قراءة لكتاب”البيان الدعوي وظاهرة التضخم السياسي” للدكتور فريد الأنصاري
لحسن ملواني
قراءة لكتاب “البيان الدعوي وظاهرة التضخم السياسي” للدكتور فريد الأنصاري
بقلم: لحسن ملواني ـ أديب مغربي
لقد أصبحت الحركة الإسلامية ظاهرة عالمية تحتل نصيبا وافرا في وسائل الإعلام، إذ أصبحت موضوعا للبحث المتواصل بين المفكرين والباحثين المسلمين وغير المسلمين.
ولقد حاول الكثير من الباحثين تعريف وتفسير الظاهرة فاختلفوا في ذلك باختلاف مشاربهم ومنطلقاتهم وتعديلاتهم.
ومهما اختلفت التعريفات والتوصيفات للحركة الإسلامية فإننا نتفق مع سعد الدين العثماني الذي يرى أنها في عمقها تحمل أمرين مشتركين هما:
- إرادة إصلاح الواقع أو تغييره، وتجاوز حالة الضعف والهزيمة والتخلف التي تعيشها الأمة.
- الانطلاق في ذلك من الإسلام مرجعيا وأساسا مذهبيا[1]
إن الحركة الإسلامية جديرة بالدراسة والتحليل فهي ليست ظاهرة وموجة أفرزتها ظروف وتحولات، بل صارت تيارا في تنام مطرد يوما بعد يوم فقد تجاوز هذا التيار الأقطار الإسلامية ليجد له أثرا في دول غربية ويظهر ذلك في أوساط المهاجرين من المسلمين وغيرهم من بعض سكان المهجر الأصليين… علاوة على ذلك ” فإن التيار الإسلامي ينتشر في جميع طبقات المجتمع وقطاعاته، فيتجاوب معه الفقير والغني،المثقف والعامي وصاحب الثقافة التقليدية وصاحب الثقافة العصرية كما يتجاوب معه العاطل وصاحب المنصب والرجل والمرأة والشاب والكهل.لذلك فإن أي تفسير مادي يربط بين ظهور هذا التيار والأوضاع الاقتصادية والاجتماعية ربطا تاما لا أساس له في الواقع” [2]
انطلاقا من هذه الحيثيات وغيرها تطرح الحركة الإسلامية أكثر من سؤال مفهوما ونشأة واستمرارا… ولعل الكتاب الذي بين أيدينا“البيان الدعوي وظاهرة التضخم السياسي” يجيب على كثير من الأسئلة والتساؤلات التي يوحي بها امتدادها المتواصل عبر العالم.
يقع الكتاب في 192 صفحة من الحجم المتوسط ويتألف من مقدمة وأربعة فصول.
في المقدمة يشير الكاتب إلى دوافع تناوله موضوع الكتاب ومن ذلك:
- الرغبة في الإسهام في معالجة الإشكال الحاصل في الميدان الدعوي، ويتمثل في علاقة السياسي بالدعوي في مشروع التجديد الإسلامي.
- دعوة الحركات الإسلامية إلى الإنصات إلى الرأي الآخر من ذاتها ومن غيرها.
- دعوة الحركات الإسلامية إلى الاستجابة للحوار الهادئ الهادف داخليا وخارجيا وترك أسلوب الاتهام الإيديولوجي المعتمد من قبل الماركسيين كأسلوب للتخلص السهل.
- محاولة صياغة معالم أولية لأصول البيان القرآني للدعوة الإسلامية.
- الخ…..
الفصل الأول “الحركة الإسلامية والبيان الدعوي ” وخصه الكاتب لمبحثين:
الاول: ما الحركة الاسلامية؟ وفيه حاول الكاتب أن يضبط مفهوم الحركة الإسلامية لأن هذا الضبط ضبط لكثير من الكتابات الظالمة للموضوع.
وهكذا يرى أن ما اصطلح عليه اليوم بالحركة الإسلامية هو”بيان وجودي” فهي بهذا المعنى:” كل خطاب وجودي تقصد الحركة أن توصله إلى الآخر بوعي أو بغير وعي” [3] ولقد تناول كثير من الدارسين تفسير للحركة الإسلامية المعاصرة من حيث هي بيان وجودي تفسيرات مختلفة بغية إخضاعها للدراسة والمقارنة والحكم والاستنساخ خدمة لمصالح مختلفة.
