القول المبين ومفاتيح الفهم لقضية فلسطين
عبد المجيد بوسحور
مراد الله لا مراد الانسان
لا ينبغي للمؤمن المتتبع لأحداث فلسطين ان يستكثر على الله حدوث النصر المؤزر الظاهر البين الموعود كما يريده هو وفي الوقت الذي يرجوه ويتخيله
من يبسط الامور ينتظر النصر مستعجلا ليخرج محتفلا به في الشوارع ويرفع رايات النصر كما صوته بالتهليل والتكبير وتتلألأ السماء بزغاريد النساء ابتهاجا هذا وعد غير مكذوب لإقامة الخلافة الثانية على منهاج النبوة حين يراد لها ان تقوم فتنقطع شوكة الظالمين الصهاينة ويكون النصر المبين للمؤمنين. ذلك حق ولكن تنزيله ووقته وكيفيته من الغيب عند الله المستأثر به ودون الأمة وهذا النصر صولات وجولات ليميز الله الخبيث من الطيب ويعلم الصادقين من المنافقين ويصطفي الشهداء الذين سبقت لهم منه الحسنى هكذا اذن ينبغي ان ننظر لقضية فلسطين وباقي قضايا الأمة
المؤمن مكلف بالجهاد واعداد العدة واستفراغ الوسع واظهار الولاء للمؤمنين والبراء من المخذلين ومناهضة الكذابين المنبطحين ممن يسمون بأسمائنا ويعيشون بين اظهرنا يردهم عن غيهم بما يملك من جهد يستفرغ وسعه كاملا ولا يالو جهدا لأنه مسؤول عن ذلك ومحاسب عليه امام الله وذلك كله انما هو استجابة لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي يقول كما ورد في الصحيحين من حديث بن عمر رضي الله عنهما (المؤمن اخوا المؤمن لا يظلمه ولا يسلمه)
المخذلون كانوا ولا يزالون في الامة الى قيام الساعة وهم حالة تتجدد وتتكرر وان اختلفت الأزمنة كمن وصفهم الله في قوله تعالى (فترى الذين في قلوبهم مرض يقولون نخشى ان تصيبنا دائرة فعسى الله ان يأتي بالفتح او امر من عنده فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين) المائدة 52 وفي قوله تعالى أيضا (لو خرجوا فيكم ما زادوكم الا خبالا ولاوضعوا خلالكم يبغونكم الفتنة وفيكم سماعون لهم والله عليم بالظالمين) التوبة 47 وفي قوله تعالى أيضا (قالوا لا طاقة لنا اليوم يجالوت وجنوده) البقرة 249
امر المؤمن كله خير
ان أمر المؤمن كله خير تحت مراد الله ان اصابه خير شكر فكان خيرا له وان اصابه مكروه صبر فكان خيرا له أيضا كما جاء في الحديث النبوي الشريف عن ابي يحيى صهيب بن سنان قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (عجبا لامر المؤمن ان امره كله له خير وليس ذلك بأحد الا للمؤمن ان أصابته سراء شكر فكان خيرا له وان أصابته ضراء صبر فكان خيرا له) رواه مسلم وهذا الذي يحدث في فلسطين لا يعدوا ان يكون جزء من مراد الله تعالى وتصريف لقدره وقد حدث هذا ومثله للأنبياء والرسل وهم المنصورون المؤيدون برعاية الله تعالى قال تعالى (ان تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون وترجون من الله ما لا يرجون) النساء 104 وقال أيضا (وكاين من نبيئ قتل معه ربيون كثير) ال عمران 146 فليس في قاموس المسلم ولا ينبغي ان يكون في مخيلته ان كل معارك المؤمنين يكون مالها النصر المادي على الأعداء دون اذى
هذا الفهم تبسيطي للأمور بل ان سنة الله وتمحيصه للمؤمنين يقتضي ان تكون جولات وصولات في القتال ولا ينبغي ان يغير ذلك ثقة المؤمن في نصر الله وموعوده لان المعركة طويلة بطول الزمن والموعد الله وقراءة سير الانبياء والرسل تغنينا عن كل سؤال فالمومن يتاجر مع الله وموته في ساحة القتال حياة ونصر وفوز بالباقية
