منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

مقاييس نقد السنة عند الصحابة

سعيد العيوشي

0

مقاييس نقد السنة عند الصحابة

سعيد العيوشي

  • مقدمة:

تعتبر السنة النبوية المصدر الثاني من مصادر التشريع، لذلك اعتنى بها الصحابة عناية خاصة حفظا وتدوينا، فالسنة هي التي تفصل مجمل القرآن الكريم أو تقيد مطلقه، وقد تنفرد بحكم ليس فيه، لذلك وضع الصحابة مقاييس للتعرف على صحة روايتها ونسبتها الى الرسول صلى الله عليه وسلم،  وسار على نهج الصحابة المحدثون والفقهاء حيث أثلوا منهجًا عِلميًّا دقيقًا في حفظ السُّنة النَّبوية، وضمان صيانتها عن التَّحريف، و أفنوا أعمارَهم في الدفاع عن السنة، وبذلوا أقصى جهودهم، وأنفقوا نفائس أوقاتِهم وأموالهم، وكانت رواية الحديث ونقلُه وضبطُه والسَّفر من أجله خصِّيصةً إسلامية تميَّزت بها هذه الأمَّة، وكان الاهتمامُ بالحديث والسَّفر من أجله وتحمُّله وروايته حركةً علمية غير مسبوقة، فتجد مجموعةً كبيرةً من النَّاس يرحَلون ويجلسون ويكتبون ويفنون أعمارهم في سبيل علمٍ معيَّن، وكانت نتيجة ذلك بروز علم الحديث علمًا مستقلًّا تندرج تحتَهُ علومٌ كثيرة.

ولقد  برع الصحابة  في نقد  أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم  سندا ومتنا، حفاظا على السنة لأنها أصل من أصول التشريع الإسلامي؛ فكان الصحابة في نقد الأحاديث يعتمدون على التثبت في الرواية بإتيان شاهد، أو باستحلاف الراوي وما شابه ذلك، وكان الغالب فيهم نقد بعض المتون نظرًا لما ثبت عندهم من نصوصٍ أخرى ظنوها معارضة للنَّص الذي سمعوه، ومن أجل الحفاظ على السنة نقية صافية وضع الصحابة مقاييس لنقدها، ومن الكتب التي تعرضت لها الموضوع كتاب مقاييس نقد متون السنة للدكتور مسفر عزم الله الدميني، فكيف كان نفل السنة وتدوينها؟ و ما هي مقاييس الصحابة في نقد السنة ؟ سنحاول الإجابة على هاذين السؤالين من خلال الخطة التالية فبعد المقدمة سنتطرق في المبحث الأول لتدوين السنة وبيان نوع روايتها لفظا أو معنى، وفي المبحث الثاني سنتحدث عن مقاييس الصحابة في نقد السنة، تم نختم بخاتمة،

  • المبحث الأول: تدوين السنة وروايتها بين اللفظ والمعنى

    • المطلب الأول: تدوين السنة.

أختلف العلماء في حكم تدوين السنة وكتابتها ، وهذا الخلاف ناشئ عن الروايات المتعددة في النهي عن كتابة الحديث أو الإذن بذلك وهذا جعل أراء الصحابة ينقسم الى قسمين بين موجز للكتابة وبين مانع لها

القول الأول: أنها كانت غير جائزة وأدلتهم:

  • عن ابي سعيد الخدري رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:” لا تكتبوا عني، ومن كتب عني غير القرآن فليمحه، وحدثوا عني ولا حرج”[1]
  • وعن أبي هريرة قال: خرج علينا رسول صلى الله عليه وسلم ، ونحن نكتب الأحاديث، فقال: ما هذا الذي تكتبون؟ قلنا أحاديث سمعناها ، منك قال:”أكتاباْ غير كتاب الله تريدون، ما أضل الأمم من قبلكم إلاما اكتتبوا من الكتب مع كتاب اللهّ قال أبوا هريرة فقلت: أنتحدت عنك يا رسول الله؟ قال نعم، تحدثوا عنى ولا حرج، فمن كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار”[2]، و نهى عن كتابة السنة؛ كان خشية أن تختلط بالقرآنفيقع الناس في المحضور…

القول الثاني: وهو من يرى الإذن في الكتابة وأدلتهم هي:

  • واستدلوا على ذلك بحديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه وأرضاه قال: (كنت أكتب حديث النبي صلى الله عليه وسلم فلامتني قريش فقالوا لي: تكتب حديث النبي والنبي بشر يغضب كما يغضب البشر، ويعتريه النسيان كما يعتري البشر؟! قال: فذهبت إلى رسول الله فقصصت عليه ما قيل، فقال لي النبي صلى الله عليه وسلم: اكتب، فوالله ما يخرج منه إلا الحق)[3]، يعني: ما يخرج من فم النبي صلى الله عليه وسلم إلا الحق.
  • قال أبو هريرة رضي الله عنه:” ما من أصحاب رسول الله أحد أكثر حديثا مني، الا ما كان عبد الله بن عمرو فإنه كان يكتب ولا أكتب”[4].
  • حديث خطبة الفتح وفيه :” فجاء رجل من أهل اليمن ، فقال : اكتب لي يا رسول الله، فقال: اكتبوا لأبي فلان ….”[5].
  • وهذه فيها دلالة على جواز كتابة ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم، والصحيح الراجح أن مسألة الكتابة كانت أول الأمر ممنوعة خشية أن يختلط القرآن بالسنة، ولما حفظ الناس القرآن وعلم النبي صلى الله عليه وسلم أنه لا يمكن أن تختلط السنة بالقرآن أباح لهم الكتابة.[6]

المطلب الثاني: رواية الحديث بين الفظ والمعنى.