وقد أورد الكاتب تعريفات كثيرة مختلفة لمفكرين وباحثين كل منهم ينطلق لتعريفه من خلفية معينة. وانتقدهم في ذلك واصفا أقوالهم في ذلك بكونها ضربا من التعميم والتعويم لا يسعف في تحديد ضابط للظاهرة.” فكل شيء بحثوه في الظاهرة (الدينية) إلا الدين نفسه(…) من حيث هو ثوابت وكليات، وأصول قطعيات، غير قابلة للتأويل” [4]
وسيحدد الكاتب مفهومه باختصار في المبحث الثاني كبديل لما عرضه من مفهومات تعود إلى مفكرين وباحثين في الظاهرة.
الثاني: في الطبيعة(الدعوية) للحركة الاسلامية: في هذا الإطار يواصل الكاتب تفسيره لظاهرة الحركة الإسلامية معتمدا في ذلك على قواعد أصولية باعتبارها المصادر والكليات الأولى للفقه التي لا يتصور فيها تخلف، ولا حولها اختلاف [5] فيرى أن حركة الصحوة الإسلامية الحديثة ليست إلا تعبيرا اجتماعيا عن مكنون المجتمع الديني فهي بيان دعوي على حد قوله، ف”رغبة التدين في الناس (…) طاقة متدفقة مثل الماء، متى تحبسه في اتجاه آخر قد لا تحمد عقباه !” [6]
وبهذا يختم الكاتب هذا الفصل بتعريف مختصر مفاده أن الحركة الإسلامية رغبة طبيعية في التدين.
الفصل الثاني: الأحكام السياسية في مراتب التشريع الإسلامي
حاول الكاتب الإسهام في إشكال (من أين نبدأ) فما العمل المفتاحي للإصلاح؟ العمل السياسي أم العمل الديني الشعبي؟ أم هما معا؟ ولأي منهما الأولوية عند المزاحمة والموازنة؟
وقد حاول الكاتب معالجة الإشكال هذا عبر مبحثين:
الأول: في مراتب التشريع الإسلامي: وفي هذا الإطار انطلق الكاتب عبر نقاش هادئ لمعرفة الواقع التشريعي للأحكام السياسية في الكتاب والسنة وقد لجأ من أجل تحقيق ذلك إلى التعريف بقاعدة تشريعية هي أساس تصنيف أحكام الشريعة ومعرفة أولوياتها وماراتبها، ويتعلق الأمر بتراتبية كل من القرآن والسنة والاجتهاد فالأول(القرآن) أصل التشريع الأول بلا منازع والثانية (السنة) وظيفتها البيان أما الاجتهاد فأحكامه ظنية من حيث الأصالة التشريعية والقوة التكليفية ولا محل للقطع فيها. ويخلص الكاتب إلى”أن ما كان في الشريعة الإسلامية أولى بالتشريع(…) كان هو الأولى بالتدين والتعبد ! بمعنى أن ما كان أولى وما لم يكن كذلك كان من وسائله وتوابعه ليس إلا ! وأما ما لم يكن من هذه ولا تلك، أي لا هو مما يدخل في الرتبة التشريعية الأولى ولا الثانية ولا الثالثة فليس من دين الله لا أصالة ولا تبعا !” [7]
الثاني: في المرتبة التشريعية للأحكام السياسية ويقصد بها كل التشريعات المتعلقة بتدبير الشؤون العامة للدولة دستوريا وإداريا وتنفيذيا. ويشير الكاتب إلى أن مفهوم السياسة الشرعية يماثل إلى حد ما ما يتداول في علم السياسة اليوم، والإشكال كما يراه الكاتب هو تبيين المرتبة التشريعية للاحكام السياسية في الاسلام. فالأحكام السياسية بالمعنى الحديث للكلمة لم تحظ من التشريع القرآني سوى بمجملات نادرة، ولم تنل من التفسير السني ومن الاجتهاد الفقهي إلا النزر اليسير.
