منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الحكم الربانية المبثوثة في القصص القرآني

0

من المقرر أن أفعال العقلاء تصان عن العبث، فكيف بأفعال رب العقلاء جل وعلا، ثم إن الله تعالى قد بين الحكمة من إرسال الرسل بقوله سبحانه :  » رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِيَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةُم بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا «[1]، كما بين سبحانه وتعالى الحكمة من إنزال القرآن الكريم، على نبيه الكريم  بقوله جل وعلا :  » وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَىا لِلْمُسْلِمِينَ «[2]، فالرسل أرسلهم الله تعالى مبشرين و منذرين وحجة على الناس أجمعين، والكتاب أنزله الله تعالى للبيان العام و التام دون تفريط أو نقصان، وهو كتاب هداية ودليل رحمة،  يحمل في طياته بشائر، ولكن هي وما قبلها فقط للمسلمين، ولا حظ في ذلك لأحد من المجرمين.

بيد أن الهدى يكون بالاقتداء، ولا يكون الاقتداء بقوم مجهولين لا وجود لهم في تاريخ العالمين، والرحمة إنما تتنزل بذكر الصالحين، والبشرى فقط  تكون لمن سلك سبيل » الذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيئِينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَآءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا  «[3]، وهؤلاء قد ملؤوا الأرض بذكر الله وطاعته وخدمته آناء الليل و أطراف النهار في كل زمان ومكان، وعنهم يتحدث القرآن، ولا يزعم أنهم لا وجود لهم في التاريخ البشري إلا من سفه نفسه، والله أكبر وأعظم وأجل من أن يتحدث في كتابه عن قصص و حوارات مختلقة اختلاقا، فذاك شأن العاجزين، وهو جل شأنه نفى عن نفسه العجز في قوله :  »ومَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِن شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي الاَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا «[4].

بل إنما جاء القرآن بالحق المبين وما وردت فيه إلا الحقائق التي جاءتنا من عند الحق جل وعلا، فكل شيء ورد في القرآن فهو حق، وحقيقة نزلت على خير البرية، لحكمة بالغة، مصداقا لقوله تعالى : » وَكُلاًّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنَ اَنبَآءِ الرُّسُلِ مَا نُـثَـبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَآءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَىا لِلْمُومِنِينَ  «[5] .

وهذه الآية الكريمة نص في الرد على خلف الله والجابري و من قال بقولهما، فهي تبين بشكل لا يقبل اللبس أو الريب أن ما جاء من قصص الأنبياء حق وصدق وواقع، وبالتالي فإن التشكيك في وقوع هذه الأحداث هو تشكيك في القرآن نفسه، واتهام لله جل وعلا باختلاق قصص لا وجود لها في التاريخ البشري –  تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا –  وهو الشيء الذي لم يفعله حتى الكفار رغم رفضهم للدين وتكذيبهم للرسول الكريم، وهو قول من الخطورة بمكان، على العقيدة الإسلامية، مع ما فيه من تطاول على الدين بغير سلطان مبين، لأن كل من كان له مسكة من عقل أو أثارة من علم يدرك أن القصص إنما جاء في القرآن لجملة من الأمور الشرعية، والوظائف الدينية التي تؤكد استحالة ألا يكون هذا القصص حقائق تاريخية ووقائع بشرية وأحداث ماضية، وهذه الأمور يمكن إجمالها في أربعة وظائف هي :

الإيمان بالرسل جميعا لأن الإيمان كل لا يتجزأ ، التثبيت و إعطاء النموذج ، الشهادة على الأمم السابقة بالشهادة لأنبيائهم ، الإعجاز بالإخبار بغيب لا يعلمه إلا الله  .

أولا –  الإيمان بالرسل جميعا :

يعتبر الإيمان بجميع الأنبياء ركنا ركينا من العقيدة الإسلامية، لا يصح إيمان المؤمن إلا به، ولذلك قال الله تعالى في حق قوم نوح :  » كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ «[6]، مع العلم أن قوم نوح لم يكذبوا جميع الرسل حقيقة، وإنما كذبوا نوحا فقط لأنه نبيهم الذي أرسله الله إليهم، ولكن لما كانت عادتهم ومذهبهم جحد الرسالات وإنكار الرسل وتكذيبهم فقد كذبوا نوحاً عليه السلام بناء على مذهبهم في تكذيب الرسل، وإنما أتى الله تعالى ههنا بصيغة الجمع لأن كل قوم يأتون بعد قوم وأتاهما رسولان رسول للقوم السابقين ورسول لمن جاء بعدهم فتكذيب المتأخر لرسوله يعني تكذيب المرسلين جميعاً حقيقة، لأن الدين الذي جاءوا به واحد، والأخبار التي أرسلوا بها واحدة .

