تقديم لكتاب:«القواعد الأساس لعلم مقاصد الشريعة» للدكتور أحمد الريسوني
د. عثمان كضوار
تقديم لكتاب:
«القواعد الأساس لعلم مقاصد الشريعة» للدكتور أحمد الريسوني
إنجاز: د. عثمان كضوار
باحث في علم المقاصد – المغرب
السياق التاريخي للكتاب:
يعد كتاب «القواعد الأساس لعلم مقاصد الشريعة» للدكتور أحمد عبد السلام الريسوني (مواليد 1953م)، الصادر عن مؤسسة الفرقان للتراث الإسلامي، الطبعة الأولى، 2014م، عدد الصفحات 100، من الكتب الماتعة في علم مقاصد الشريعة، حيث قدم الكاتب من خلاله إضافة نوعية لعلم المقاصد من جهة الدفاع عن استقلاليته، حيث أضحى له قواعد ثابتة تميزه عن غيره من العلوم الشرعية (التعليل، الاستصحاب، اعتبار المآل).
وقد حرض فضيلة العلامة أحمد الريسوني من خلال هذا الكتاب بأن يكون وفيا لمعلمه وشيخه الشاطبي من حيث الاشتغال على ما أسسه هذا الأخير ابتداء، وإن خالفه في ما يراه الريسوني ملزما من الناحية العلمية وهي خصلة أضفت تكاملا معرفيا بين الرجلين.
فجاء الكتاب على هذا النحو يتمم ما بدأه الأولون من أهل التخصص في مجال مقاصد الشريعة، حيث دعوة الريسوني إلى تقصيد العوم الشرعية بناء على وضع قواعد لهذا العلم الجليل الذي يهيمن من الناحية التطبيقية في تفعيل الشريعة الإسلامية لتبقى صالحة لكل زمان ومكان.
استهل فضيلة الدكتور سيدي أحمد الريسوني كتابه بمقدمة مقتبسة الأصول من مشاركة علمية لفضيلته خلال دورة علمية تحت عنوان «مقاصد الشريعة بين التهيب والتسيب»[1]. والتي كشف من خلالها عن الولادة الكامنة لعلم مقاصد الشريعة المؤرخة على يد الإمام الشاطبي من خلال كتابه الماتع «الموافقات» بيد أن الرجل أفلح في إخراج هذا العلم إلى الوجود بعدما ورد ضمنيا مشتتا في بعض كتب علم الأصول فأفرد له «قسما مستقلا مخصصا لعلم المقاصد «نال النصيب الأكبر من حيث قضاياه ومباحثه ضمن كتاب «الموافقات»، ليتقدم العلم خطوات على يد الإمام الطاهر ابن عاشور ويقضي بتسميته رسميا «علم مقاصد الشريعة» ونسميه علم مقاصد الشريعة «[2].
فبعد الولادة الكامنة لهذا العلم تلتها اليوم ولادة كاملة استوفت شروط الكمال بفضل الاهتمام الكبير بهذا العلم الذي ألفت فيه الكتب فأفسحت المجال لقضايا وآفاق رحبة عديدة لمقاصد الشريعة، فبات هذا العلم ينافس باقي العلوم الشرعية داخل المدرجات العلمية بالجامعات والكليات الإسلامية يدرس كمادة علمية مستقلة، فتأسست معاهد ومراكز باسم هذا العلم تحتوي القضايا المقاصدية، بل صار لهذا العلم الجليل قواعد تدرس «تخص طرق الكشف عن مقاصد الشريعة، ومعلوم أن ظهور قواعد خاصة بأي علم من العلوم هو أقوى تجل لنضجه واستقلاله»[3].
صار علم المقاصد على هذا النحو واقعا معيشا يفرض نفسه في جل القضايا يهرع إليه، بل بات علما يسعف الفقيه والمجتهد والأصولي كما يسعف المربي والداعية والمقتصد والسياسي، كل حسب المجال الذي يشتغل عليه، فصارت الدراسات المقاصدية من «المتطلبات الضرورية»[4] بعدما كانت عند المتقدمين «تعتبر ضربا من الحاجيات والتحسينيات العلمية»[5].
