وتسلط الملك على الأمة بالسيف والظلم، وتتعدد مظاهر فساد الحكم.

لو كان ذلك الانكسار في فجر الإسلام حدثا تاريخيا وخبرا مضى وقُبر لما كانت بنا حاجة لنبشه، لكن البلاء الذي عم الأمة كان هذا الانقلاب مبدأه، ونعني حكم الغلمة الذين على أيديهم هلكة الأمة. وبهم جثم على صدر الأمة الحكم الوراثي الذي لا نزال نعانيه، فالوراثة مناط البلاء في الحكم، لأنها تعني غياب اختيار الأمة، وعزلها عن أمرها الذي فرض الله أن يكون شورى وعدل وإحسان.

عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “أعوذ بالله من إمارة الصبيان”[23] وكان أبو هريرة يمشي في السوق –كما أورد الحافظ في الفتح[24]– “اللهم لا تدركني سنة ستين وإمارة الصبيان” قال الحافظ: وفي هذا إشارة إلى أن أول الأغيلمة كان في سنة ستين، وهو كذلك فإن يزيد بن معاوية استخلف فيها.

وهكذا بدأت بدعة الوراثة العاضة التي كانت في تاريخنا مناط البلاء كله، ولا زالت الأمة تتجرع مرارتها مع الوراثة الجبرية بأصنافها وألوانها الملكية والجمهورية والدكتاتورية.

المطلب الثالث: خروم الإسلام أربعة.

إن من أبرز آثار الفتنة الناتجة عن الانكسار التاريخي ما يسميه ابن حزم رحمه الله بخروم الإسلام قال: “خروم الإسلام أربعة مقتل عثمان، ومقتل الحسين، ويوم الحرة وقتل ابن الزبير”[25]

أول هذه الخروم مقتل سيدنا عثمان رضي الله عنه الذي يعتبر الخرم الرئيسي الذي نتجت على إثره الخروم الأخرى المعبرة عن استبداد الملك العاض واعتماده السيف في قتله للحسين بن علي الذي قام في وجه ظلم بني أمية، ومقتل ابن الزبير، ثم استباحة مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم في وقعة الحرة، وهو أخطر الخروم.

– روى الطبري وابن كثير وغيرهما قصة مقتل الحسين. نلخصها ونقول: بعد مقتل مسلم بن عقيل رحمه الله، بيوم واحد (وقد قتل يوم عرفة يوم الأربعاء تسع ذي الحجة سنة ستين) خرج الحسين بن علي من مكة متوجها نحو العراق، وقد استشعر الناس خروجه وأشفقوا عليه من ذلك وحذروه منه فلم يرجع، وحين نزلوا كربلاء وقال الحسين ما إسم هذه الأرض؟ قالوا كربلاء، قال كرب وبلاء. فالتقى الحسين بجيش عبيد الله بن زياد بقيادة عمر بن سعد، وجيش الحسين بن علي لا يربو اثنين وثلاثين فارسا وأربعين راجلا، في حين يعد جيش عدوه بالآلاف، وصبيحة يوم الجمعة وقيل يوم السبت، تواقف الجيشان فاقتتلوا حتى لم يبق مع الحسين أحد يحول بينهم وبينه، فحملت عليه رجال الأعراب من كل جانب وقتلوه، وقتل أصحابه عن أخرهم ومن الطرف الآخر أصحاب عمر بن سعد قتل ثمانية وثمانون نفسا. كان مقتله رضي الله عنه، يوم الجمعة يوم عاشوراء من المحرم سنة 61 هـ بمكان يقال له كربلاء من أرض العراق وله من العمر خمسون سنة.[26]

في كربلاء ! كانت حقا كربا وبلاء، بل قمة الكرب والبلاء، وهذا هو الخرم الثاني.

-ولما تولى الحكم –عبد الملك بن مروان – بعث الحجاج بن يوسف الثقفي المبير، ليقاتل عبد الله بن الزبير في مكة وكان قد تأمر بن الزبير على مكة أيام اليزيد وحاول قتله ولم يجد له بدا، فهاجمها (أي مكة) الحجاج بن يوسف الثقفي في موسم الحج وهو موسم كان الكافرون والمشركون في عصر الجاهلية يوقفون القتال ويمتنعون عن الحرب فيه، فنصب الحجاج مجانيقه على جبل أبي قيس وأمطر الكعبة بالحجارة. وقيل هدم جدار من جدارها، قال الواقدي: حوصر ابن الزبير ليلة هلال الحجة سنة اثنتين وسبعين وقتل لسبع عشر ليلة خلت من جمادى الأول سنة ثلاث وسبعين، فكان حصار الحجاج له خمسة أشهر وسبع عشرة ليلة. وبعد قتله رحمه الله. هو وأصحابه قطعت رؤوسهم وجيء بها من مكة إلى المدينة ثم إلى دمشق وعلقت جثثهم عدة أيام في عتبة المدينة .[27] وبذلك أصبح قطع الرؤوس وإرسالها سنة عند الملوك ! بل هي شر بدعة عرفها تاريخ المسلمين بعد بدعة الملك والوراثة.

