منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

التزكية الإيمانية والجمع بين خلاص الفرد وخلاص الأمة؛ (1) مفهوم التزكية الإيمانية ومراحلها

الدكتور أحمد الإدريسي

0

التزكية الإيمانية والجمع بين خلاص الفرد وخلاص الأمة؛

1- مفهوم التزكية الإيمانية ومراحلها

بقـلم: الدكتور أحمد الإدريسي

مقدمة:

التزكية الإيمانية هي أساس صلاح الفرد وتربيته على مكارم الأخلاق، وطلب المعالى، وأساس تربية المجتمع على قيم التراحم والتعاون، وعلى العزة وقوة الإرادة. ويدل كل من لفظي التزكية والإحسان على المعنى القرآنيّ لتربية النفس، الذي يرقى بها في مدارج الإسلام والإيمان والإحسان؛ لطلب الفرد ما عند الله عز وجل، ولرفع الذل والهوان والتخلف عن الأمة.

إن من أهم وظائف التزكية الإحسانية هداية الفرد والجماعة، حيث؛ تحرر الروح من الأوهام والخرافات والغفلات والشبهات ليترقى العبد في مدارج الإيمان والإحسان، وتحرر الأمة للعمل والبناء لإقامة العدل في الأرض.

ومن أهداف التزكية الإيمانية -الإحسانية احتضان الإنسان في جميع أبعاده الوجدانية والعقلية والسلوكية، فهي منطلق مشروع الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله، هذا المشروع التربوي الفريد قوامه؛ “خلاص فردي” يهتم بتزكية النفس وترقيتها الإيمانية الإحسانية، ويرقى بالنفس في مدارج الإسلام والإيمان والإحسان؛ لطلب ما عند الله، ولرفع الذل والهوان والتخلف عن الأمة.

ثم “خلاص جماعي” يقوي إرادة الأمة، لتسترد مجدها ونهضتها وتصنع قوتها، ولتكون قادرة على التدافع مع الباطل وأهله.

أولا: مفهوم التزكية.

1- التزكية لغة:

التزكية في اللغة؛ من زكَّـى يزكّـي، وتُطلق على إصلاح الشيء، والتهذيب، والتزكية تدور حول ثلاثة معان؛ “النماء والزيادة”، و”التطهير والتنقية”، و”المدح والثناء”[1]. وبيان ذلك كما يلي:

– النماء والزيادة: يقال زكا الزرع إذا نما وزاد، وتزكى المال زاد.

– التطهير والتنقية: فتزكية النفس تعني تنقيتها من الرذائل. ويقال زكَّى نفسه أي طهرها من العيوب والذنوب والمعاصي[2].

-المدح والثناء: زكَّى الشيء: أصلحه، وتزكى الرجل: صار صالحاً، كما تأتي بمعنى المدح والثناء.

2- التزكية اصطلاحا:

التزكية تربية النفس وتغيير ما بها، والانتقال بها من حال إلى حال، ومن وضع إلى وضع، صعدا في مدارج الإسلام والإيمان والإحسان، وطلبا لما عند الله بعد التوبة والرجوع إليه، وقصدا لرفع الهوان والصغار والذل والتخلف عن الأمة.

ومن معاني التزكية؛ التربية، وتعني الارتفاع والنماء، يقول الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله: التربية تنمية وارتفاع: إسلام، فإيمان، فإحسان. التربية صلاة، جماعة تلتقي خمس مرات في اليوم. هذا أولا. التربية خطبةُ واعظ الجمعة. خطبتُه هي الحد الأدنى الواجِب وجوبا مؤكّداً من السَّماع المربي[3].

وتربط التزكية بين إصلاح النفس؛ “تربية الفرد”، وبين إصلاح المجتمع؛ “السلوك الجهادي”. وهي تعتمد على وسائل عملية مثل الصبر على الطاعة، حفظ اللسان والبصر، وذكر الله، والعمل على التغيير الجذري لسلوك الفرد ليكون “محسناً” في كل أفعاله.

