منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

جدلية الدين والواقع

جدلية الدين والواقع/د. فؤاد هراجة

0

جدلية الدين والواقع
بقلم: د. فؤاد هراجة

ثمة إشكالية عميقة عند المتدينين تتمثل في تحديد علاقة الدين بالواقع؛ حيث يعتقد السواد الأعظم منهم أن التزام الدين بحذافره وعلى الوجه المطلوب يُلزٍمُ صاحبه العزلة واجتناب الواقع العام الذي يشكل مجرى الحياة. وهذا الموقف ينطوي على خلفية نمطية تصورية مفادها أن للدين صورة أولية ثابتة وجاهزة ماعلى الواقع إلا أن يتقمصها، وإلا وجب على المتدين أن يصنع واقعا صغيرا لنفسه أي نموذجا مصغرا لتلك الصورة النمطية الثابتة في ذهنه. والنتيجة أن كل المتدينين الذين يحملون هذا التصور يعيشون صراعا عنيفا بدواخلهم، إذ كيف يمكنهم الكينونة في واقع يرونه منافيا لصورة الدين المحفورة في أذهانهم، ثم في الوقت ذاته كيف يمكنهم صناعة واقع خارج هذه الكينونة؟ وتزداد حدة هذا الصراع داخل الإنسان عند لحظة الانتقال من زمن عدم التدين إلى زمن التدين، حيث الشِرَّةُ والاندفاع والإقدام المفرط. وهذا ما يجعل العديد من المتدينين ينتكسون على أعقابهم ويقعون في الحَوْرِ بعد الكَوْرِ. ذلك أن مغالبة الواقع والسير ضد مجرى الحياة الهدار لسنوات أمر يجوز لنا إضافته للسبع المستحيلات!

إن المدخل الأسلم لحل هذا الإشكال يكمن في تصحيح تصورنا حول علاقة الدين بالواقع، بأن نفهم أن الواقع بما هو حياة كان سابقا عن الدين، فالله تعالى خلق الكون وخلق الإنسان ثم جاء الدين أي الأمر والتوجيه الإلهيين لهذا الإنسان كي يعيش داخل هذا الواقع ويُْصبِغَهُ بِصِبُغَةِ الله سبحانه. هكذا ذواليك توالت الرسالات كلما فسدت فطرة البشرية من أجل تغيير ما بداخل الإنسان ليتغير بالضمن واقعه بطريقة تلقائية وليس العكس. فمهما غيَّرنا من واقع الناس ومهما فرضنا من مظاهر التدين فإن ذلك لن يجدي في تغيير الأنفس.

ينبهنا المولى عز وجل في القرآن الكريم أنه لم يبعث ملائكة رسلا تمشي على الأرض لهداية الناس، وإنما بعث رجالا يمشون في الأسواق ويأكلون الطعام ويمرضون ويحزنون ويضعفون…، حتى تَرسُخَ لدينا قناعة مفادها أن الرسالة وإن كان مضمونها سماويا فإنها عمليا تراعي خصوصية واقع الأرض.

إننا إذن بحاجة إلى استنباط تصور عام لعلاقة الدين بالواقع ليس فقط من آيات الأحكام التي لا تمثل سوى سبعة بالمائة من الخطاب القرآني، بل من المشهد الأول لخلق آدم وحواء إلى البعثة الأخيرة للرسول محمد صلى الله عليه وسلم؛ فكل القصص التي عرضها القرآن علينا توضح لنا أن الدين لم يأت ليفرض صورة نمطية جاهزة للحياة، وإنما جاء من أجل تزويدنا بالمبادئ العامة التي نصنع بها واقعنا وحياتنا، هذه الحياة التي نحن مدعوون لصناعتها على أحسن وجه، لأننا مسؤولون عنها فرادى وجماعات أمام الله يوم العرض عليه.

لنخلص أن التدين السليم هو الذي يقبل الواقع ويكون من داخله، بحيث لا يسعى المتدين لمحاربته أو نصب العداء لأصحابه، بقدرما يتطلع إلى تقديم نموذج حي لإنسان صالح أفلح في الجمع بين نقاء سريرته واستقامة سلوكه وحسن معاملته للناس. وحدها هذه الصورة المرنة والمتحركة للدين الجديرة بفتح آفاق الاجتهاد أمام أي متدين للبحث عن الوضعية المعتدلة التي يجمع فيها بين هذه الأبعاد الثلاث بعيدا عن أي صورة نمطية مسبقة عابرة للزمان والمكان تلزم المتدين العيش خارج واقعه.

وخلاصة القول إن الدين ليس وصفة جاهزة ثابتة، بل هو مبادئ وأحكام وقواعد توجيهات تحتاج منا اجتهادا مستمرا لاسيما أن الواقع الذي يطبق فيه يتسم بالحركة والتغير والإبداع والإبتكار، ما يستدعي تكييف ثوابت الدين مع حركية الواقع وتغيراته الدائمة. إن السنة النبوية المؤيدة والمسددة شكلت اجتهادا نبويا لتنزيل القرآن في الواقع المكي ثم في الواقع المدني، لتكون السُّنَّةُ الجامعة التي ينبغي استنباطها “سنة الاجتهاد لتنزيل الدين بما يناسب واقع الناس” ولعلها الغاية التي من أجلها قال النبي صلى الله عليه وسلم فيما أخرجه الحاكم في مستدركه: “إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها” وهذا ال “مَنْ” قد يكون فردا كما قد يكون جماعة. ومعناها أن دورة التاريخ التي لا تقبل التكرار تستغرق مائة سنة ما يجعل الناس في حاجة لهذا “المن” كي يدلهم نحو فهم جديد للدين يستوعب الواقع ومتطلباته وتطلعاته، ما يجعل الاتباع المبني على العلم والصحبة أهم مدخل لتحقيق هذه الغاية الوجودية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.