بعدها أرسل الحجاج إلى أسماء بنت أبي بكر أم عبد الله بن الزبير، فأبت أن تأتيه، فجاءها وقال لها : كيف رأيتني صنعت بعدو الله؟ قالت رأيتك أفسدت عليه دنياه، وأفسد عليك آخرتك (…) قالت: أما إن رسول الله صلى الله عليه وسلم حدثنا : ” أن في ثقيف كذابا ومبيرا ” فأما الكذاب فرأيناه وأما المبير  فلا إخالك  إلا إياه .[28] وهذا هو الخرم الثالث من خروم الإسلام.

-أما الخرم الرابع والفظيع، وما الخروم الثلاثة الأولى أقل منه فظاعة هو ما سماه المؤرخون بوقعة الحرة، وكان سببها أن أهل المدينة خلعوا يزيد بن معاوية وولوا على قريش عبد الله بن مطيع، وعلى الأنصار عبد الله بن حنظلة – الغسيل- بن أبي عامر ، وهو قائد أهل الحرة باتفاق أهل المدينة، حيث بايعوه على الموت.

فصار إليهم مسلم بن عقبة بأمر من يزيد فنزل شرق المدينة في الحرة، ودعا أهلها ثلاثة أيام، فأبو إلا المقاتلة ! …فاقتتلوا قتالا شديدا، ثم أنهزم أهل المدينة (…) فأباح مسلم بن عقبة، الذي يقول فيه السلف مسرف بن عقبة – المدينة- ثلاثة أيام كما أمره المخمور … وقتل خلقا كثيرا من أشرافها وقرائها وانتهب أمولا كثيرة منها ووقع شر عظيم وفساد كبير. قال الواقدي: كانت وقعة الحرة يوم الأربعاء لليلتين بقيت من ذي الحجة سنة ثلاث وستين.[29]

إن حديثنا هذا عن الانكسار التاريخي وعن انتقاض عروة الحكم في ذلك الوقت المبكر وعن مظاهر ونتائج الفتنة عموما، فإننا لا نشك أن هذه الأمة المرحومة مرعية بعناية الله عز وجل وسيكتب لها الاستمرار مهما هبت الرياح واشتدت العاصفة وأن سفينتها لن تحطم بفعل هذا الانكسار وهذه الفتن وهذه الخروم وما بعدها، وأنها ستوصل ركابها إلى شاطئ الرحمة والنور، وسيولي زمن الظلم والظلمة والملك العضوض والجبري، وسيتحرر الانسان من كل عبادة سوى عبادة الواحد الأحد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد.

خاتمة:

إن معرفة تاريخنا وكيف انتقضت عرى إسلامنا وكيف انشطرت أمتنا ومتى غاب منهاج نبينا فقه ضروري لنا، لنعرف من أين نبدأ الفتل من جديد، فإذا كان الفكر الغربي يعتقد أنه قد وصل  نهاية التاريخ  بموت فلسفاته ونهايتها، واستقر الأمر عندهم على الليبرالية الديمقراطي! فإن المشروع الإسلامي لا زال صامدا طيلة خمسة عشر قرنا رغم ما تعرض له من كيد الكائدين ونفخ الكافرين، لأن الله سبحانه تعهد بحفظ كتابه الكريم، والرسول صلى الله عليه وسلم أخبرنا أن الله عز وجل يرسل على رأس كل مائة سنة من يجدد للأمة دينها.

وفي هذا البحث وقفنا على جدلية التاريخي والسياسي خلال تحليلنا لأحداث الفتنة وما نتج عنها من آثار في تاريخ هذه الأمة، خصوصا في مجال الحكم، لأن التحولات والانكسارات التاريخية هي نتيجة تكاد تكون حتمية للانحدارات التي طرأت في سكة الحكم، وأول عرى الإسلام انتقاضا عروة الحكم، وبعدها سقطت العرى الأخرى تباعا، عرى الاقتصاد والاجتماع والأخلاق وجميع عرى الدين.