اختلف الصحابة والتابعين ومن بعدهم في رواية الحديث بالمعنى إلى رأين :

 الرأي الأول: رأي ابن عمر ومن معه، كان ابن عمر رضي الله عنه وأرضاه من أشد الناس في تحريم رواية الحديث بالمعنى، حتى أنه إذا غير بعض الرواة لفظاً واحداً في الحديث قال: هذا كذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم.

قال سليمان بن مهران الأعمش: إن هذا العلم كان عند أقوام لأن يخر أحدهم من السماء خير لهم من أن يجعل واواً بدل الدال أو دالاً بدل الواو، بمعنى: أنهم يحفظون النص فينقلونه كما حفظوه.

واستدلوا على ذلك بأدلة منها: قول النبي صلى الله عليه وسلم: (نضر الله امرأً سمع مقالتي فوعاها، فأداها كما سمعها)، وهذا تنصيص على أن النضارة إنما تكون لمن يحفظ اللفظ ويؤديه كما حفظه من رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ويستدلون بحديث أوضح من ذلك وهو حديث البراء في دعاء النوم، وهو: (اللهم إني وجهت وجهي إليك، وأسلمت نفسي إليك -وفي آخره- آمنت بكتابك الذي أنزلت، وبنبيك الذي أرسلت)، فلما سمعه البراء بن عازب عرضه على النبي صلى الله عليه وسلم وقال: (آمنت بكتابك الذي أنزلت، ورسولك الذي أرسلت)،  فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (لا، ونبيك الذي أرسلت)،  فصحح له ما قاله، مع أن الرسول نبي وزيادة، فهو رواه بالمعنى، ومع ذلك فالنبي صلى الله عليه وسلم رد عليه وقال: (لا وبنبيك الذي أرسلت)، وهذه دلالة قوية جداً عن النبي صلى الله عليه وسلم رفض الرواية بالمعنى، ولا بد أن يأتي باللفظ، وهذا القول يأخذ به الإمام مسلم ؛ ولذلك تراه يدقق جداً في الألفاظ في صحيحه.

القول الثاني: من يرى الرواية بالمعنى وهناك أحاديث كثيرة تبين ذلك  في واقعة واحدة سنجد ألفاظ مختلفة في كل رواية، لكنها تؤدي نفس المعنى، وهذا يبين أن رواية الحديث في عهد الصحابة كانت بالمعنى ، وكمثال على ذلك حديث الأعرابي الذي بال في المسجد، فهناك مجموعة من الألفاظ وردت في هذه الرواية لها نفس المعنى ففي صحيح البخاري  عن أنس بن مالك رضي الله عنه وأرضاه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تزرموه، ثم دعا بدلو من ماء فصب عليه).

وفي البخاري نفسه عن أبي هريرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (دعوه، وأهرقوا على بوله ذنوباً من ماء أو سجلاً من ماء).

وفي صحيح مسلم عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (دعوه ولا تزرموه، قال: فلما فرغ -يعني فرغ من بوله- دعا بدلو من ماء فصبه عليه).

وفي سنن أبي داود عن أبي هريرة قال: (فلم يلبث أن بال في ناحية المسجد، فأسرع الناس إليه فنهاهم النبي صلى الله عليه وسلم وقال: إنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين، صبوا عليه سجلاً من ماء).

وفي سنن الترمذي عن أبي هريرة قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (أهريقوا عليه سجلاً من ماء أو دلواً من ماء).

وفي سنن النسائي عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (دعوه ولا تزرموه، فلما فرغ دعا بدلوٍ فصبه عليه)  وفي النسائي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (دعوه وأهريقوا على بوله دلواً من ماء؛ فإنما بعثتم ميسرين).

فهذه الروايات في الكتب الستة فقط، فلا توجد رواية اتفقت مع رواية أخرى بنفس اللفظ، فالصحابة كل واحد منهم سمع رسول الله وعقل على معنى معين ، لأنهم أهل فصاحة وبلاغة وبيان وكانت اللغة عندهم سليقة…

  • المبحث الثاني: مقاييس النقد عند الصحابة .