أما الأولون كقوم نوح عليه السلام فتكذيبهم رسولاً واحداً هو نوح فحقيقة، ويلزمهم من تكذيب رسولهم تكذيب من جاء بعده من المرسلين بناء على ذلك، لأنهم لما كذبوا من تقدم من الرسل في قوله : الله تعالى واحد ، والحشر كائن ، فمن أرسل بعده إنما جاء بنفس الرسالة فلزمهم تكذيبه.

وقد مدح الله تعالى المؤمنين بقوله جل وعلا :  » ـ اَمَنَ الرَّسُولُ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبـِّهِ وَالْمُومِنُونَ كُلٌّ ـ اَمَنَ بِاللَّهِ وَمَلآَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ«[7]، فذكر تعالى هنا الإيمان بالرسل جميعا ثم أكده بعدم صحة التفريق بين أحد منهم لأنه كفر، فالتفريق بين الأنبياء بالإيمان ببعضهم والكفر ببعض كفر بواح، ولذلك ذم الله تعالى من اتصف بذلك، ووصفهم جل وعلا بالكفر في قوله تعالى :  » إِنَّ الذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُّفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُومِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَّـتَّخِذُوا بَيْنَ ذَالِكَ سَبِيلاً  اُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا «[8]، وقد ذكر الفخر الرازي – رحمه الله تعالى – في تفسيره أن الإيمان بالرسل لا بد فيه من أربعة أمور، نجملها فيما يلي :

1 – أن يعلم كونهم معصومين من الذنوب بخلاف غيرهم من الناس .

2 – أن يعلم أن النبي أفضل ممن ليس بنبي مهما بلغ في القرب من الله تعالى فمقام النبوة هو أرفع مقام على الإطلاق .

3 – اختلف العلماء في التفضيل بين الملائكة و الأنبياء فقال بعضهم : إنهم أفضل من الملائكة وذهب أكثر العلماء إلى أن الملائكة السماوية أفضل منهم ، وهم أفضل من الملائكة الأرضية .

4 – أن يعلم أن بعضهم أفضل من البعض مصداقا، لقوله تعالى :  » تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىا بَعْضٍ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ «[9] ، وأن ذلك ليس نقصانا فيهم بل كلهم كمال عليهم أجمعين وعلى نبينا أفضل الصلاة و أزكى التحية و التسليم .

فهل بعد كل هذه الشواهد والدلائل والحجج مندوحة لأحد في الزعم أن هؤلاء الأنبياء والرسل لم يبعثوا لأقوامهم، ولم يقع بينهم حوار أو صراع، وأن ما ذكر في القرآن الكريم من قصصهم لا يعدو أن يكون كذكر الحوار بين أهل الجنة و أهل النار والقيامة لم تقم بعد !!! فهل من الحكمة في شيء أن يدعى الناس إلى الإيمان بالخيالات والأوهام ؟ تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا .

ثانيا – التثبيت وإعطاء النموذج :

لقد خلق الله تعالى النفس البشرية ميالة ومتشوفة إلى النموذج الكامل الذي بأخلاقه تقتدي، وبمنهجه في الخير تهتدي »  أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ «[10]، ولذلك بعث الله جل وعلا في كل أمة رسولا، ثم جعل سيدنا محمدا – صلى الله عليه وسلم – للمرسلين خاتما، ولمكارم الأخلاق مكملا، وقد جعله الله جل وعلا مثالا مشرفا، خلقا وخلقا وحالا، فقد روي عنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه قال : ” إن الله أدبني فأحسن تأديبي[11] “، وما ذلك إلا لأنه قبلة المتقين، وموضع نظر الناس أجمعين، إتباعه واجب والاقتداء به سمة المؤمنين، »  لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ إِسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الاَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا«[12]، ولأنه لا بد لكل قدوة من مقتدى به، فإن الله تعالى دعا رسوله صلى الله عليه وسلم للاقتداء بمن سبقه من المرسلين »أُوْلَئِكَ الذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ  «[13]، وإلى صبر كصبر أولي العزم من الرسل » فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلاَ تَسْتَعْجِل لَّهُمْ «[14].