إن هذا الكشف الواضح لتاريخنا لا نستهدف به التنقيص من قيمة ماضي الأمة ومجدها وإنما نقصد به، بالدرجة الأولى، معرفة وتشخيص داء الأمة من خلال دراسة تاريخها السياسي وأثر ذلك على مستقبلها، لأن ذلك يساعدنا كيف نعيد إبرام الأمر من جديد بتجاوزنا للأخطاء والعقبات، مع العلم واليقين أن هذه المرحلة التي نعيش في كنفها اليوم لن تدوم طويلا، لأن سنة الله وناموسه في الكون أن بعد الليل يبزغ الفجر، وأن بعد العسر يسرا، وأن بعد الملك خلافة ثانية على منهاج النبوة.

وأخر دعونا أن الحمد لله رب العالمين.


لائحة المصادر والمراجع:

  1. الراعب الآصفهاني، أبو إسحاق الحسين بن محمد، المفردات في غريب القرآن، تحقيق صفوان عدنان الداودي، دار القلم، دمشق، الطبعة الأولى، سنة1412هـ.
  2.  ابن منظور، أبو الفضل جمال الدين محمد بن مكرم الإفريقي، لسان العرب، دار صادر، بيروت، الطبعة الثالثة، سنة1414هـ.
  3. أبو داود، سليمان بن الأشعث، سنن أبي داوود، تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد، المكتبة العصرية صيدا، بيروت، د ط. د ت.
  4. البخاري، محمد بن إسماعيل، الجامع الصحيح، تحقيق مصطفى ديب البغا، دار ابن كثير، دمشق، الطبعة الخامسة، سنة1414هـ1993م.
  1. عادل الشوخ، مسافر في قطار الدعوة.. دار البشير للثقافة والعلوم، مصر. الطبعة الأولى، 1996م.
  1. جمال أمين، وآخرون، الخلافة الراشدة والأيادي الخفية، دار قرطبة، البيضاء، الطبعة الأولى، سنة1991م.
  2. الطبري، أبو جعفر محمد بن جرير، تاريخ الأمم والملوك، دار الفكر للطباعة والنشر، الطبعة الأولى، د س.
  3. ابن العربي، أبو بكر، العواصم من القواصم، تحقيق محب الدين الخطيب ، المطبعة العلمية بيروت لبنان 1986م.
  4. الجابري، إدريس، الخلافة والخلاف، دار قرطبة، الطبعة الأولى، سنة 1989م.
  5. المودودي، أبو الأعلى، الخلافة والملك، تعريف أحمد إدريس، دار المختار الإسلامي، القاهرة، الطبعة الثانية، سنة 1995م.
  6. ياسين، عبد السلام، الخلافة والملك، دار الأفاق، الطبعة الثانية، سنة2001م.
  7. ابن كثير، أبو الفداء، البداية والنهاية، دار الفكر، بيروت، د ط، سنة 1978م.
  8. ابن الأثير الجزري، عز الدين أبي الحسن علي بن أبي الكرم، الكامل في التاريخ، دار الفكر، بيروت، طبعة 1978م.
  9. ابن خلدون، عبد الرحمان بن محمد، مقدمة ابن خلدون، دار الجيل، بيروت، د ك، د ت.
  10. الندوي، أبو الحسن، ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين، دار الجيل بيروت، د ط، سنة 1994م.
  11. قطب، محمد، كيف نكتب التاريخ الإسلامي، دار الوطن للنشر الرياض، د ط، د ت.
  12. الوزير، زيد بن علي، محاولة في تصحيح المسار، مركز التراث والبحوث اليمني، الطبعة الأولى، سنة 1992م.
  13. ابن حنبل، أحمد، المسند، تحقيق شعيب الأرنؤوط، المكتب الإسلامي بيروت، الطبعة 5، 1985م.
  14. ابن حجر، العسقلاني، فتح الباري شرح صحيح البخاري، دار الفكر للطباعة والنشر، د ط، د ت.
  15. ابن عماد الحنبلي، شذرات الذهب في أخبار من ذهب،  المكتب التجاري للطباعة والنشر، بيروت لبنان.د ط، د ت.

[1]–الراعب الآصفهاني، أبو إسحاق الحسين بن محمد، المفردات في غريب القرآن، تحقيق صفوان عدنان الداودي، دار القلم، دمشق، الطبعة الأولى، سنة1412هـ  مادة قتن ص: 523. وينظر: ابن منظور ، أبو الفضل جمال الدين محمد بن مكرم الافريقي ،لسان العرب، دار صادر، بيروت، الطبعة الثالثة، سنة1414هـ –مادة “فتن”- ج 13 ص 317 .

[2]  أبو داود، سليمان بن الأشعث، سنن أبي داوود، تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد، المكتبة العصرية صيدا، بيروت،د ط، د ت. كتاب السنة، باب ما يدل على ترك الكلام في الفتنة، رقم الحديث4663.