أما علاقة مقاصد الشريعة بعلم أصول الفقه فيرى فضيلته بأنها علاقة تفاعلية يخدم كل علم الآخر بوجه من الوجوه، وإن كانت جذور علم المقاصد مبثوثة من علم أصول الفقه، فتلك طبيعة العلوم «ذرية بعضها من بعض» على حد تعبير الشيخ الريسوني، بل كثير من القواعد الأصولية كما يرى ابن عاشور وضعت مقدمات أولية لمقاصد الشريعة.
ويرى فضيلته أن الأصل في المسألة يعزى إلى كون هذا العلم الجليل – علم المقاصد – لا ينفك أن يكون علما مبتكرا غير مسبوق ظهر مع العز بن عبد السلام ومن بعده، أو مستمد مباشرة من الكتاب أو السنة، لا سيما وأن له مجالات ووظائف وقواعد مختلفة عن أصول الفقه أو غيره.
بعد هذه التوطئة شرع الشيخ الريسوني في إبراز ثلاث قواعد ميزت علم المقاصد، قاعدة التعليل، قاعدة الاستصلاح، قاعدة المآلات، وحيث إن ماسلف ذكره من القواعد قد عولجت ونوقشت قديما إلا أن تقليب النظر كما يرى فضيلته يجعل هذه الأخيرة تجتاح علم المقاصد فيؤسس عليها.
القاعدة الأولى: قاعدة التعليل
يعتبر الدكتور الريسوني أن قاعدة التعليل «الأساس الأول لمشروعية القول بالمقاصد والخوض فيها جملة وتفصيلا «[6]، مستشهدا في ذلك بأقوال المعتبرين بالتعليل نافيا أقوال المعترضين النافين له.
فالشاطبي أول المدافعين عن هذه القاعدة، حيث اعتبر كلامه عن التعليل أول حديث استهل به كتابه «الموافقات» قائلا: «ولنقدم قبل الشروع في المطلوب مقدمة كلامية مسلمة في هذه المواضع، وهي أن وضع الشرائع إنما هو لمصالح العباد في العاجل والآجل معا، وهي دعوى لابد من إقامة البرهان عليها صحة أو فسادا»[7].
ينفي الريسوني بأن تحشر قضية التعليل في المسائل الكلامية فمجالها أصولي وإن كان منبعها عقديا.
قسم فضيلته الحديث عن قاعدة التعليل إلى ثلاثة مباحث أذكرها مفصلة على النحو التالي:
المبحث الأول: التعليل وأدلته.
بين من خلال هذا المبحث معنى العلة كما يراها المقاصديون المتقدمون بكونها «الكشف عن العلل وبيان أحكامها»، وهو معنى يختلف عن مراد الأصوليين والفقهاء للعلة التي تعتبر عندهم «العلامة الصورية الظاهرة المنضبطة التي هي مظنة الحكم القياسي الجزئي، وإنما المراد التعليل المصلحي المقاصدي»[8].
فتأسيس علم المقاصد على هذه القاعدة ينطلق بكونه علما فكريا تعليليا، لذلك لزم البدء بالتعليل تمهيدا لتؤسس عليه في جميع القضايا التي سيشتغل عليها هذا العلم فيما بعد، وهو مبدأ اعتمده الصحابة كما صرح بذلك الفخر الرازي: «كانوا يراعون المصالح لعلمهم بأن المقصد من الشرائع رعاية المصالح»[9]، وقد استشهد فضيلته بما توصل إليه الدكتور الشيخ محمد مصطفى شلبي من خلال كتابه: «تعليل الأحكام» الذي استفرغ الجهد بدراسة مسالك الأصوليين ارتباطا بهذه المسألة فخلص إلى أنها طريق شاق السائر فيها ينتهي به الأمر إلى غير مفيد، فصرف النظر عن ذلك قائلا: «فانتقلت إلى كتب الشريعة الأولى..فألفيت طريقة أخرى غير ما نراه في كتب الأصول، رأيت الأحكام تدور حول المصالح، ومناط الحكم والإفتاء هو ما يترتب على الأمر من صلاح أو إفساد»[10].