هذا هو الغرض الحقيقي من القصص القرآني إنه التثبيت والتقوية لقلب رسول الله – صلى عليه وسلم – بما يرد فيه من ذكر لأحوال الأنبياء عليهم السلام، تقوية لقلبه ورفعا لهمته وتحفيزا له لبذل مزيدا من الجهد في دعوته، ولذلك كانت أكثر القصص تكرارا في القرآن الكريم هي قصة موسى عليه السلام، لأن المحن والفتن التي تعرض لها كانت أعظم وأخطر، فبنو إسرائيل ليس لهم نظير في الجبن والخبث والضلال والانحراف، فكثر في القرآن ذكر معانات موسى عليه السلام معهم ومعالجته لهم، ليكون ذلك تسلية لقلب الرسول صلى الله عليه وسلّم، فيصبره على تحمل المكاره والمشاق التي كانت تأتيه من قومه.

فهل يعقل أن يكون هذا المستوى العالي من التربية والتأديب بقصص مختلق مفترى، ليس له وجود في التاريخ البشري ؟ كلا بل التربية على الحق لا تكون إلا بذكر الحقائق، وهل هناك حق أعظم من قوله تعالى : » وَكُلاًّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنَ اَنبَآءِ الرُّسُلِ مَا نُـثَـبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَآءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَىا لِلْمُومِنِينَ  «[15] .

ثالثا – الشهادة على الأمم السابقة بالشهادة لأنبيائهم :

لقد اصطفى الله تعالى سيدنا محمدا – صلى الله عليه وسلم – ليكون خاتم الأنبياء والمرسلين وسيد ولد آدم أجمعين، وجعل أمته » خَيْرَ أُمَّةٍ اُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ  «[16]، وخصها بخير كتاب أنزل، فعن أبي بن كعب ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” يقول الله تعالى : ما في التوراة ، ولا في الإنجيل ، مثل أم القرآن ، وهي السبع المثاني ، وهي مقسومة بيني وبين عبدي ، ولعبدي ما سأل ” قال أبو حاتم : معنى هذه اللفظة ” ما في التوراة ، ولا في الإنجيل ، مثل أم القرآن ” ، أن الله لا يعطي لقارئ التوراة والإنجيل من الثواب ما يعطي لقارئ أم القرآن ، إذ الله بفضله فضل هذه الأمة على غيرها من الأمم ، وأعطاها الفضل على قراءة كلام الله أكثر مما أعطى غيرها من الفضل على قراءة كلامه، وهو فضل منه لهذه الأمة ، وعدل منه على غيرها “[17].

ورغم أن هذه الأمة هي الآخرة وجودا في الدنيا فإن الله تعالى جعلها الأولى يوم القيامة، فعن أبي  هريرة – رضي الله عنه – ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ” نحن الأولون والآخرون السابقون يوم القيامة ، بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا وأوتيناه من بعدهم “[18].

كما أنه جل وعلا خصها بالشهادة على الأمم السابقة كما جاء في قوله تعالى[19] :»وَكَذَالِكَ جَعَلْنَاكُمُ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا «[20] ، فالعباد كلهم مشتركون في العبودية لله تعالى، إلا أنه خص هذه الأمة بمزيد من الفضل والعبادة فضلاً منه وإحساناً، لا وجوباً، وجعلهم بذلك عدولا، شهادتهم تطلب، فعن أبي سعيد الخدري، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” يدعى نوح يوم القيامة ، فيقول : لبيك وسعديك يا رب ، فيقول : هل بلغت ؟ فيقول : نعم ، فيقال لأمته : هل بلغكم ؟ فيقولون : ما أتانا من نذير ، فيقول : من يشهد لك ؟ فيقول : محمد وأمته ، فتشهدون أنه قد بلغ : ويكون الرسول عليكم شهيدا فذلك قوله جل ذكره : وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا ” والوسط : العدل [21]“.

وبهذا نفهم أن ذكر قصص الأنبياء في القرآن الكريم له مقاصد كبيرة وأهداف جليلة، منها الشهادة التي شرطها العدالة، فهل يا ترى يطلب من الشهود العدول غدا يوم القيامة أن يشهدوا على قصص اخترع اختراعا ؟. كلا، بل هذا قول على الله تعالى بغي علم ونسبته جل وعلا إلى أمور لا تليق بأقل خلقه شأنا، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا .

رابعا – الإعجاز بالإخبار بغيوب لا يعلمها إلا الله تعالى :

لا شك أن القرآن الكريم هو المعجزة الخالدة لرسول الله –  صلى الله عليه و سلم – خلود دعوته، فعن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : ” ما من الأنبياء نبي إلا أعطي من الآيات ما مثله أومن ، أو آمن ، عليه البشر ، وإنما كان الذي أوتيت وحيا أوحاه الله إلي ، فأرجو أني أكثرهم تابعا يوم القيامة [22]“.

وقد أكثر العلماء رحمهم الله تعالى الحديث والتأليف حول الإعجاز في القرآن الكريم ووجوهه ومنها :

– الروعة التي تلحق قلوب سامعيه وأسماعهم عند سماعه حتى تجد من لا علم له بالعربية يتأثر به و يميز بينه و بين غيره من الكلام.

– الهيبة التي تعتري من يستمع إليه عند تلاوته حتى تجد الناس إذا قرئ القرآن فكأنما على رؤوسهم الطير.

– كونه آيةً باقيةً لا تعدم ما بقيت الدنيا.

– حسن تأليفه ، والتئام كلمه ، وفصاحته.

– النظم والأسلوب اللذين ليس لهما نظير في كلام الناس.

– ما انطوى عليه من الإخبار بالمغيبات و ما أنبأ به من أخبار القرون السالفة ، والأمم البائدة ، والشرائع المندثرة.

وبما أن موضوعنا ليس هو الإعجاز في القرآن الكريم عموما، وإنما هو الإعجاز المتعلق بما انطوى عليه القرآن الكريم من الإخبار بالمغيبات وما أنبأ به من أخبار القرون السالفة، والأمم البائدة ، والشرائع المندثرة للرد على الجابري في زعمه أن القصص القرآني إنما جاء لمجرد العظة والعبرة بضرب المثل، وبالتالي فلا فرق بينه وبين الحوار الذي يجري بين أهل الجنة وأهل النار والقيامة لم تقم بعد، وهذا يعني – بقصد أو بغير قصد – نفي صفة الإعجاز عن القرآن الكريم، وقد رأينا آنفا أن الجابري صرح بذلك ونسبه لجهات داخل دائرة الإسلام دون أن يسميها .

لقد رد الله تعالى بنفسه على كلام هؤلاء في مواطن عدة من كتابه جل وعلا، فبعد ذكره تعالى لقصة نوح عليه السلام مفصلة في سورة هود – و قبل الانتقال للحديث عن قوم هود وقوم صالح و غيرهم من الأقوام الذين كذبوا رسلهم فأهلكهم الله  – بيّن سبحانه وتعالى أن هذ القصص من الغيوب التي لم يكن يعلمها رسول الله – صلى الله عليه وسلم- ولا قومه من قبل، وأن إخباره عليه السلام بأمور لم يكن له بها علم معجزة تدل على أن هذا القرآن من عند الله، قال تعالى:  » تِلْكَ مِنَ اَنبَآءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَآ إِلَيْكَ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَآ أَنتَ وَلاَ قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرِ اِنَّ الْعاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ « [23]  فمتى كان الكلام المخترع اختراعا غيبا يوحى ؟. لو حدث هذا فعلا لكان تهكما واستهزاء بالمرسلين، وهذا ما لا يفعله حتى المجانيين، فضلا عن العقلاء الفضلاء من أهل الدين، فكيف ينسب لرب العالمين؟ !!! . حاش لله، بل المقصود هنا بأنباء الغيب الأخبار المغيبة عن الناس أو عن فريق منهم . فتفاصيل هذه الأنباء مغيبة بالنسبة للعرب كلهم لعدم علمهم بها إلا على سبيل الإجمال، مثل أنه كان في الزمن الغابر نبي  يقال له : نوح عليه السلام دعا قومه إلى الله تعالى  فكفروا به فأغرقهم الله بالطوفان، ولذلك لم ينكر أحد من العرب هذا الخبر المعلوم عندهم إجمالا ، أما ما عدا ذلك من التفاصيل الواردة هنا في قصة نوح عليه السلام فهو غيب على العرب المخاطبين ، كما أن فيها ما هو غيب على جميع الأمم بما فيهم أهل الكتاب مثل قصة ابن نوح الرابع وعصيانه أبَاه وإصابته بالغرق ، ومثل كلام الله تعالى مع نوح عليه السّلام عند هبوطه من السفينة ، ومثل سخرية قومه منه عندما بدأ يصنع السفينة، وما دار بين نوح عليه السّلام وبين قومه من المحاورة ، فإن ذلك كله مما لم يذكر في كتب أهل الكتاب[24]، فلو كانت قصة نوح لا وجود لها في التاريخ البشري لتعرض لها كفار قريش أو أهل الكتاب بالإنكار، ولرموا صاحبها بالكذب والبهتان، وكل ما فعله أشد المستشرقين عداوة للإسلام هو اتهام النبي – عليه أفضل الصلاة وأزكى التحية و السلام- بجمع هذا القصص من بطون كتب أهل الكتاب، ولكن الجابري تفوق عليهم حين زعم أن هذا القصص لم يحدث أصلا، وإنما اختلق للعبرة والعظة، وأي عبرة تكون بالاختلاق، بل أي عظة تكون بالكذب والبهتان !!!.

