سمو الأقوال وانحطاط الأفعال
بقلم: فؤاد هراجة
من أبرز الظواهر التي تكتسح وسائل التواصل الاجتماعي بوتيرة مطردة ظاهرة ”ازدواجية السلوك“؛ فالمرء قد يقرأ في تدوينة عن الأمل، وهو يعلم أن صاحبها غارق في اليأس، ويقرأ في أخرى عن التسامح والعفو وهو يعلم أن كاتبها حقود، ثم يقرأ في أخرى عن حسن الظن وهو قد تجرع الأمرَّين من سوء ظن صاحبها، بل وقد أصابه من أذى اتهاماته ما أفقده الثقة في كل الناس، وقس على ذلك من يحدثك عن حسن المعاملة والإخلاص في العمل والوفاء بالعهد…، ولسان سلوكه يذكرك بقوله تعالى: « يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ».
إن هذا الفضاء الأزرق في حقيقته عبارة عن سرير في غرفة حمراء لطبيب نفسي، يقوم فيها المدونون بتداعي حر ليكتشف العديد منهم بنفسه إصابته بالفُصَامِ أو انفصام الشخصية، وهي ليست سُبَّة وإنما مرض يتوجب معالجته بمحاربة الأوهام والضلالات والوساوس والادعاءات، حتى يطابق المظهر المَخْبَر، ويصدِّقَ الظاهر الباطن، وهذا لا يتأتَّى إلا بقلب ذاكر مطمئن، وعقل حكيم متفتح، وجوارح وَقَّافَةٌ عند حدود الله، لا تنصت لأصوات الوهم التي تمتح من بئر الهوى، بل تأتمر بامر الله العالم بخبايا النفس وما ألهمها من دوافع الفجور والتقوى، فحثها على اجتناب كثير من الظن وإن كان بعضه إثما، وحذرها من مخالفة الأقوال للأفعال في قوله تعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ»
وعليه، يكفينا دواءً لهذه الظاهرة أن نقف عند عبارة « كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ» لندرك أن تناقض الأقوال والأفعال يتسبب في مقت إلهي كبير؛ فماذا بقي لك أيها المؤمن المخاطب في الآية من دنيا وآخرة إن عرَّضتَ نفسك إلى مقت الله بادعاء ما ليس فيك من الفضائل، وإياك يا نفسي أن تغتري بإيمانك، فإنما المخاطب بالآية ”زمرة المؤمنين“ الذين لا يجوز في حقهم أن يؤمنوا بالله، ويغفلوا ”إِنَّهُۥ يَعْلَمُ ٱلْجَهْرَ وَمَا يَخْفَىٰ“
”وَإِن تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى“. فطوبى لمن طابق ظاهره باطنه، وسَلِمَ من الفُصَام الذي سماه القران نفاقا، فكان صافي السريرة، قويم السلوك.