بات اليوم هذا العلم قائما بذاته كما يرى فضيلته لا يحتاج إلى من يدافع عنه استقلالا من خلال ما رصد بحثا وإثباتا وتطبيقا تحت لواء الإجماع العملي التطبيقي «أشرف عليه الفقهاء في كل عصر ومصر، بحيث صار مسألة التعليل ممارسة مستمرة دؤوبة « ينتجون فقههم على أساسها، ويوجهون الأحكام الشرعية وفق مقتضياتها»[11].
استدل فضيلته على ما يثبت التعليل بجملة من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية والتي اعتمدها ابتداء الإمام الشاطبي عن طريق الاستقراء، من ذلك قوله تعالى: { رُّسُلًا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ}[12]، وقوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ}[13]، وكذلك من خلال قوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا}[14]…. بالإضافة إلى الآيات المثبتة لتعاليل الأحكام (الصلاة، الجهاد، القصاص، التوحيد..) فهي كثيرة في آي القرآن الكريم، وكذلك ما يعلل بعثة الرسل (الاستقامة، التحرر من الأهواء، العدل بين الناس، خدمة العباد).
المبحث الثاني: أحكام الشرعية بين التعبد والتعليل
يشير فضيلته إلى أن العلماء ارتباطا بالعنوان أعلاه قسمان، قسم ينفي التعليل ويرى العبادات وكثير من المعاملات تعبدية لا تعليل يعتريها، وآخرون ينطلقون في أن الأحكام جميعها معللة إلا ما استثني منها، لأجل ذلك رصد فضيلته عنوانا عريضا «التعليل هو الأصل وعدمه استثناء» مشيرا في ذلك أن «عمدة الأحكام الشرعية التعبدية في الشريعة، نجد حكمها ومقاصدها الإجمالية منصوصة ومصرحا بها في الآيات والأحاديث»[15]، مستشهدا ببعض تعليلات الفقهاء المرتبطة ببعض الأحكام، كالوضوء والتطهر المعلل عند البعض بوجوب التأدب مع الله «عند مناجاته والتهيئ للمثول بين يديه…أما تخصيص أعضاء من البدن ليشملها الوضوء لكون تلك الأعضاء هي أكثر عرضة للأوساخ الحسية من جهة، ولأنها الأكثر تسببا وتوسلا إلى اكتساب الذنوب، أي الأوساخ المعنوية»[16]، واعتمد فضيلته في ذلك على قول كل من علاء الدين الكساني[17]، وقول ابن رشد[18]، بالإضافة إلى ما تحققه الطهارة من انشراح القلب وقوته، واتساع الصدر، وفرح النفس، ونشاط الأعضاء»[19].
مضيفا فضيلته من خلال عنوان عرضي أن عدم التعليل والدعوة إلى ذلك إنما قصور بشري عن إدراك حقيقته كما بين ذلك عدد من العلماء المتقدمين، فالأصل أن جميع الأحكام لها حكمة ومصلحة، فيذكر الحكيم الترمذي بأن «عللها قائمة، علمها من علمها وجهلها من جهلها»[20]، ويقول محمد بن عبد الكبير الكتاني: «وقول أهل الفروع هذا تعبدي، إنما هو عجز منهم عن بيان الحكمة والسر»، أما الطاهر ابن عاشور فيعتبر الفقيه الذي يتوقف عن التعليل ويعتبر الحكم تعبديا إنما « يتهم نفسه بالقصور عن إدراك حكمة الشارع ويستضعف نفسه في جنب سعة الشريعة، فيسمي هذا النوع بالتعبدي»[21]، ويذكر في تفسيره التحرير والتنوير «وأن من لم تتبين لنا صفته من الأفعال المكلف بها نوقن بأن فيه صفة مناسبة لحكم الشرع فيه، فنطلبها بقدر الإمكان عسى أن ندركها لنفرع عليها ونقيس»[22].
