منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

جدلية القيمة والموقع

جدلية القيمة والموقع/ د. فؤاد هراجة

0

جدلية القيمة والموقع
بقلم: د. فؤاد هراجة

يقول المثل المغربي “الهمة ما كتباع ما كاتشرى غير لي بغا يديرها لراسو”, وفي مثل آخر “لي دار راسو فالنخالة غادي ينقبوه دجاج”، فالحكمة المستفادة أن الإنسان لا يستمد قيمته من غيره، بل تتحدد قيمته من خلال الموقع الذي يرتضيه لنفسه ويقبل أن يقيم فيه!

تأمل معي قارورة الماء المعدني، قد نقتنيها عند البقال بثلاثة دراهم، وفي المقهى بعشرة دراهم، وفي فندق ثلاث نجوم بمائة درهم، و بمائتي درهم في فندق خمس نجوم. هي نفس القنينة تغيرت قيمتها بتغير الموقع الذي توجد فيه، والحكمة المستفادة من ذلك، أننا قد نبذل قصارى جهدنا لإبراز من نحن، لكن وجودنا في موقع البِقالة يُبقي قيمتنا على ما هي عليه مهما تغيرنا، هذا إن لم يحط منها! لذلك ما علينا إلا أن نغير الموقع، فنبحث عن المحيط الذي لا يبخسنا حقنا ويكون قيمة مضافة لقيمتنا.

قد يتساءل البعض، ألا يؤسس هذا المذهب إلى الاعتداد بالنفس والأنانية والتسابق نحو ابراز الذات؟ والجواب في الدين نفسه الذي يدعونا إلى الترقي وتغيير المقامات بحثا عن الكمالات التي لا تنتهي؛ فقيمة الإنسان في مقام الإسلام ليست هي قيمته في مقام الإيمان، وليست نفس القيمة في مقام الإحسان. هو نفس الفرد تتغير قيمته في نفسه وعند ربه حسب المقام الذي يختاره لنفسه. يكون من العبيد عندما يؤدي الفرائض خوفا من العذاب، ويكون من التجار عندما يؤدي الفرائض والنوافل طمعا في الأجر ونعيم الجنة، ثم يكون من أهل القرب والمحبوبية عندما يعبد ربه محبة فيه وشوقا للقائه ولأنه يستحق العبادة.

أنظر كيف يغير الموقع من قيمة الأشياء كما يغيرها في حالة الإنسان، فلا تتعب نفسك في إقناع محيط ميزانه الضخم والغليظ لا يسمح له باستشعار قيمتك، وابحث لنفسك عن موقع “الصٌَاغَةِ” Goldsmiths الذين لا يزنون الكتلة بالجملة، بل يزنون الحِلْيَةَ بكل تفاصيلها وأبعادها الدقيقة تاريخا وإبداعا ومادة، فيمنحونها القيمة التي تستحق، ويحفظونها في العلبة التي تستحق، ويبرزونها في الواجهة التي تستحق!
تذكر جيدا ودائما أنك جوهرة، ربما شوهتها التعرية فاحتاجت نحتا، وربما تراكمت عليها الغبار فاحتاجت نظافةً، وربما وربما اختلطت باللَّقْطِ فحسبتها الطيور مجرد حبوب…

زبدة القول، إن قيمتك يحددها الموقع الذي ترتضيه وتختاره لنفسك، فلا تبخس آدميتك قيمتها ودعها تتعلق بالمعالي عملا بقول الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه “لو تعلقت همة ابن آدم بالثريا لبلغها”، وقوله أيضا:

وتحسب أنك جـِرمٌ صغير * وفيك انطوى العالم الأكبر
داؤك منك ومـــــا تبصر * دواؤك فيك ومــــا تشعر
تحسب أنك جـــرم صغير * وفيك انطوى العالم الأكبر”

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.