ولقد سرد الكاتب مجموعة من الأحاديث النبوية الشريفة الصحيحة والتي يدعو فيها الرسول إلى المهادنة وطاعة الإمام الذي انعقدت له البيعة ولا يجب الخروج عليه مهما كانت الأحوال، ويؤاخذ على الذين لا يؤمنون بهذا المبدأ انتقاءهم من الأحاديث ما يناسب مآربهم فقط. وكل ما ساقه الكاتب فيما سبق هدفه منه بيان حجم إشكال المسألة السياسية في الإسلام بغية الوقوف على بابا الخروج الدعوي من النفق ووضع اليد على المفتاح الحقيقي لتجديد الدين.كما خلص إلى أن”الدين قضية وجودية كبرى، تتعلق بكينونة الإنسان “
الفصل الثالث: عنوان الكاتب هذا الفصل بالاجتهاد الإسلامي والنفسية الصدامية لدى الحركة الإسلامية المعاصرة وقد أشار في هذا الفصل – بتبريرات وأقوال فقهاء ومفكرين- إلى كون المسألة السياسية والدين تثير أسئلة كثيرة لا تكاد تنتهي، فقديما وحديثا لم يتفق الفقهاء المسلمون على شيء في هذه المسألة وإنما أجابوا عن أسئلة تتعلق بها لكنها لا تخرج عن الاجتهاد المحض.
“ولبيان الطبيعة الاجتهادية الموغلة في (الاستدلال بالرأي) بقواعد المصالح المرسلة والاستحسان بمفهومه المالكي خاصة- والعرف، [ فإن الكاتب أورد] أبرز القضايا السياسية التي هي مدار الفكر السياسي لدى الفقهاء قديما وحديثا” [8] وذلك بغية إيضاح أن الأمر السياسي في الإسلام لا يخرج عن نطاق الاجتهاد المحض.
وبذلك” صار الفقه السياسي الإسلامي، يقوم على تأصيل الأحكام بناء على عموميات الكتاب والسنة، ومجملاتهما، وبناء على النوازل السياسية التي كان للخلفاء الراشدين فيها اجتهاد “[9]
ولقد خلص الكاتب إلى أن الموقف السياسي حين يبنى عليه كمعيار يحدد مستوى التدين لدى الحركات الإسلامية يكون مؤشرا واضحا على الانحراف عن مقصد الإسلام للدين والتدين.
الفصل الرابع: نحو بيان قرآني للدعوة الإسلامية: لماذا؟ وكيف؟
استهل الكاتب الفصل بتمهيد يؤطر أهم الأفكار والمحاور التي سيتناولها بالبحث والتحليل وقد ضمن هذا التمهيد انتقادا للحركة الإسلامية ومنه:
- فتور نشاطها الدعوي العام.
- لعبها خارج حلبة الصراع بعد استدراجها إلى ذلك.
- عرضها للتدين للناس على أنه (جماعة كذا وكذا) [10] جاهلة بالرغبة الاجتماعية التلقائية في التدين من غير تقييد بالضرورة بإطار تنظيمي ضيق.
لهذا يرى الكاتب أن المشروع الدعوي الإسلامي يجب أن يركز على:
1- تجديد البعثة والمضنون (الوجودي) للتدين وهو عنوان المبحث الأول المنضوي تحت الفصل الذي بصدد تناول أهم عناصره.
وفي هذا الإطار يؤكد على ما سماه ب”البعثة الدينية” والتي من شأنها أن تؤدي مهمتين أساسيتين: الأولى مفهومية (تجديد الوعي بالمفاهيم الدينية) والثانية (تجديد الأحاسيس بهذه المفاهيم وجدانيا من أجل ترسيخ الشعور الصادق بالانتماء للإسلام).ومن أجل ذلك ساق الكاتب جملة من الآيات الكريمة التي تعرض وجوب تحسيس الإنسان بخالقه انطلاقا من خلقه له لأن ذلك مفتاح عبادته وجدانيا وروحيا اتساقا مع كل مخلوقات الله. وفي نظر الكاتب يجب أن تنصب الدعوة على تحسيس الناس بمخلوقيتهم لأن إحساسهم بها ضعيف جدا اليوم ف”حقيقة الربوبية وما تقتضيه من ألوهية هو المعنى الذي يجب على الداعي أن يقوم (بتحسيسه) للناس (وتذوقهم) إياه، حتى يتحركوا في السير إلى الله طائعين كما هم سائرون إليه تعالى (كارهين) بمعنى مقهورين بقدر الله الكوني.وإنما يدخل الجنة من يدخلها –بإذن الله- جزاء على سيره الاختياري لا القهري أو الكرهي ” [11]
في المبحث الثاني: (الدعوة إلى الله، لا إلى الهيئات والأحزاب) يرى الكاتب أن التنظيم ضروري في المجال الدعوي لكنه في الآن ذاته يؤاخذ على دعاة حركات جماعات منظمة عدة أمور منها:
- حرصهم على الدعوة إلى الانخراط في عملهم التنظيمي باعتباره دعوة إلى الله.