ومن الآيات التي جاء فيها ما يشبه الرد على شبهات الجابري هذه، قوله تعالى في سورة القصص :     »وَلَقَدَ ـ اتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنم بَعْدِ مَآ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الاُولَىا بَصَآئِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ  وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَآ إِلَىا مُوسَى الاَمْرَ وَمَا كُنتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ وَلَكِنَّآ أَنشَانَا قُرُونًا فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ وَمَا كُنتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُوا عَلَيْهِمُ ءَايَاتِنَا وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِن رَّحْمَةً مِّن رَّبـِّكَ لِتُنذِرَ قَوْمًا مَّآ أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ وَلَوْلآَ أَن تُصِيبَهُم مُّصِيبَةُم بِمَا قَدَّمَتَ اَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلآَ أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ ءَايَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُومِنِينَ فَلَمَّا جَآءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِندِنَا قَالُوا لَوْلآَ أُوتِيَ مِثْلَ مَآ أُوتِيَ مُوسَىآ أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَآ أُوتِيَ مُوسَىا مِن قَبْلُ قَالُوا سَاحِرَانِ تَظَاهَرَا وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ « [25]، هذه الآيات البينات تنتقل من قصة بعثة موسى عليه السلام إلى تأييد بعثة محمد صلى الله عليه وسلم، فبعد أن أبطلت شبهة المشركين الذين حاولوا جعل رسالة محمد صلى الله عليه وسلم محالا، نقل الله تعالى الكلام إلى إثبات رسالته بالحجة الدامغة والبرهان الواضح ، وذلك بما أوحى الله تعالى إليه من أخبار موسى عليه السلام، وهي أخبار لا قبل له بعلمها إلا من جهة الوحي الذي أوحاه الله تعالى إليه، بدليل انتفاء كون النبي – صلى عليه وسلم – موجوداً في المكان الذي قضى الله فيه أمر الوحي إلى موسى، فإذا كان خبر بعثة موسى عليه السلام لا يعلم  إلا عن طريق المشاهدة والحضور، وطريق العلم بغير المشاهدة والحضور وهو المعرفة بالكتب السابقة مفقود عند النبي صلى الله عليه وسلم وعند قومه، لأنهم لم يكونوا أهل معرفة بأخبار الرسل كما كان أهل الكتاب ، فلما انتفى طريق العلم المتعارف عليه بين الناس وانتفى قبله الحضور والمشاهدة تعين أن يكون طريق علمه عليه السلام بهذا هو إخبار الله تعالى إياه لا غير .

فإذا كان هذا القصص لا وجود له في الأصل وهذه الأحداث لا ذكر لها في التاريخ البشري – كما يزعم الجابري – فإن ذلك يسقط حجج الرسالة المحمدية، وهذا باطل لا يقول به عاقل، بله مسلم، وبذلك يعلم بطلان كلام الجابري .

أما زعم الجابري أن تكرار القصص في القرآن الكريم سببه أن القرآن لم يكن مجموعا في مصاحف يمكن أن توزع على الناس في كل مكان وزمان ، فيغني ذلك عن تكرار النزول فقول بلا دليل وخطأ مبين، لأن القرآن كان مجموعا في صدر رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وفي صدور عدد من الصحابة الكرام، كما أن القصة المكررة يحفظها ويكتبها العشرات، وفي قصة إسلام عمر – رضي الله عنه – دليل على أن القرآن الكريم كان مكتوبا ومتداولا بين الصحابة – رضوان الله عليهم أجمعين – فقد جاء فيها » … فرجع عمر عامدا لختنه وأخته، وعندهما خباب بن الأرت معه صحيفة فيها طه يقرئهما إياها… « [26]، وبالتالي فيجب أن يكون لتكرار القصص القرآني حكم أخرى غير “الحكمة الجابرية “، فالقرآن الكريم مشتمل على أروع أنواع البلاغة وأقوى تحديات الإعجاز، وأوضح أساليب البيان.