ويذهب فضيلته من خلال عنوان فرعي «التعليل لا ينافي التعبد» بمعنى أن «القول بالتعليل المصلحي لأحكام الشريعة الإسلامية لا ينافي قصد التعبد فيها»[23]على اعتبار أن التكاليف كلها تدخل في دائرة الابتلاء التي لا يمكن أن تخلو من مقاصد وأهداف تشمل صلاح العباد وسعادتهم بعيدة عن العبث، خالية من الألغاز والطلاسم غير قابلة للفهم والتعقل، فالتعبد كما يرى الشيخ الريسوني بقدر ما هو حق لله لا يخلو من أن يحقق مصالح المكلفين لذلك يصح القول «بل هو الأصح أن يجمع الإنسان في العمل الواحد بين قصد التعبد والتقرب إلى الله، والقصد إلى غيره من المقاصد الدنيوية المشروعة»[24]. وضرب لذلك مثلا للحج الذي لا يخلو من أن يحقق منافع تجارية وسياسية وصحية علاوة كونه قربة إلى الله، وفي التفاتة غاية في الأهمية يشير فضيلته إلى ما اصطلح عليه القرافي ب «التشريك في العبادات» أو «التشريك في النية» الذي ينوي صاحبة تأدية عبادة تقربا إلى الله إلى جانب تحقيق منفعة دنيوية، كأن ينوي المرء الصوم ابتغاء وجه الله و للتداوي دفعا لمرض يرجى الشفاء منه عن طريق الصوم، وكذا الوضوء كشرط صحة الصلاة وأيضا لأجل التبرد أو التنظيف.
فتعليل الأحكام من منظور الشيخ الريسوني له أهميته و آثاره البليغة – خاصة بالنسبة للعلماء والدارسين المتفقهين- في فهم الأحكام الشرعية وتحديد مناطاتها وتوجيه مساراتها والقياس عليها، علاوة على أن التعليل كما سلف الذكر ثابت في القرآن ببعض الآيات سبق ذكرها وثابت بالسنة النبوية، كالأمر بالاستئذان لأجل غض البصر، والنهي عن الادخار لأجل الدافة، و ذكره تعليلا لنهيه عن نكاح المرأة على عمتها وخالتها.
إن غياب التعليل يوقع الفهم حتما – كما يرى فضيلته – في السطحية والقصور والزيغ عن الصراط السوي، مستشهدا بما أثبته الإمام الشاطبي «من لم يتفقه في مقاصد الشريعة فهمها على غير وجهها»[25]. والإلمام بها إنما هو باب يسعف السالك المجتهد إلى أحكام في مال لا نص فيه من خلال إجراء العلل والالتفات إليها، لذلك يرى الشيخ الريسوني بأن «التعليل يؤدي إلى توسيع دائرة الحكم، ليشمل ما ليس داخلا في منطوق النص ومقتضاه اللفظي، ولكن يدخل فيه بمقتضى التعليل»[26].
استشهد فضيلته كذلك على مبدأ التعليل بقاعدة أصولية «دوران الحكم مع علته» أو «الحكم يدور مع علته وجودا وعدما». فكما هو مقرر عند الأصوليين أن بقاء الحكم مرتبط ببقاء علته، ومتى زالت العلة زال الحكم المبني عليها.
التعليل الذي يدعو إليه الشيخ الريسوني كما دعا إليه من قبله لا يخلو من ضوابط وشروط محكمة « هذا التعليل ليس مجرد أو تخمين أو حدس يلوح لعالم أو مفكر أو منظر، وإنما هو عمل علمي مضبوط بمسالكه وقواعده المنهجية، وكل تعليل فاقد لهذه الصفات والشروط يبقى مجرد قول – أو زعم – لصاحبه لا يلزم أحدا»[27]. لذلك كما نبه ابن عاشور يلزم من «الباحث في مقاصد الشريعة أن يطيل التثبت في إثبات مقصد شرعي، وإياه والتساهل في ذلك»[28].
ختم فضيلته حجية القاعدة بجملة أحاديث نبوية تنوعت قضاياها يطول بنا الحديث عند ذكرها، وحاصل القول إن هذه قاعدة التعليل ثابتة من منطلق الأدلة النقلية، كما أنها أداة ملحة يحتاجها المهتمون بالحقل الفقهي.