- قياسهم بين جماعاتهم والإسلام فصار المنضم إليهم منضما إلى الإسلام وغير المنظم إليهم خارج عن الإسلام.
- جهلهم أن الدعوة إلى الله دعوة إلى الله وكفى.
- اقتصار دورهم وحرصهم على الهدي إلى التنظيمات والجمعيات والرسوم والأشكال على حساب الدلالة على الله.
في المبحث الثالث: بعث الرسالة القرآنية
حاول الكاتب الإجابة عن سؤال ضروري هو: لماذا كان وصف البيان الدعوي بالقرآني؟ فذهب إلى أن أغلب المسلمين اليوم لا يعرفون القرآن ولذلك وجب على الدعاة أن يقوموا بالتعريف به لأن ذلك أساس معرفة الله تعالى.
“وكل داعية خال من الحرارة الوجدانية تجاه القرآن هو آلة معطلة مقفلة غير صالحة للتبليغ” [12] وإذا كان عليه الصلاة والسلام يقول بأن «العلماء ورثة الأنبياء» فإن وظيفة الأنبياء هي تجديد الوحي ووظيفة العلماء تجديد الدين بالعلم.
هذا في الوقت الذي يرى الكاتب أن كثيرا من الحركات الإسلامية قد صار خطابها بعيدا عن القرآن الكريم لأن أعضاءها منشغلون عن كلام الله بأشياخهم وأقطابهم.
في المبحث الرابع والأخير: (التجديد الديني ومراتب الأولويات الدعوية)
يعود الكاتب للتأكيد على أن العمل السياسي ليس أصلا من أصول العمل الدعوي وإنما فرع من فروعه، لذا فالحركة الإسلامية إن شاركت في العمل السياسي “فبصفتها دعوة لا عملا سياسيا مجردا كسائر السياسات العارية التي خربت البلاد والعباد” “فمن أخطر أخطاء العمل السياسي المعاصر الوقوع في شرك تخريب الإسلام” [13] وذلك انطلاقا من اعتبار الإسلام دينا قبل أن يكون دولة.
وأشار إلى أن أكبر ما يواجه الحركات الإسلامية هو التحدي الأخلاقي، فهذه الحقيقة تغيب عن دعاة وجماعات إسلامية رغم أن هذا مهدد لمشروعها: فالدعوة يجب أن تكون خلقية بالمعنى التعبدي الشامل لكلمة الأخلاق انطلاقا من قول الرسول عليه الصلاة والسلام « إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق» [14] ولقد خصص الكاتب بقية هذا المبحث للحديث عن أهمية الصلاة كقيمة كبرى انطلاقا منها يمكن تنفيذ المشروع الدعوي الإسلامي فالصلاة أساس منهج التدين وهي العبادة الشاملة في الدين. ولقد كانت النواة الأولى للدين كله، وكان المسجد فضاء للعمل الإسلامي دعوة ودولة.
وختم الكاتب مؤلفه بالإشارة إلى “أن مفتاح العمل الدعوي الإسلامي رهين – أولا وقبل أي شيء- بتحقيق (إسلاميته) في نفسه: أي أنه لابد من مراجعة (التصورات)والمفاهيم و(مناهج) وسائر الوسائل التي تتبناها هذه الجماعة أو تلك…كمشروع لتجديد الدين وإقامته في المجتمع” [15] وقد حدد الكاتب لذلك النظر في قضايا أساسية ومنها كون العمل السياسي ليس أصلا من أصول الدين ولا التدين…
إن كتاب “البيان الدعوي” من الكتب التي تحمل جدة وعمقا في التحليل والنقاش وهذا ما يجعله يحتاج إلى قراءات وقراءات. وما قمنا به ليس إلا محاولة لعرض بعض أفكاره ومحاوره.
للإشارة فـكتاب “.”البيان الدعوي وظاهرة التضخم السياسي” للدكتور فريد الانصاري،سلسلة “اخترت لكم” (19)،منشورات ألوان مغربية،الطبعة الأولى 1424 هـ – 2005 م.
[1]مجلة الفرقان العدد 41 1419هـ/1998م ص 1
[2] المرجع نفسه ص 35-36
[3] البيان الدعوي وظاهرة التضخم السياسي ص 14
[4] المرجع نفسه ص 23
[ 14]المرجع نفسه ص 171