منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

قراءة في كتاب “مقومات القيادة الإسلامية وأمراضها”للكاتب الدكتور رشدي بويبري

ابراهيم أخساي

0

قراءة في كتاب “مقومات القيادة الإسلامية وأمراضها”

للكاتب الدكتور رشدي بويبري

إنجاز: ابراهيم أخساي

مقدمة:

بمجرد التأمل في عنوان الكتاب تنطلق التساؤلات عن مدى استجابته للإنتظارات المرجوة منه، من قبيل:

هل سيساهم في إعداد نخبة من القادة في مجال الدعوة والعمل السياسي؟

هل ياترى سيحفز البعض لتلمس طريق القيادة؟

وهل سيوجه بعض القيادات إلى ترشيد العمل الدعوي والنجاح في مجال الدعوة الإسلامية

وتجنب الإساءة إليها بتجنب المحاذير التي نبه إليها الكاتب؟

خاصة وأن  موضوع الكتاب يدفع، وبطريقة مباشرة، كل واحد إلى عرض تجربته الدعوية على مرآة ما جاء فيه، مقومات وأمراضا. كيف لا والعلاقة بين القارئ والكتاب تخضع لتفاعلات وجدانية وفكرية وخاصة إذا كان الكاتب من رجال الدعوة وقادة العمل الإسلامي، والمخاطبون بمضمون كتابه أبناء الحركة الإسلامية.

لمحة عن الكتاب:

أصدر الدكتور رشدي بويبري كتابه الموسوم ب“مقومات القيادة الإسلامية وأمراضها” سنة2024 عن دار القلم، وهو من الحجم المتوسط ويقع في 177صفحة،  غلافه أزرق داكن اللون، يتوسطه عنوان الكتاب بخط أصفربارز، وفي ظهر الكتاب صورة الكاتب مع كلمة مختصرة عن الموضوع تستغرق أغلبية الصفحة. اختيار هذا اللون جعلني أفتح حوارا شيقا مع الكتاب، لماذا هذا اللون بالضبط، أزرق داكن، هل في الأمر سر ما أم أنه كان اختيارا اعتباطيا؟ من طبيعة الحال يصعب الجواب عن مثل هذه الأسئلة، لكن هذا لا يمنع من محاولة البحث عن الأجوبة الممكنة، وبحثا عن الجواب، توجهت إلى محرك البحث، فكان جوابه”الأزرق الداكن يرمز للثقة والسلطة والذكاء والهدوء، والطمأنينة، والعمق والروحانية، لكنه قد يدل أيضا على الحزن أو الغموض، وهو لون مرتبط بالإحترافية والولاء والجدية ويعكس شعورا بالإستقرار والثبات والأناقة”

أهمية الكتاب.

يشرف الكتاب إما بموضوعه أو كاتبه، والكتاب الذي بين أيدينا نال الشرفين معا، فالكاتب هو الدكتور رشدي بويبري، من قيادات الدعوة الإسلامية ورجالها، وعضو مجلس إرشاد جماعة العدل والإحسان، مفكر وكاتب، له إسهامات في عدد من المنابر الإعلامية. فالكاتب إذن تناول هذا الموضوع ليس من باب الفضول الفكري بل لأنه من رجال الدعوة وقيادييها.

أما موضوع الكتاب فهو على درجة كبيرة من الأهمية، فالمرحلة تتطلب وجود قيادات دعوية وسياسية تتحمل مسؤولية البناء المجتمعي وتستجيب لتحديات المرحلة التاريخية التي تعيشها الأمة الإسلامية، كما أن المنخرطين في العمل الدعوي التنظيمي في حاجة ماسة إلى الوعي بمقومات القيادة الإسلامية وأمراضها، وقد بين الكاتب أهمية الحديث عن القيادة، في مقدمته للكتاب، وأرجع هذه الأهمية إلى أمرين، الأول اعتبار القيادة من “الممارسات الإجتماعية التي رافقت الوجود الإنساني لأنها حاجة ملحة لحياة جميع البشر” والأمر الثاني يرجع إلى أهمية الموضوع في دين الإسلام “فقد اعتنى المولى جل وعلا بهذا الموضوع من خلال اختيار الأنبياء والإشراف على تأهيلهم وإعدادهم لقيادة أممهم وشعوبهم”.

ونظرا لهذه الأهمية أصبح من الضروري الحديث عن القيادة تكوينا، وتدريبا، وتأهيلا، ولأن الكتاب يندرج في هذا الإطار، فهو يستحق القراءة والمدارسة خاصة من طرف المعنيين بالشأن التربوي والدعوي والتنظيمي.

