سِفْرُ المَجْدِ وَصَهِيلُ الحُرُوف(قصيدة)
سِفْرُ المَجْدِ وَصَهِيلُ الحُرُوف(قصيدة)/ أبو علي الصُّبَيْح
سِفْرُ المَجْدِ وَصَهِيلُ الحُرُوف(قصيدة)
أبو علي الصُّبَيْح
أَنا الَّذي صاغَ الزَّمانُ قصيدَتي
فَغَدَتْ حُروفي في الوغى لا تُهزَمُ
أَمشي فتَرجُفُ مِن خُطايَ قبائلٌ
ويَضيقُ مِن وَقْعِ الصَّهيلِ جَهَنَّمُ
ما كُنتُ أَطلبُ مِن مديحٍ منزِلًا
لكنَّ مجدي في السَّما يَتكلَّمُ
إنّي ابنُ حرفٍ لا يلينُ سنانُهُ
وإذا تنفَّسَ صارَ نارًا تُضرَمُ
أُعطي القوافي مِن دمي جمرَ الأسى
فتعودُ فوقَ جبينِها تتبسَّمُ
وأقودُ جيشَ الحرفِ نحوَ معاركٍ
بيضُ البلاغةِ والرِّماحُ تُخضَّبُ
في كلِّ بيتٍ ألفُ سيفٍ مُرهفٍ
وعلى حوافِّ السيفِ شعرٌ مُفعَمُ
أنا لا أقولُ الشِّعرَ حتّى ينحني
وجهُ الليالي والنجومُ تُسلِّمُ
وأشقُّ صدرَ الريحِ حتّى أرتقي
فوقَ المجرّةِ والكواكبُ سُلَّمُ
إنّي إذا ما الحربُ أقبلَ وجهُها
لبِسَتْ منَ التكبيرِ ما لا يُكتمُ
وتكسَّرتْ تحتَ الصهيلِ جيوشُهم
وسمعتَ صخرَ الأرضِ وهو يُحطَّمُ
كم فارسٍ هزَّ الرِّماحَ مهابةً
لمّا رآني والسيوفُ تجهَّمُ
قالوا: أهذا من بقايا خالدٍ؟
أم هلْ لعمرِ بنِ الخطابِ تكلُّمُ؟
فأجبتُ: لا، لكنَّ فيَّ عقيدةً
من نورِها جبلُ المنيَّةِ يُهزمُ
أنا مِن رجالٍ إنْ دعَتْهم نخوةٌ
ركبوا الردى والمرهفاتُ تُقسِّمُ
لا يركعونَ لغيرِ ربِّ سمائهِم
فالحقُّ عندَ سيوفِهِم لا يُهزمُ
ولقد شربنا المُرَّ حتّى أنبتَتْ
أفواهُنا عِزًّا بهِ نتكلَّمُ
ما لانَ عودُ الضادِ يومًا إنّما
بالصبرِ تُبنى للعروبةِ أنجمُ
بغدادُ تبكي في الضفافِ جراحَها
ودِجلةٌ مِن حرِّ ما فيها تدمى
والشامُ ما زالتْ تُقاتلُ وحدَها
والقدسُ في عيني تُقيمُ وتَحْلُمُ
وغزّةٌ نزفَتْ فصارَ دمُ الأسى
نهرًا على صدرِ البطولةِ يُرسَمُ
يا أمّةً كانتْ تقودُ حضارةً
كيف انحنى مِن بعدِ عزِّكِ معصمُ؟
أينَ اليراعُ وأينَ سيفُ محمّدٍ
وأينَ صوتُ الحقِّ حين يُعلَمُ؟
كنّا إذا ذُكرَ الكرامُ تقدَّمَتْ
بيضُ الوجوهِ وسيفُنا المتبسِّمُ
واليومَ صرنا نستجيرُ بظلِّنا
حَذَرًا، وفي جوفِ الخيانةِ مأتمُ
لكنَّني ما زلتُ أزرعُ ثورتي
حتى يفيضَ مِن القصائدِ موسمُ
وأدقُّ بابَ المجدِ حتّى ينثني
ليلُ الهوانِ ويُستباحَ المُظلِمُ
الشعرُ عندي ليسَ لفظًا عابرًا
بل صاعقٌ في وجهِ مَن يتوهَّمُ
إنّي إذا ما قلتُ بيتًا واحدًا