القتلة الأشرار
بين التفاؤل وتوقع السوء بخصوص ما يدبر للقضية الفلسطينية في مطابخ العرب بمشاركة الغرب ودعمه تجد المرء في حيرة من امره فتوالي الأحداث وتتابعها ينبئ ظاهريا بالسوء ومزيد من العنف والقتل والتهجير بشكل لا يصدق وبصمت رهيب من المنتظم الدولي شكل يخالف ويتحدى كل الأعراف والمواثيق الإنسانية التي وضعت معه على المحك امر لا يستوعبه انسان عاقل ولا يفهمه سوي الا اذا استحضر مواصفات المعتدي واستقرا احداث التاريخ الإنساني واستقرأ الناطقين كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم لمعرفة حقيقة الصهاينة المجرمين الذين تجرؤوا على تحريف الكتب السماوية وقتل الانبياء بغير حق وصيدهم يوم سبتهم ويوم يسبتون لا يأتيهم وايقاظهم لنار الفتنة كلما اطفاها الله وقولهم على الله البهتان العظيم في سورة (وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم بما قالوا بل يداه ميسوطتان ينفق كيف يشاء) المائدة64 ليقف في الأخير على ما عاناه رسول الله معهم في خياناتهم المتكررة ونقضهم للعهود وتآمرهم عليه مع اعداءه وصلت لمحاولة قتله حتى قرر صلى الله عليه وسلم اجلائهم من المدينة خائبين متاطئين رؤوسهم في مشهد تصفه سورة الحشر بشكل بديع ومبين فكلما اوقدوا نارا للحرب اطفاها الله ورد كيدهم خائبا قال تعالى (كلما اوقدوا نارا للحرب اطفاها الله ويسعون في الأرض فسادا) المائدة 64
كل ذلك يعرفنا حقيقة وقبح خصال بعض هذا الشعب وأهله الذين كتب الله عليهم ان يكونوا مصدر كل خبث ومنبع كل فتنة واضطراب للإنسانية كلها حيثما حلوا وحيثما ارتحلوا وعنوان ذلك قولهم في تحريفهم للتوراة مستحلين دماء الإنسانية جمعاء الا هم كما ورد في القرءان الكريم (ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في الاميين سبيل ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون) ال عمران 75
لتبيننه للناس ولا تكتمونه
الحفاظ والمتفيقهين في صفوف الأمة كثر والمدعون لامتلاك ناصية العلم ممن يسمون علماء ونخبة ومحللون ايضا كثر لكن اولو الالباب اصحاب المواقف الذين استجابوا لأمر الله بعدم كتمان العلم الحقيقي وتبيينه للناس وتحمل مسؤولية ذلك المسددون الموفقون بامتلاك ادوات التحليل الحقيقي والمتحررون من سطوة التحليل المادي الذي يعتمد على الاسباب وينسى مسبب الاسباب الذي يخترق بأمره كل الاسباب وامره نافذ ان اراد وقائم بين كاف ونون ان أمره اجاب مثل هؤلاء قلة يعرفون بسيماهم وانحيازهم الى قضايا أمتهم يربون ويحفزون بثقة كاملة في الله ويعدون الأمة بالنصر والتمكين المبين قلوبهم مع الله والسنتهم تلهج بذكره وايديهم تعمل في الطين للدفاع عن بني الانسان ومع هؤلاء لا بد من ذكر الاخرين الاخرين اذ لولى الخبيث لما عرفت قيمة الطيب وفضله ولولا الشر لما تميز الخير بخيره اما من يتاجرون بالدين فلا نقول لهم الا ما جاء في الكتاب في قوله عز وجل (وإذ اخذ الله ميثاق الذين اوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمنا قليلا فبيس ما يشترون) ال عمران 187
الموت موتان