منهجية الكتاب:

بأسلوبه السلس والمتدفق تناول الكاتب موضوعه عبر مدخل عام وفصلين وخاتمة، وقد خصص المدخل “لتحرير النظر في مفهوم القيادة وتحديد دلالاته وتقابلاته ومقتضياته” كما يقول. أما في الفصل الأول فيوضح قائلا: “تطرقت لتصورات الخلفاء الراشدين الثلاثة رضي الله عنهم، أبوبكر وعمر وعلي، لقضية القيادة والمعايير التي ارتكزوا عليها عمليا في اختيار من يصلح لتولي هذا المنصب المهم”، ليقف في الفصل الثاني” على بعض الأمراض النفسية والسلوكية التي تصيب القادة أثناء ممارساتهم وفي خضم تعاطيهم مع الواقع وتحدياته والناس ومتطلباتها”. ولا يخفي الكاتب أمله أن يكون هذا الجهد الذي بذله في تناول هذا الموضوع ” إضافة مفيدة للباحثين والمهتمين بموضوع القيادة من داخل الحقل المعرفي الإسلامي ومن خلال التجربة الراشدة التي اعتبرها الإسلام مرجعا ملهما وصادقا لأجيال المسلمين عبر الزمان والمكان”

القيادة مفهوما وتأصيلا:

جريا على عادة العلماء والمفكرين والباحثين في التعريف بالمفاهيم التي ينوون تخصيصها بالبحث والدراسة، قام الكاتب بتخصيص أربعة عشر صفحة لتناول مفهوم”القيادة” لغة واصطلاحا وتأصيلا، ليخلص في الأخير، بعد المقارنة والترجيح وبيان الفرق بين القيادة والإدارة والرئاسة، إلى تحديد التعريفان المعتمدان في كتابه، وكلاهما ينطلقان من خصائص يتميز بها القائد، فهو:”الشخص المعبر عن رغبات الجماعة، والحائز على أكبر قدر من السمات والخصائص المرغوبة، والقائم بأعمال التخطيط والتنظيم والإشراف والرقابة والقادر على قيادة الجماعة نحو أهدافها” وهو من”يتخذ المبادرة في تفاعله مع الآخرين ويوجههم ويتحكم فيهم في سبيل الحصول على هدف عام للجماعة، كما أنه يحرك الجماعة لنيل أهدافها” (ص17).

ويكتسب هذا المفهوم قيمته وأهميته في حقل الدعوة الإسلامية عن طريق التأصيل له من القرآن الكريم ومن السنة النبوية الشريفة وهو ما قام به الكاتب عندما سطر في الصفحة العشرين مفهوم القيادة في الإسلام ومفهوم القيادة الدعوية.

 وصايا الخلفاء الراشدين تلهم الكاتب.

الجديد الذي جاء به الكتاب هو تركيزه على الخلافة الراشدة في شخص ثلاثة من الخلفاء الراشدين، أبو بكر وعمر وعلي رضي الله عنهم لاستلهام مقومات ومرتكزات القيادة الإسلامية، وهي محاولة جادة تتطلب نوعا من الجرأة للخروج من دائرة التناول المتداول لموضوع القيادة، خاصة أن أغلب الكتاب يركزون على القرآن الكريم أو شخصية النبي صلى الله عليه وسلم لاستلهام تلك المقومات، وبالرجوع إلى مراجع الكتاب، البالغة تسعا وخمسين مرجعا، نجد مثلا كتاب “القيادة في القرآن الكريم” للكاتب قندوزي أحمد الذي ركز على القرآن، وكتاب “فن القيادة في الإسلام” لأحمد بصبوص، هذا الأخير الذي اعتمد شخصية النبي محمد صلى الله عليه وسلم لاستخراج أربعة عشر صفة للقيادة.

أما الدكتور رشدي بويبري  فقد اعتمد، في كتابه، وصايا الخلفاء الثلاثة لاستخراج مقومات القيادة الإسلامة، وصلت في مجموعها إلى إثنان وأربعون صفة ومؤهلا، تتناول أربع مجالات كبرى أساسية، وضرورية لتأهيل وتكوين قيادات إسلامية ،أولها الأساس التربوي، وثانيها الكفاءة العقلية والفكرية، وثالثها الأهلية النفسية، ورابعها الخبرة العملية والميدانية. وقد تناول هذه المقومات بالشرح والتوضيح مستدلا عليها بواحد وثلاثين آية قرآنية وأربعة وعشرين حديثا، فاستحقت بذلك أن تكون منطلقا لأبناء الحركة الإسلامية للتدريب على فن القيادة التي، كما قال الكاتب:”ليست مجرد اصطفاء بل هي صناعة أيضا”.

أمراض القيادة الإسلامية:

خصص الكاتب الفصل الثاني من كتابه للحديث عن الأمراض التي تصيب القادة الذين يتحملون مسؤوليات دعوية أو سياسية، يقول:”فامتلاك القدرة على ممارسة السلطة والتحكم قد تدفع الفرد إلى الطغيان وتجعل الأمراض النفسية والسلوكية تطفو على سطح شخصيته” ص91. وخص بالذكر “الأنانية المستعلية والشخصنة والوصاية المرضية والمحافظة المفرطة ثم فقدان البوصلة وأخيرا الغرور وفرط تقدير القوة” وفي الأخير ذكر مجموعة من التوجيهات والنصائح لتجاوز هذه الأخطاء أو الأمراض كما اختار الكاتب أن يصفها. والدافع لذكرهذه الأخطاء والمنزلقات وسبل الوقاية منها هو ما صرح به في الصفحة التاسعة بعد المئة ب” وجوب تطهير العاملين في حقل الدعوة الإسلامية خاصة المنتمين إلى مشاريع جماعية منظمة وتربيتهم على حميد الخلال وجميل الخصال وتجنيبهم سيئها لئلا تؤثر سلوكياتهم على سيرورة مشروعهم وتطوره”

