جهود المنار في بيان سنة الله في إهلاك الأمم (12) سلسلة سنن في إهلاك الأمم
الدكتور رمضان خميس
جهود المنار في بيان سنة الله في إهلاك الأمم (12) سلسلة سنن في إهلاك الأمم (تابع)
بقلم: الدكتور رمضان خميس
وينبه صاحب المنار إلى العناية بالحق وعدم الغفلة عنه، وأثر ذلك في صيانة الأمة وعدم هلاكها، وما يؤدي إليه عدم حفظه وعدم النظر في حقيقته مبينا أنه كما يخشى على الحق من أعدائه يخشى عليه من أهله من جهة عدم إدراكه وحفظه، وما يترتب على ذلك من فقدان الأمة لمكانتها وبقاءها: (فإن إهمال العناية بالحق أشد الخطرين عليه؛ لأنه يكون سببا لفقد العدل أو تداعي أركانه، وذلك يفضي إلى هلاك الأمة، وكذلك إهمال غير العدل من الأصول العامة التي جاء بها الدين، فالعدو لا يمكنه إهلاك أمة كبيرة وإعدامها، ولكن ترك الأصول المقومة للأمة كالعدل، وغيره يهلك كل أمة تهمله).
ويبين رحمه الله أثر التفرق والخلاف في هلاك الأمم ومدى جريان السنة على من يقع في ذلك، ويعطي أمثلة من الواقع والتاريخ، مبينا أن الفرقة والتشرذم من ثارات الشيطان وخطواته، ويدعو الأمة إلى الحفاظ على وحدتها وسلامتها من الهلاك باتباع طريق الحق والوحدة (طريق الحق هو الوحدة والإسلام، وطرق الشيطان هي مسارات التفرق والخلاف، وهي معروفة في كل الأمم، ولكن الشيطان يزين طرقة ويسول للناس المنافع والمصالح في التفرق والخلاف، فقد كانت يهود أمة واحدة مجتمعة على كتاب واحد هو صراط الله، فسول لهم الشيطان فتفرقوا وجعلوا لهم مذاهب وطرقا، وأضافوا إلى الكتاب ما أضافوا، وحرفوا من كلمه ما حرفوا، واتبعوا السبل فتفرقت بهم عن سبيل الله حتى حل بهم الهلاك والدمار، ومزقوا كل ممزق وكذلك فعل غيرهم، كأنهم رأوا دينهم ناقصا فكملوه، وقليلا فكثروة، وواحدا فعددوه، وسهلا فصعبوه، فثقل عليهم بذلك فوضعوه، فذهب الله بوحدتهم حتى لم تغن عنهم كثرتهم، وسلط عليهم الأعداء، وأنزل بهم البلاء، (سنت الله التي قد خلت في عباده) هذا هو المتبادر من خطوات الشيطان في هذا المقام…
ولحكمته قد وضع تلك السنن في الخليقة، وهدى إليها الناس بما أنزل من الشريعة، ومن ذلك أن جعل لكل ذنب عقوبة، وجعل العقوبة على ذنوب الأمم أثرا من آثارها لازما لها حتما، فكأنه تعالى قال: فاعلموا أنه يحل بكم العقاب؛ لأنه عزيز لا يغلب على أمره، وحكيم لا تهمل أمر خلفه، ولكن هذا التعبير أبلغ، لأنه بيان للحجة، وتقرير للبرهان بالإشارة إلى مقدماته اكتفاء به عن ذكر النتيجة، وهو من ضروب إيجاز القرآن التي لم تعهد في كلام إنسان”.
كما ينتصر لرأي شيخه في اختياره لمعنى الموت والحياة في قصة الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت، بأن موتهم كان موتا معنويا، وحياتهم كانت حياة معنوية كذلك، وعلاقة ذلك بسنة الله في إهلاك الأمم، بأن: (إطلاق الحياة على الحالة المعنوية الشريفة في الأشخاص والأمم، والموت على مقابلها معهود كقوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم) وقوله: (أو من كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها). وانظر إلى دقة التعبير في عطف الأمر بالموت على الخروج من الديار بالفاء الدالة على اتصال الهلاك بالفرار من العدو، وإلى عطفه الإخبار بإحيائهم بـ (ثم) الدالة على تراخي ذلك وتأخره؛ ولأن الأمة إذا شعرت بعلة البلاء بعد وقوعه بها وذهابه باستقلالها فإنه لا يتيسر لها تدارك ما فات إلا في زمن طويل، فما قرره الأستاذ الإمام هو ما يعطيه النظم البليغ وتؤيده السنن الحكيمة، وأما الموت الطبيعي فهو لا يتكرر كما علم من سنة الله ومن كتابه إذ قال: (لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى) وقال: (وأحييتنا اثنتين) ولذلك أول بعضهم الموت هنا بأنه نوع من السكتة والإغماء الشديد لم تفارق به الأرواح أبدانها، وقد قال بعد ما قرره: هذا هو المتبادر فلا نحمل القرآن ما لا يحمل لنطبقه على بعض قصص بني إسرائيل، والقرآن لم يقل إن أولئك الألوف منهم كما قال في الآيات الآتية وغيرها، ولو فرضنا صحة ما قالوه من أنهم هربوا من الطاعون، وأن الفائدة في إيراد قصتهم بيان أنه لا مفر من الموت؛ لما كان لنا مندوحة عن تفسير إحيائهم بأن الباقين منهم تناسلوا بعد ذلك وكثروا، وكانت الأمة بهم حية عزيزة؛ ليصح أن تكون الآية تمهيدا لما بعدها مرتبطة به، والله تعالى لا يأمرنا بالقتال لأجل أن أنقتل ثم يحيينا، بمعنى أنه يبعث من قتل منا بعد موتهم في هذه الحياة الدنيا).
معقبا على ذلك ببيان سنة الله في بقاء الأمم وأسباب ذلك بيان وجه الاتصال بين القصدين بأن: (وجه الاتصال بين آيات هذه القصة وما قبلها هو أن الآيات التي قبلها نزلت في شرع القتال لحماية الحقيقة وإعلاء شأن الحق، وبذل المال في هذه السبيل، سبيل الله لعزة الأمم ومنعتها وحياتها الطيبة التي يقع من ينحرف عنها من الأقوام في الهلاك والموت، كما علم من قصة الذين خرجوا من ديارهم فارين من عدوهم على كثرتهم.
وهذه القصة -قصة قوم من بني إسرائيل- تؤيد ما قبلها من حاجة الأمم إلى دفع الهلاك عنها، فهي تمثل لنا حال قوم لهم نبي يرجعون إليه، وعندهم شريعة تهديهم إذا استهدوا، وقد أخرجوا من ديارهم وأبنائهم بالقهر – كما خرج أصحاب القصة الأولى بالجبن فعلموا أن القتال ضرورة لا بد من ارتكابها ما دام العدوان في البشر، وبعد هذا كله جبنوا وضعفوا عن القتال فاستحقوا الخزي والنكال، فهذه القصة المفصلة فيها بيان لما في تلك القصة المجملة: فر أولئك من ديارهم فماتوا بذهاب استقلالهم واستيلاء العدو على ديارهم.
فالآية هناك صريحة في أن موتهم هذا سبب عن خروجهم فارين بجبنهم، ولم تصرح بسبب إحيائهم الذي تراخت مدته، ولكن ما جاء بعدها من الأمر بالقتال وبذل المال الذي يضاعفه الله تعالى أضعافا كثيرة قد هدانا إلى سنته في حياة الأمم).
من كتاب سنن الله في إهلاك الأمم دراسة في تفسير المنار