مشتِ القبائلُ خلفَهُ تتقدَّمُ
وأرى المعاني كالخيولِ أصيلةً
تجري، وفي أعرافِها تتكلَّمُ
أُعطي الحروفَ منَ الكبرياءِ هيبةً
حتى الحروفُ أمامَ شعري تُحرِمُ
لا تسألوا عمّن أكونُ فإنّني
بابُ البلاغةِ حينَ يُغلقُ معلمُ
أنا مِن سلالةِ مَن إذا غضبَ الوغى
هوتِ الجبالُ وسيفُهُ لا يرحمُ
أمضي وتحتَ عباءتي لغةُ المدى
وعلى جبيني ألفُ فجرٍ يُرسَمُ
إنّي حملتُ الضادَ فوقَ مشاعري
فغدتْ على كتفيَّ بحرًا يُلجَمُ
ولكم كتبتُ من القصائدِ صرخةً
حتّى استفاقَ من السباتِ المُجرِمُ
يا أيُّها الزمنُ الحقيرُ أما ترى
أنّي على رغمِ الجراحِ مُعظَّمُ؟
أأنا الذي تُطفى الحرائقُ باسمهِ
ويهابُهُ في ساحةِ الحربِ الضرغمُ؟
ما ضرَّني إنْ ضاقَ حولي موطني
فالأرضُ كلُّ الأرضِ حينَ أُكلِّمُ
أُحيي منَ الألفاظِ ما ماتَ الأسى
وأُعيدُ للأمجادِ ما يتهدَّمُ
وأصوغُ من عَرَقِ الرجالِ قصيدةً
فيها البطولةُ والإباءُ المُحكمُ
الخيلُ تعرفُني إذا هبَّ الوغى
والرمحُ يعرفُني إذا أَتقدَّمُ
والليلُ يشهدُ أنّني متفرِّدٌ
والبدرُ مِن نورِ القصيدِ مُتمَّمُ
قد كنتُ وحدي حينَ خانَ زمانُنا
لكنَّني رغمَ الجراحِ مُصمِّمُ
ما خفتُ يومًا من عدوٍّ ظالمٍ
فالحرُّ فوقَ الخوفِ دومًا يُحكِمُ
إنّي أرى في كلِّ طفلٍ ثائرٍ
فجرًا على رغمِ الدُّجى يتبسَّمُ
وغدًا ستنهضُ أمّتي مِن كبوةٍ
ويعودُ للأقصى الضياءُ الأعظمُ
ويعودُ صوتُ الحقِّ يعلو شامخًا
وتعودُ خيلُ الفاتحينَ وتُلجِمُ
ويفيقُ مِن نومِ الهوانِ سيوفُنا
وتعودُ راياتُ الكرامةِ تُعلَمُ
هذا زمانُ الصبرِ فاجعلْ صبرَنا
نارًا على وجهِ الطغاةِ تُخَيَّمُ
فالليلُ مهما طالَ لا بدَّ انقضا
والصبحُ يولدُ والظلامُ مُهشَّمُ
إنّي كتبتُ قصيدتي متوضِّئًا
بدمِ الحقيقةِ والحروفُ تكلَّمُ
فإذا قرأتَ الشعرَ فاقرأْ فيهِنا
قومًا إذا ذُكرَ الوفاءُ فهم هُمُ
قومٌ إذا ركبوا الرياحَ توهَّجتْ
بيضُ السيوفِ وخافَ ممّن يَقدَمُ
لا يعرفونَ الذلَّ إلّا لفظةً
في معجمٍ قد ماتَ وهو مُترجَمُ
يا سائلي عن سرِّ شعري إنّهُ
قلبٌ على جمرِ الكرامةِ يُقسَمُ
إنّي أرى المجدَ البعيدَ كأنّهُ
نجمٌ، ولكنْ بالسواعدِ يُغنمُ
فانهضْ، فإنَّ المجدَ ليسَ قصيدةً
تُتلى، ولكنْ موقفٌ لا يُهزمُ
واكتبْ على وجهِ الليالي صرخةً
أنَّ الكرامةَ في الرجالِ تُكرَّمُ
فلربَّ بيتٍ مِن قصيدٍ صادقٍ
أحيا أمّةً، والكونُ منهُ يُلهَمُ