صحيح ان ضحايا العدوان من المجاهدين والمدنيين على السواء كثر لكن موت الأجساد حق وحصوله حتمي ووقته معلوم ومكتوب فلا مفر منه ولا مبدل لوقته وقد استأثر الله به عنده لكن الموت الحقيقي هو موت القلب والميت من كان له قلب خرب خاو من ذكر الله ومحبة المومنيين ومؤازرتهم وعقله خرب من الفهم السليم المستقيم يعوزه التحليل السليم لما يجري حتى يصير عنده الجزئي كليا والكلي جزئيا وتنقلب عنده الاولويات رأسا على عقب فينظر للأمور نظرة مادية تجزيئية فلا يربط الاسباب بمسبب الاسباب تعوزه الحكمة ومن اوتي الحكمة فقد اوتي خيرا كثيرا (ولا تحسبن الذين قالوا في سبيل الله امواتا بل احياء عند ربهم يرزقون) ال عمران169
تحرير قبل تحرير
والتحدي اليوم في الأمة ليس هو العدو الظاهر والكافر البين ولكن العدو الحقيقي هو المدلس الذي يعيش مع المومنيين ووسطهم ويحمل اسماءهم ويملك امرهم لكنه منافق وكذاب ومن هنا نفهم لماذا درجة المنافق أعظم وأشنع من درجة الكافر البين
لم تهزم المقاومة في فلسطين من قلة ولا من وهن وقد اعدت ما استطاعت بكل قوة وحزم وارادة وتفان يشهد على ذلك العدو قبل الصديق والبعيد قبل القريب لكنها هزمت بخنجر من استحييت ان اسميهم الاخوان ممن يوالون القاتل ويتوددون الى المجرم ويطبعون معه واوذيت بحصار الجيران وتخابر دول الطوق في مساعدتهم للعدو بل ومشاركتهم في جريمة التضييق والحصار هذا نموذج وهذه مرحلة فقط والتاريخ يعيد نفسه ويجعلنا نعيد النضر في اولوياتنا ونجدد قناعاتنا بان مفتاح قيام هذه الأمة من كبوتها ونصرتها على عدوها لا يكون إلا بتحريرها اولا ممن اغتصبها على حين غرة من أهلها فنهب مقدراتها وتواطئ مع اعدائها وبعد ذلك وبعده فقط يمكن ان نتحدث عن تحرير فلسطين من رجس الصهاينة الملعونين والكفر وأهله الداعمين فتنعتق الأمة من ربقة الاسر وليس على المقاومة وحدها ان تحرر فلسطين ولكن حسبها ان تقوم بما عليها وتبقي بجهادها وجهدها القضية حية لا تموت حتى يحين الوقت ويأذن الله بالنصر والتمكين
السواد الأعظم الصامت
قد يبدوا للوهلة الأولى ان هذا السواد الأعظم الصامت من الامة قد مات وانتهى امره كنتيجة حتمية للمخططات القديمة التي استهدفت اختراق المجالات التعليمية والاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية والدينية والأمنية فحققت بذلك اختراقات مهمة بمستويات مختلفة حسب الدول وما اتفاقيات ابراهام وخطورة حمولتها الدينية والصفقات الاقتصادية والاختراق الأمني والتغلغل في بنيته بالتكنولوجيا المتطورة التي يملكها الصهاينة المعلنة منها وغير المعلنة الا غيض من فيض وقليل من كثير لكن حقيقة الامر على غير هذا وما الربيع العربي الجارف وما اظهره من امر عجيب لا طاقة لاحد بتوقعه او فهم أسبابه الا مسبب الأسباب والاخذ بناصيتها له الامر في الأولى والاخرة ليس هذا الحدث الفارق منا ببعيد فلا يغرن احد هدوء الرياح في الليلة العاصفة فما الوضع الحالي لعامة الناس ومن الطبقات المسلوبة المنهوكة المنبوذة الا استراحة محارب وغفوة من اصابته سنة سرعان ما سيقوم من نومه ويستيقظ من غفوته ليحمل هم امته ويذود عن دينه بطوفان نسال الله ان يبقي ويدر من الخير ما يصلح الله به العباد والبلاد ويجتث كل خبيث في بقائه ضرر والخير كامن في الامة لا ينقطع ابدا ومن قال هلك الناس فهو اهلكهم
والحمد لله رب العالمين