القاعدة الثانية: قاعدة الاستصلاح
يصرح الدكتور الريسوني أن قاعدة الاستصلاح هي امتداد لقاعدة التعليل، بل يشكلان في أصلهما «قاعدة القواعد في الشريعة ومقاصدها وأصولها وفقهها»[29].
حدد حفظه الله مفهوم الاستصلاح كما يراه أهل العلم بقوله: «طلب الصلاح والمصلحة والقصد إليهما، واتخاذ الأسباب المؤدية إلى جلبهما وحفظهما، ويدخل في ذلك كله الفساد واقعا كان أو متوقعا»[30]. كما صرح بأن هذا الاستصلاح الشرعي ينصرف إلى عدة شعب، أهمها ثلاثة:
-الاستصلاح الإلهي في شؤون الخلق و التشريع – الاستصلاح الواقع من الله -: حيث هيأ ويهيئ كما يرى فضيلته- الصلاح والمصالح وأسبابهما للعباد، مستشهدا بما ذكره القاضي عبد الجبار « الشارع مستصلح حكيم»[31].
يبسط فضيلته مقارنة وجوه الإصلاح بين الإنسان وغيره من الكائنات ليصل إلى أن «الإنسان هو الكائن الوحيد الذي جمعت له كل وجوه الإصلاح التكوينية والعقلية والتشريعية، غير إن نظرة العديد من المكلفين قاصرة عن فهم ذلك كله فضلوا وأضلوا « الحقيقة أن الله تعالى قد أنزل لنا الدين تشريفا وتكريما، لنعبده ولا نكفره، ونشكره ولا نكون من العاقين أو الغافلين، وأنزل لنا شرعه لنسعد في الدنيا والآخرة معا… استصلاحه لنا بالدين وشرائعه وتكاليفه، لا يقل نفعا وإسعادا لنا عما ننعم به من خيرات ونعم دنيوية في أنفسنا ومن حولنا»»[32].
الاستصلاح في فهم نصوص الشرع وتطبيقها – التفسير المصلحي للنصوص-: يعني به الدكتور الالتفات إلى المصلحة أثناء النظر في فهم النصوص الشرعية وعند تنزيلها التطبيقي بمعنى أن الشريعة في جميع أحكامها مبنية على أساس جلب المنافع ودرء المفاسد، وعليه « الاستصلاح في تفسير النصوص ليس افتئاتا عليها أو تحكما فيها أو تعطيلا لها، بل هو فقط حسن فهم لها وحسن ظن بها، وإعمال وطرد لما من مقاصدها» [33]، لأجل ذلك يدعو الشيخ الريسوني إلى تحميل النص على الوجه المحقق للمصلحة عند تعدد الاختيارات في التفسير أو عندما يكون ظاهره مفوتا لمصلحة راجحة «وعلى مر العصور تعامل جمهور الفقهاء مع نصوص الشرع بما يحقق الانسجام والتوافق مع جلب المصالح المشروعة ودرء المفاسد الممنوعة»[34].
كما يلزم استحضار هذه القاعدة أثناء إجراء القياس والعمل به «فالمصلحة العامة المحققة تحد من القياس وتتقدم عليه إذا عارضها، لأجل ذلك أخذ علماء الحنفية والمالكية بالاستحسان الاصطلاحي وجعلوه مسلكا من مسالكهم الاجتهادية»[35].
-الاستصلاح فيما لا نص فيه: يقصد بذلك المعنى الفقهي الأصولي أي المصلحة المرسلة في غياب وجود نص محكم ومحدد، فتعتمد دليلا شرعيا للأحكام، وبغض النظر عن الخلاف القائم حولها، ينصرف حديث الدكتور الريسوني إلى إقامتها والدفاع عنها قائلا: «وعلى كل حال فالاستصلاح بمعنى العمل بالمصلحة المرسلة قد اتضح أمره واستقر مفهومه، وتجاوز مرحلة المنازعة النظرية حول شرعيته وحجيته وأصبح تشريعا لا غبار عليه»[36].