[3]  البخاري، محمد بن اسماعيل، الجامع الصحيح، تحقيق مصطفى ديب البغا، دار ابن كثير، دمشق، الطبعة الخامسة، سنة1414هـ1993م،كتاب الفتن، باب الفتن التي تموج كموج البحر،رقم الحديث 6683. ج6، ص:599.

4-عادل الشوخ، مسافر في قطار الدعوة.. دار البشير للثقافة والعلوم، مصر. ط:1، 1996،ص: 455.

[5]  ينظر: جمال أمين، وآخرون، الخلافة الراشدة والأيادي الخفية، دار قرطبة، البيضاء،الطبعة الأولى، سنة1991، ص: 45 .

[6] ينظر، الطبري، أبي جعفر محمد بن جرير ، تاريخ الأمم والملوك، دار الفكر للطباعة والنشر، الطبعة الأولى، دت، ج 3.

7 ينظر: ابن العربي، أبو بكر، العواصم من القواصم، تحقيق محب الدين الخطيب ، المطبعة العلمية بيروت لبنان 1986.

[6]   الجابري، إدريس ،الخلافة والخلاف، دار قرطبة، الطبعة الأولى، سنة 1989 ص: 44.

[9] المودودي، أبو الأعلى، الخلافة والملك، تعريف أحمد إدريس، دار المختار الإسلامي، القاهرة، الطبعة الثانية، سنة 1995، ص 57/58.

10  ينظر: ياسين، عبد السلام، الخلافة والملك، دار الأفاق، الطبعة الثانية، سنة2001، ص 33.

[11] ينظر: ابن كثير، أبو الفداء، البداية والنهاية ، دار الفكر، بيروت،د ط، سنة 1978 (1398) ،ج 7 ص 323/324.

[12]  ابن الأثير الجزري، عز الدين أبي الحسن علي بن أبي الكرم، الكامل في التاريخ، دار الفكر، بيروت، طبعة 1978، 4/41 .

[13]  ينظر: ابن خلدون، عبد الرحمان بن محمد، مقدمة ابن خلدون، دار الجيل، بيروت، د ك، د ت، ص 211.

[14]  ابن خلدون، المقدمة، م.س، ص208.

[15]  الترمذي، السنن، كتاب الفتن، باب 41 وأبو داود في كتاب السنة باب 8 ج4 ص 272.

[16] الندوي، أبو الحسن، ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين، دار الجيل بيروت، د ط، سنة 1994، ص: 184.

[17] قطب، محمد، كيف نكتب التاريخ الإسلامي، دار الوطن للنشر الرياض، د ط، د ت، ص 111.

[18]  ابن كثير،البداية والنهاية، م.س، ج 8 ص 185.

[19]   سبق تخريجه في ص:12.

[20]  ينظر:الوزير، زيد بن علي، محاولة في تصحيح المسار، مركز التراث والبحوث اليمني، الطبعة الأولى، سنة 1992.ص 43.

[21]  ابن حنبل، أحمد، المسند، المكتب الإسلامي بيروت، الطبعة 5، 1985.ج 5 ص 251، رقم 22190، قال شعيب الأرنؤوط في تخريج المسند: إسناده جيد. وصححه الألباني في صحيح الجامع برقم5075.

[22]  أخرجه البخارى في الصحيح، كتاب الفتن، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم : هلاك أمتي على يد أغيلمة سفهاء” ح 3605.

[23] – أخرجه البيهقي عن الحاكم في دلائل النبوة، 6/466.

[24]  – ينظر: ابن حجر، العسقلاني، فتح الباري شرح صحيح البخاري، دار الفكر للطباعة والنشر،د ط، د ت ،1/216.

[25]  ابن عماد الحنبلي، شذرات الذهب في أخبار من ذهب،  المكتب التجاري للطباعة والنشر بيروت لبنان.ج1 ص 68.

26 الطبري، م.س، ج3 ص309 وما بعدها، ابن كثير،م.س، ج8 ص 170 وما بعدها. بتصرف.

[27] ابن كثير،م.س، ج8 ص329 وما بعده والاستيعاب،م.س، ج1 ص353 وما بعدها والقصة نقلها كذلك الطبري في تاريخه وابن خلدون في تاريخه ج3.

[28]  أخرجه مسلم في الصحيح، كتاب فضائل الصحابة، باب  ذكر كذاب ثقيف ومبيرها، ح 229.

29  ابن كثير،البداية والنهاية، م.س، ج8 ص217 وما بعدها، بتصرف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.