لكن ينبغي أن نميز بين نوعين من التزكية؛

– التزكية المحمودة:

وهي التي ترفع من مقام الطليعة المجاهدة وتسمو بها لتلقّي الأوامر والنواهي الإلهية بنية التنفيذ، وهذه التزكية مطلوبة.

– التزكية المذمومة: وهي الاغترار بالعمل، يقول الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله: “التزكية المكروهة المنهي عنها الذميمة هي اغترار العامل بعمله، والمصلي بصلاته، والملتحي بلحيته. يتغذى المزكون لأنفسهم بغرورهم زمانا سوداويا حتى يغشي أعينهم منظار يريهم الناس جميعا هلكى وهم الناجون، ضالين كلهم وهم المهتدون، كافرين كلهم وهم المؤمنون”[4].

ثانيا: مفهوم التزكية الإيمانية الإحسانية.

التزكية الإيمانية الإحسانية هي عملية تطهير النفس وتهذيبها (تزكية) بناءً على أركان الإيمان الراسخة، للوصول بها إلى مقام “الإحسان” (عبادة الله كأنك تراه). تعني التربية الروحية الشاملة، التي تربط العبد بخالقه، وترتقي به من مجرد أداء الفرائض إلى استحضار عظمة الله والمراقبة الدائمة.

فالتزكية الإيمانية الإحسانية هي منهج تربوي شامل يجمع بين الإيمان والعمل الصالح، بهدف تطهير النفس (التخلية) من الرذائل وتزيينها (التحلية) بالفضائل، لتنتقل من مستوى الإيمان إلى أعلى مراتب الدين وهو الإحسان، ولتكون شخصية المؤمن شخصية فاعلة، محسنة في علاقتها بربها وبنفسها وبخلق الله والمجتمع.

ومن حيث التفصيل لمعنى “التزكية الإيمانية الإحسانية”، ننظر في مكوناتها الثلاثة:

– التزكية؛ وهي تطهير النفس من أمراض القلوب (مثل؛ الشهوات والكبر والحسد) وصقلها لتكون طاهرة قابلة للمعرفة بالله تعالى.

– الإيمانية؛ حيث تتأسس التربية على تصديق قلبي يثمر العمل الصالح ويحمل النفس على الطاعة.

– الإحسانية؛ الإحسان هو أعلى مراتب الدين؛ “أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك”، وهو مقام المراقبة.

ثالثا: مراحل التزكية الإيمانية الإحسانية:

– التخلية: التطهير النفس من الذنوب والمعاصي والصفات السيئة، مثل الشرك، البخل، الكبر.

– التحلية: تنمّـي النفس بالفضائل والأخلاق الحميدة؛ كالصبر، الصدق، الإخلاص، والرحمة.

– السعي لبلوغ مرتبة الإحسان: وهي مرتبة العبادة الكاملة التي يراقب فيها العبد ربه، ثم السلوك الإيجابي مع الآخرين والإتقان في العمل.

والحمد لله رب العالمين.


[1]– ابن منظور، لسان العرب، دار صادر، بيروت، الطبعة السابعة 1417هـ-1997م. ج:15/ص:57.

[2]– ابن فارس، أبو الحسين أحمد، معجم مقاييس اللغة، تحقيق وضبط عبد السلام محمد هارون، دار الجيل في لبنان، طبعة: 1420هـ.

والــفيروز أبادي، القاموس المحيط، ضبط وتوثيق: يوسف الشيخ محمد البقاعي. دار الفكر، طبعة: 1425هـ – 2005م، ص 573.

[3]– حوار الماضي والمستقبل، للأستاذ عبد السلام ياسين. دار لبنان للطباعة والنشر، بيروت، الطبعة الرابعة، 2018م. ص، 70.

[4]– محنة العقل المسلم بين سيادة الوحي وسيطرة الهوى، للأستاذ عبد السلام ياسين. مؤسسة الطباعة والنشر والتوزيع للشمال، الطبعة الأولى، 1994م، ص، 63.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.