المجال الرقمي و صناعة الإحتجاج..جيل – نموذجا”z”
ذ. أنور بلبهلول
المجال الرقمي و صناعة الإحتجاج..جيل
نموذجا“z”
ذ. أنور بلبهلول
إذا قلنا بأن المظهر الحقيقي للمجال العام كما حدده فيلسوف مدرسة فرانكفورت يورجان هابرماس لم يعد يتخد من المجال الفيزيقي منطلق لصناعة رأي عام أو بناء فكرة سياسية أوإحتجاج.. فإننا لم نخالف الحقيقة و الواقع بحيث أمسينا اليوم نحتكم ونلبي دعوات ما يروج و يتدوال حوله في المواقع الإلكترونية و الصفحات أكثر من ما نعيشه في الفضاءات العمومية ذلك أنها سارت فضاءات و أماكن للعبور فقط لا فضاءات عمومية لصناعة الرأي العام.
فكل نشاط ذو طابع إحتجاجي في عالمنا المعاصر سار يأخذ من المجال الرقمي منطلق و قاعدة ضرورية للبدء حيث يمارس على ضوء الإستغلال الأمثل للوسائط الإلكترونية المختلفة مستفيد من ما تتيحه من قاعدة متابعين و جماهير كبيرة للتعبئة و النشر وهذا أمر لا عيب فيه بل هو من محاسن التقدم التكنولوجي ووجه لمسايرة التاريخية الحالية التي يميزها الحضور التكنولوجي القوي.
في هذا السياق يعيش المغرب مرحلة جديدة من الأشكال الجديدة للإحتجاج التي يقودها شباب جيل* زيييد* الذين تشبعوا من الوسائط التكنولوجيا و مبادئها أكثر من أي شيء أخر فهم إفراز خالص للثورة الرقمية التي تؤمن بالحل المباشر و العلاقات الرياضية و تتعاطى مع الموضوعات بشكل صريح ولعل هذه الصفات تفترن بطبيعة سياق تاريخي ثقافي أكثر من أي شيء أخر.
تتواصل الإحتجاجات في شوارع المدن المغربية لليوم الرابع على التوالي رغم كل الإجراءات الأمنية المشددة و الحضور المكثف لقوات الأمن العمومي التي تفرق هنا و هناك الحشود بإستخدام القوة و تعتقل النشطاء بداعي التجمهر الغير المرخص له دون إتضاح الصورة أو الخلفية الرسمية لمآل هذه الدينامية الإحتجاجية التي لم يظهر بعد من يقودها أو يؤطرها سوى الصفحة المتواجدة على الفايسبوك التي تدعو للنزول للشارع محددة الزمان و المكان و تتقاسم المعلومات والأخبار.
وهنا تطرح عدة أسئلة حول كيفية فهم هذه الممارسات الإحتجاجية ذات الطابع الرقمي و كيفية تفسير الدواعي التي تجعل هذه الديناميات الإحتجاجية تعود من حين إلى آخر هل تكون إفراز موضوعي لمشاكل أو تفاقم لأوضاع ما؟ أم أنها موجهة بشكل مخطط له و لا تخضع للعرضية الموضوعية؟
باتت عملية التأثير في الرأي العام وصناعته والتعبئة لمختلف الأشكال الإحتجاجية تتم بشكل أسهل وأسرع من خلال تدوال النشطاء للمحتويات وتقاسمهما عبر مختلف المنصات و ما زاد في تسهيل الأمر هو الحالة الاجتماعية للأفراد التي تتميز بالإنقسامية الإجتماعية يحضر فيها الميل نحو الفردانية و قوة المجال الخاص الذي يشكل فيه الهاتف الذكي الحيز الأعظم الذي يستحوذ على كل ارتبطات الشباب اليومي بشكل مطلق سواء كان عمل- علاقات- تواصل…ليصبح المجال الرقمي وفق هذه الصيغة يمارس نوع من القسر و الإكراه و في نفس الوقت يمارس دور التوجيه و مصدر للنموذج أو الشكل الذي يجب على الفرد إتباعه بشكل طوعي.
إننا اليوم نعايش مظهر آخر من مظاهر الإحتجاح عن طريق التعبئة الرقمية وفق ما بات يعرف بإحتجاجات جيل *زيييد* في المغرب وهي الفئة العمرية التي تشكل فيها مواليد بدايات 2000 أغلبية النشطاء الذين نزلو الشارع و عبؤوا من خلال دعوات رقمية تواصلية للنزول للفضاء العام والتظاهر في تعبير رافض على الوضع الصحي بدرجة أولى و مشاكل إجتماعية أخرى بصيغ حالمة و مواجهة بطاقة و عنفوان الشباب النقي البريء من كل الحسابات أو الإنتماءات السياسية أو الحركية..
عرفت العشرية الثانية من القرن الواحد والعشرون محطات إحتجاجية كثيرة شكل فيها المجال الرقمي محدد رئيسي ومنطلق أساس لأشكال متعددة و قوية صنعت تاريخ سياسي أبرزها الربيع العربي و بعض الحركات الإحتجاجية العابرة في مختلف البلدان لنمر بعدها للجيل الثاني من هذه الحركات التي عرف فيها العالم الرقمي سهولة ولوج و ثورة هائلة على مستوى تكنولوجيا التواصل تتميز بالتعدد و كثرة المحتويات مما زاد في سرعة الإنتشار كما سجل فيها حضور جيل تعامل و تعاطى مع العالم الرقمي منذ بداية إدراكه للعالم في مراحله المبكرة.
إن ما يجب أن يأخد ببالغ الإهتمام في هذا الموضوع تجديد القراءات و أنماط التعامل مع الأشكال الجديدة للإحتجاج التي تتخد من المجال الرقمي كفضاء رسمي لها و هو الأمر الذي يقتضي دراسة علمية و مواكبة ذلك أن المجال الرقمي و زواره يخضعون لدينامية متجددة وسريعة بشكل مسمتر فحراك الربيع العربي الذي إتخد من المجال الرقمي منطلق له يختلف عن المجال الرقمي و طبيعته التي نعيشها اليوم مع جيل*زيييد* في المغرب حيث سار العالم الفيزيقي الواقعي يتراجع بقوة في كل مناحي الحياة لصالح العالم الرقمي الذي بات مسألة إرتباط الناس به تتميز بطابع إلزامي وضروري فهو محطة لصناعة كل شيء بما فيه الرؤى و الأفكار و الحشد عكس الفضاء العام الذي سار مترجم لتمثلاتنا و عقيدتنا التي نؤمن بها في عالمنا الرقمي.
بغض النظر عن المشاكل و الديناميات الإحتجاجية التي سارت مشهد متكرر داخل الشارع المغربي و مشروعية المطالب في ظل الرهان الديموقراطي يبقى أهم ما يجب أن يفهم من هذه العملية التي يتم فيها الحشد الرقمي و التفاعل مع الصورة و المشهد الذين كذلك نأخذهم من مجالنا الحميمي “الهاتف الذكي” هو القدرة العالم الإفتراضي على القيام بما يصعب على التنظيمات و المؤسسات التقليدية القيام به من أحزاب سياسية و حركات.. و لعل هذا هو ما دفع الناس للنزول إلى الشوارع و إحيائها و إعادة الحيوية لها فنحن أمام معادلة جديدة تفيد بأن لا ظواهر إحتجاجية في المجال الفيزيقي بدون توجيه و ديناميكية حقيقية على وسائل التواصل الاجتماعي.