ملاحظات تفاعلية:

قبل ختام هذه القراءة ارتأيت أن أبدي بعض الملاحظات الناتجة عن تفاعلي مع الكتاب وهي:

أولا: بعد قراءتي للصفحتين المخصصتين للعنوان الخامس في مدخل الكتاب الموسوم ب” القيادة والقوة”، بقي في ذهني تساؤل عن مفهوم القوة وعلاقته بالقيادة؟، فقد جاء تحت هذا العنوان أن القوة “هي القدرة على التأثير في سلوك الآخرين” لكن هذا التأثير قد يتم عن طريق السيطرة والإخضاع والإكراه، وقد قادني النقر على النيت إلى مفهوم “القوة الناعمة” وهي قدرة دولة أو جهة على التأثير في الآخرين وجذبهم وتحقيق أهدافها عبر الإقناع والاستقطاب مستخدمة الثقافة والقيم السياسية والسياسات الخارجية بدلا من الإكراه أو القوة العسكرية والمالية(القوة الصلبة)، ومن هذا التعريف للمفكر جوزيف ناي يظهر أن مفهوم القوة يجمع بين معنيين أحدهما ممارسة القهر أو الإجبار والآخر يمثل التواصل والتأثير. هذا من جهة، ومن جهة أخرى فالقوة خلاف الضعف، ومن معانيها القدرة، وقد عرفها عمر بن الخطاب رضي الله عنه، كما جاء في معيار”القوة والأمانة”، بما يلي:”القوة في العمل ألا تؤخر عمل اليوم إلى الغد” (ص58). ونظرا لما تتمتع به المفاهيم من سلطة على توجيه الفكر والفهم والسلوك، كان من الأولى إضافة صفحات لزيادة الشرح وكشف الترابطات الممكنة عن علاقة القوة بالقيادة الإسلامية.

ثانيا:انطلاقا مما كتبه الدكتور رشدي بويبري في مقالة في موقع (منار الإسلام) تحت عنوان “القيادة اصطفاء وصناعة” سنة 2021 والتي ضمنها في الكتاب، وكذا من المراجع التي اعتمد عليها وخاصة كتاب “صناعة القائد”  الذي جاء فيه:”إن قضية صناعة القائد هي قضية أمة.. فمستقبل النهوض بالبشرية سيعتمد من الآن فصاعدا على نوعية الانسان القائد الذي تعده المؤسسات القيادية” (ص23). انطلاقا من كل ذلك نستنتج أهمية إعداد برامج تكوينية وتأهيلية تجعل ضمن مخرجاتها صناعة قيادات الدعوة والسياسة، وهذا انسجاما مع ما جاء في مقدمة الكتاب من أن القيادة:” فن وموهبة يصقلها التدريب والتطوير ثم تمحص صدقها ومعدنها الممارسة والإحتكاك بالواقع وبالناس، ثم يرسخها تراكم التجربة التي تستمر عبر سنوات العمر المديدة”.

ثالثا:الملاحظة الثالثة تنصب على الفصل الثاني، الذي خصصه الكاتب للأمراض التي تصيب القيادة الدعوية أو السياسية، حيث أسهب في ذكر العلاجات الكفيلة لمواجهة هذه الأمراض وأوصلها إلى ثمانية، ومن طبيعة الحال فوصفته العلاجية صادرة عن اختصاصي في هذا المجال، غير أني وجريا على عادة البعض في التطاول على إرشادات الطبيب، ومناقشة وصفته الطبية، وددت لو استفاض في تحليل الدواء الرابع المعنون ب”اعتماد منطق العمل المؤسسي” وأطال في شرحه وبين أهميته كما أطال في مرض الأنانية المستعلية التي خصص لها سبعة عشر صفحة. وذلك لأن بناء مؤسسات قوية، وفق نواظم الحب في الله والنصيحة والشورى والطاعة، مع تربية إيمانية صادقة، كفيل بمواجهة جميع تلك الأمراض، واجتثات أسبابها من جذور النفس البشرية. بل إن العمل المؤسساتي سيوفر “أفضل المشاريع لبناء أجيال من القيادات الإسلامية الكفأة في مجالات الدعوة والدولة معا وعدم ترك ذلك للفرص والإرادات الفردية” .

وختاما: الكتاب يستحق القراءة والتأمل من طرف الدعاة المرشحين لقيادة الأمة في هذه اللحظة التاريخية العصيبة التي تمر منها الأمة الإسلامية، لأنه يحاول الجواب عن أسئلة تأهيل القيادة  وصناعتها التي تشغل المعنيين بحقل الدعوة والتغيير.وجزى الله عنا الكاتب خير الجزاء وجعل هذا الجهد في ميزان حسناته، والحمد لله رب العالمين.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.