أبرز فضيلته الدور الذي يؤديه الاستصلاح المقاصدي قائلا: «فهو المرجع المعول عليه في الحكم عليها – النوازل- والتعامل معها وفق قدرها ووزنها»[37].
فغياب الميزان المصلحي والتقدير المصلحي أدى عند الكثير من الفقهاء – خاصة في مجال الافتاء الفقهي – إلى مفاسد جسيمة بسبب إغفالهم مصالح عظيمة، وللطاهر ابن عاشور التفاتة مهمة في الموضوع بقوله: «إن طريق المصالح هو أوسع طريق يسلكه الفقيه في تدبير أمور الأمة عند نوازلها ونوائبها إذا التبست عليها المسالك، وأنه إذا لم يتتبع هذا المسلك الواضح… فقد عطل الإسلام عن أن يكون دينا عاما وباقيا»[38].
القاعدة الثالثة: قاعدة اعتبار المآل
تعتبر نظرية اعتبار المآل وجها من وجوه الاستصلاح أبان عنه الإمام الشاطبي في القرن الثامن الهجري بعدما أهملت عند الفقهاء ولم يتم تفعيلها بشكل بارز إلا بعد ظهور الرجل، ولربما يرجع السبب حسب ما يراه فضيلته إلى «الاهتمام بنظرية الذرائع على الرغم من أن قاعدة «اعتبار المآلات» أعم وأوسع من قاعدة سد الذرائع، فسد الذرائع إنما هو وجه من وجوه اعتبار المآلات»[39].
أولى حفظه الله دراسة هذه القاعدة من الناحية المنهجية والمقاصدية من خلال مبحثين:
المبحث الأول: الشريعة بين اعتبار الحال واعتبار المآل.
اهتم المتخصصون في مجال الاصطلاح الفقهي بهذا اللون من القواعد بحيث حددوا معنى «اعتبار المآل» في «استشراف التطورات والتداعيات التي يمكن أن يؤول إليها الفعل مستقبلا، ثم إدخالها في حيثيات الاجتهاد والحكم عل ذلك الاجتهاد»[40]. وقد استعان فضيلته بما أورده المرحوم فريد الأنصاري من خلال كتابه الماتع «المصطلح الأصولي عند الإمام الشاطبي» حينما قال: «وهنا نكتة لابد من التنبيه إليها وهي أن «المآل» في الاعتبار الاجتهادي يقتضي نظرا تطوريا أي غير سكوني، ذلك أن اعتبار المآل في تنزيل الحكم الشرعي هو نظر إلى الواقع في صيرورته الحركية، فالمآل هو ذلك الواقع المصار إليه بعد حركة الواقع المشاهد… النظر في المآل هو رصد الحركة المتغيرة المؤثرة على الحكم الشرعي بعد تنزيله وإلباسه ظروف الزمان والمكان المتوقعة»[41].
فإذن المآل من الزاوية الاجتهادية يكمن أساسا في مصادرة حكم في الحاضر باعتبار ما سيؤول إليه الأمر مستقبلا.
الشريعة من أساسها – كما يرى الشيخ الريسوني – قائمة على اعتبار الحال والمآل في آن واحد «وليس مجرد أصل اجتهادي نذخره ونستدعيه لنعمله في حالات معينة»[42]، وقد أصل لماذكره بعدة أمثلة وأقوال مثل ذلك ما نبه إليه الإمام الشاطبي «والأشياء إنما تحل وتحرم بمآلاتها»[43] وقوله: «وضع الأسباب يستلزم قصد الواضع إلى المسببات، أعني الشارع»[44].
المبحث الثاني: المآلات والمقاصد
يرى فضيلة الريسوني أن اعتبار المآلات هو في أصله «اعتبار لمقاصد الشرع الراعية للمصالح حالا واستقبالا»[45]، لأن الاستصلاح إنما هو مراعاة للمصالح في الحال وفي الاستقبال، بل إن ما يراعى في المآل من المصالح هو أضعاف مايراعى في الحال على اعتبار محدودية هذا الأخير.