وتكرار القصة الواحدة في مواضع متعددة من هذا القبيل، فأما من ناحية البلاغة فلإبراز المعنى الواحد في صور متعددة وأساليب متنوعة، وتفنن شيق وألفاظ مختلفة رفيعة غاية في البلاغة.

وأما من ناحية الإعجاز فإيراد المضمون الواحد في صور متعددة، مع عجز العرب عن الإتيان بصورة واحدة منها أبلغ في التحدي. علماً بأن العرب في ذلك الوقت وصلوا إلى قمة التفنن في البلاغة، وحازوا قصب السبق في فنون الفصاحة، وملؤوا الدنيا بها نثراً ونظماً.

وأما من ناحية البيان فتكرار القصة الواحدة يلفت الانتباه إليها ويشعر بالاهتمام بها. ويُمكَّن الاعتبار بها في النفس ويرسخها فيها على أساس أن ما تكرر تقرر.

ومن الحكم أيضا لتكرار القصة الواحدة في سور متعددة تناسب كل سياق مع السورة التي ورد فيها من حيث الطول والقصر والإطناب والإيجاز، إلى غير ذلك من الحكم الكثيرة الجليلة وما خفي أعظم .

وبعد هذا الحديث ولو باقتضاب عن الإعجاز في القرآن الكريم خصوصا القصص القرآني، أجدني هنا مضطرا إلى استطراد أخصصه للرد على إنكار الجابري وجود معجزات – غير القرآن – لرسول الله صلى الله عليه و سلم، وأخصص له المبحث الموالي .

[1] سورة النساء ، الآية 165 .

[2] سورة النحل ، الآية 89 .

[3] سورة النساء ، الآية 69 .

[4] سورة فاطر ، الآية 44 .

[5] سورة هود ، الآية 120 .

[6] سورة الشعراء ، الآية 105 .

[7] سورة البقرة ، الآية 285 .

[8] سورة النساء الآية 150 – 151 .

[9] سورة البقرة ، الآية 253 .

[10] سورة الملك ، الآية 14 .

[11] آداب الصحبة لأبي عبد الرحمن السلمي ، مقدمة المصنف.

[12] سورة الأحزاب ، الآية 21 .

[13] سورة الأنعام ، الآية 90 .

[14] سورة الأحقاف ، الآية 35 .

[15] سورة هود ، الآية 120 .

[16] سورة آل عمران ، الآية 110 .

[17] صحيح ابن حبان ، كتاب الرقائق ، باب قراءة القرآن ، حديث : 3496 .

[18] السنن الكبرى للبيهقي ، كتاب الجمعة ، حديث : 5190 .

[19] لقد أول الجابري هذه الآية تأويلا غريبا بقوله  في فهم القرآن القسم الثالث ص 57 :  » اليهود يصلون إلى بيت المقدس في الشمال الغربي لمكة ، والنصارى يصلون إلى الشرق ، والمسلمون إلى مكة . فلكل قبلته . وعلى هذا يكون معنى الوسط هنا : الوسط الجغرافي . وهذا يزكيه قوله تعالى ” لتكونوا شهداء على الناس ” لكون أن مكة ، قبلتكم ، تقع في الوسط تراقب اليهود المتجهين شمالا والنصارى المتجهين شرقا «  فما هي الحكمة من هذه المراقبة إن صحة كما زعم الجابري ؟ وأي دليل أقوى اعتمده الجابري ليرد به حديثا صحيحا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ لا جواب لأن الحجة هي الافتراض والتخمين.

[20] سورة البقرة ، الآية 143 .

[21] رواه البخاري ، كتاب التفسير ، باب قوله تعالى : وكذلك جعلناكم أمة وسطا ، حديث : 4226 .

[22] رواه البخاري ، كتاب فضائل القرآن ، باب كيف نزل الوحي ، حديث : 4701 .

[23] سورة هود ، الآية 49 .

[24] التحرير و التنوير .

[25] سورة القصص ، الآية 43 – 48 .

[26] فضائل الصحابة لأحمد بن حنبل ، إسلام عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، حديث : 349 .

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.