ينبه الدكتور أن الاجتهاد المآلي صعب المورد لا يلجه إلا الفطن لكونه «يتطلب الاجتهاد في فهم الواقع وما سيؤول إليه، والقدرة على فهم الزمان وما يحبل به»[46]، وقد تأخذ المصالح والمفاسد تقسيما آخر باعتبار المآل من منطلق حصولها من الأفعال بالقصد أو تحصل بالمآل فتتغير بحسب مآلها.
النظر المآلي الكلي اعتمد عند الفقهاء لتحرير بعض القواعد الفقهية، كقاعدة «الحاجة العامة تنزل منزلة الضرورة الخاصة»، بمعنى أن الحاجة في حق الناس كافة تنزل منزلة الضرورة في حق الواحد المضطر «لو هلك واحد، لم يؤد هلاكه إلى خرم الأمور الكلية الدنيوية والدينية، ولو تعدى الناس الحاجة لهلكوا»[47].
يتحصل من كلام الشيخ الريسوني أن الأخذ من الحرام لحاجات الناس مرتبط بدرجة خوفهم من الوقوع في الهلاك والضرر وهو أمر يختلف عن ضوابط الآحاد ارتباطا بالحاجة، ليختم كلامه نقلا عن الجويني قائلا: «الكلام عنينا به ما يتوقع به فساد البنية، أو ضعف يصد عن التصرف والتقلب في أمور المعاش»[48].
لائحة المصادر والمراجع:
– ابن عاشور، محمد الطاهر (المتوفى: 1393هـ)، التحرير والتنوير «تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد»، تحقيق: محمد الحبيب ابن الخوجة، الطبعة الأولى، الدار التونسية للنشر، 1984م.
– ابن عاشور، محمد الطاهر، مقاصد الشريعة الإسلامية، الشركة التونسية للتوزيع، الطبعة الثالثة، 1988م.
– الأنصاري، فريد (المتوفى 1430ه)، المصطلح الأصولي عند الإمام الشاطبي، دار السلام، القاهرة، الطبعة الأولى، 2010م.
– الترمذي، أبو عيسى محمد بن عيسى بن سَوْرة بن موسى بن الضحاك، (المتوفى: 279هـ)، إثبات العلل، تحقيق: أحمد محمد شاكر وآخرون، منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية، الطبعة الأولى، 1998م.
– الجويني، أبو المعالي ركن الدين إمام الحرمين عبد الملك بن عبد الله بن يوسف بن محمد (المتوفى: 478هـ)، غياث الأمم في التياث الظلم، تحقيق: عبد العظيم الديب، مكتبة إمام الحرمين، الطبعة الثانية، 1401ه.
– الرازي، فخر الدين أبو عبد الله محمد بن عمر بن الحسن بن الحسين التيمي الملقب خطيب الري (المتوفى: 606هـ)، المحصول من علم الأصول، دراسة وتحقيق: الدكتور طه جابر فياض العلواني، مؤسسة الرسالة، الطبعة الثالثة، 1997م.
– الريسوني، أحمد عبد السلام، الجمع والتصنيف لمقاصد الشرع الحنيف، مجمع الفقه الإسلامي، 1998م.
– الريسوني، أحمد بن عبد السلام (مواليد 1953)، القواعد الأساس لعلم مقاصد الشريعة، مؤسسة الفرقان للتراث الإسلامي، الطبعة الأولى، 2014م.
– الشاشي، أبو بكر، محاسن الشريعة، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، 2007م.
– الشاطبي، إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي الغرناطي (المتوفى: 790ه)، الموافقات، تحقيق: أبو عبيدة مشهور بن حسن آل سلمان، دار المعرفة، بيروت، الطبعة الأولى، 2008م.
– الشاطبي، أبو إسحاق، الاعتصام، دار ابن الجوزي للنشر والتوزيع، المملكة السعودية، 2008م.
[1]. جرت أطوار الندوة برحاب كلية الآداب والعلوم الإنسانية بفاس، نهاية شهر ماي 2014م.
[2]. ابن عاشور، الطاهر، مقاصد الشريعة الإسلامية، تحقيق محمد الطاهر الميساوي، الطبعة الأولى، المركز المغاربي للبحوث والترجمة، 1425ه /2004م، ص127.
[3]. الريسوني، أحمد عبد السلام، القواعد الأساس لعلم مقاصد الشريعة، مؤسسة الفرقان للتراث الإسلامي، الطبعة الأولى، 2014م، ص 5.
[4]. المرجع نفسه، ص 6.
[5]. نفسه، ص6.
[6]. المرجع نفسه، ص7.
[7]. الشاطبي، أبو إسحاق، الموافقات، دار المعرفة، بيروت، الطبعة الأولى، 2008م، ج2، ص 6.
[8]. القواعد الأساس، م س، ص 11.
[9]. الرازي، المحصول من علم الأصول، مؤسسة الرسالة، الطبعة الثالثة، 1997م، ج6، ص 165.
[10]. شلبي، محمد مصطفى، تعليل الأحكام – عرض وتحليل لطريقة التعليل وأحكامها وتطوراتها في عصور الاجتهاد والتقليد -، ص 6.
[11]. الريسوني، أحمد عبد السلام، الجمع والتصنيف لمقاصد الشرع الحنيف، مقدمة لبحث غير منشور، مجمع الفقه الإسلامي، 1419ه/1998م.
[12]. سورة النساء، الآية 165.
[13]. سورة الأنبياء، الآية 107.
[14]. سورة هود، الآية 7.
[15]. القواعد الأساس، م س، ص 22.
[16]. المرجع نفسه، ص 22.
[17]. اقتبس كلاما نفيسا من كتابه: «بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع»، ج1، ص 115.
[18] كتاب: اللباب في بيان ما تضمنته أبواب الكتاب من الأركان والشروط والموانع والأسباب، ص9.
[19]. ابن القيم، أعلام الموقعين، ج2، ص 90.
[20]. الترمذي، الحكيم، إثبات العلل، الطبعة الأولى، 1998م، ص 67.
[21]. مقاصد الشريعة الإسلامية (ابن عاشور)، ص 13.
[22]. ابن عاشور، محمد الطاهر، التحرير والتنوير، الطبعة الأولى، الدار التونسية للنشر، 1984م، ج2، ص 323.
[23]. القواعد الأساس، م س، ص25.
[24]. المرجع نفسه، ص 26.
[25]. الشاطبي، الاعتصام، دار ابن الجوزي للنشر والتوزيع، المملكة السعودية، 2008م، ج3، ص 103.
[26]. القواعد الأساس، م س، ص30.
[27]. نفسه.
[28]. مقاصد الشريعة، م س، ص 138.
[29]. القواعد الأساس، م س، ص 44.
[30]. المرجع نفسه، ص44.
[31]. القاضي عبد الجبار، محاسن الشريعة، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، 2007م، ص 34.
[32]. القواعد الأساس، م س، ص 50.
[33]. المرجع نفسه، ص 52.
[34]. المرجع نفسه، ص 53.
[35]. القواعد الأساس، م س، ص 56.
[36]. المرجع نفسه، ص59.
[37]. المرجع نفسه، ص 61.
[38]. المرجع نفسه، ص 62.
[39]. القواعد الأساس، م س، ص 66.
[40]. المرجع نفسه، ص 68.
[41]. الأنصاري، فريد، المصطلح الأصولي عند الإمام الشاطبي، دار السلام، القاهرة، الطبعة الأولى، 2010م، ص 430-431.
[42]. القواعد الأساس، م س، ص 69.
[43]. الموافقات، م س، ج4، ص 196-197.
[44]. المصدر نفسه، ج1، 194.
[45]. القواعد الأساس، م س، ص 76.
[46]. المرجع نفسه، ص 77.
[47]. المرجع نفسه، ص 81.
[48]. الجويني، أبو المعالي، غياث الأمم في التياث الظلم، مكتبة إمام الحرمين، الطبعة الثانية، 1401ه، ص 81.