    • المطلب الأول: مقياس عرض الحديث على القرآن الكريم

كان للصحابة الكرام مقاييس وضوابط يعرفون بها كون الحديث ثابتا عن النبي صلى الله عليه وسلم أو غير ثابت، ومن تلك الضوابط عرض الحديث على القرآن، فإن أمكن الجمع بينهما بأي صورة من الصور المقبولة أخذوا بها، وإن كان معارضا للقرآن من كل وجه فإنهم يردونه،  ويحكمون على راويه بالوهم والخطأ ، فالصحابة كلهم عدول يستحيل في حقهم  الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ورد الحديث يعني  أنه ليس كلام الرسول صلى الله عليه وسلم، فالقرآن والسنة هما من عند الله ولا يمكن أن يختلفا ويتناقضا، فلعل الناقل أخطأ أو نسي، أو لم ينقل كل ما سمعه، أو فهم اللفظ على غير معناه، أو لم يحضر للمجلس من أوله فسمع نصف الحديث،  وسيتضح لنا هذا المنهج في الأمثلة التالية :

المثال الأول: ما رواه مسلم في صحيحه عن أبي إسحاق، قال: كنت مع الأسود بن يزيد جالسا في المسجد الأعظم، ومعنا الشعبي، فحدث الشعبي بحديث فاطمة بنت قيس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، لم يجعل لها سكنى ولا نفقة، ثم أخذ الأسود كفا من حصى، فحصبه به، فقال: ويلك تحدث بمثل هذا، قال عمر: لا نترك كتاب الله وسنة نبينا صلى الله عليه وسلم لقول امرأة، لا ندري لعلها حفظت أو نسيت، لها السكنى والنفقة، قال الله عز وجل: {لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة} [الطلاق: 1]([7])، فعمر بن الخطاب رضي الله عنه هنا يرى أن قول فاطمة بنت قيس مخالفٌ للآية، فقول عمر قاعدة ومقياس ، يمكن أن نستند اليه ، في عرض السنة على القرآن الكريم .

المثال الثاني: قول النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه أبو هريرة رضي الله عنه: “ولد الزنا أشر الثلاثة”([8]) فقد استنكرت ذلك عائشة رضي الله عنها وقالت: يرحم الله أبا هريرة أساء سمعًا فأساء إجابة… لم يكن الحديث على هذا إنَّما كان رجل يؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” أما إنه مع ما به ولد زنى “، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” هو شر الثلاثة “([9])، قال الطحاوي: “فكان في هذا الحديث من رسول الله صلى الله عليه وسلم دفعٌ لما في حديث أبي هريرة الذي رويناه قبله، وكان الذي في هذا الحديث أشبه برسول الله صلى الله عليه وسلم مما في حديث أبي هريرة؛ لأن الله قال في كتابه العزيز: {ولا تزر وازرة وزر أخرى}”[ الأنعام:164]، ونقد ابن عباس هذا الحديث أيضًا فقال: “لو كان شر الثلاثة ما استؤني بأمه أن ترجم حتى تضعه”( [10])، وجاء هنا نقد المتن استنادا إلى هذه الآية و استدلال عائشة رضي الله عنها بالآية، على خطأ الراوي في روايته ونقله، استدلال يعني أنه لا يقبل من المنقول ما خالف كتاب الله ، فحديث أبي هريرة هذا الذي لم ينقل كاملا جعله يخالف القرآن الكريم، فاستدلت عليه عائشة رضي الله عنها  بخطئه لمعارضته للقرآن الكريم ،

المثال الثالث: حديث عبد الله بن أبي مليكة، قال: توفيت ابنة لعثمان بن عفان بمكة، قال: فجئنا لنشهدها، قال: فحضرها ابن عمر، وابن عباس، قال: وإني لجالس بينهما، قال: جلست إلى أحدهما، ثم جاء الآخر فجلس إلى جنبي، فقال عبد الله بن عمر لعمرو بن عثمان: وهو مواجهه، ألا تنهى عن البكاء، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: “إن الميت ليعذب ببكاءِ أهله عليه”، فقال ابن عباس: قد كان عمر يقول بعض ذلك، ثم حدث، فقال: صدرت مع عمر من مكة حتى إذا كنا بالبيداء إذا هو بركب تحت ظل شجرة، فقال: اذهب فانظر من هؤلاء الركب؟ فنظرت، فإذا هو صهيب، قال: فأخبرته، فقال: ادعه لي، قال: فرجعت إلى صهيب، فقلت: ارتحل فالحق أمير المؤمنين، فلما أن أصيب عمر، دخل صهيب يبكي، يقول: وا أخاه وا صاحباه، فقال عمر: يا صهيب أتبكي علي؟ وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إنَّ الميت يعذب ببعض بكاء أهله عليه”، فقال ابن عباس: فلما مات عمر ذكرت ذلك، لعائشة فقالت: يرحم الله عمَر، لا والله ما حدَّث رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله يعذب المؤمن ببكاء أحد، ولكن قال: “إن الله يزيد الكافر عذابًا ببكاء أهله عليه” قال: وقالت عائشة: حسبكم القرآن: {ولا تزر وازرة وزر أخرى} [الأنعام: 164]، قال: وقال ابن عباس عند ذلك: والله {أضحك وأبكى} [النجم: 43]، قال ابن أبي مليكة: فوالله ما قال ابن عمر من شيء([11])، وفي هذا الحديث نقدت عائشة رضي الله عنها هذا المتن استنادا إلى قوله تعالى (ولاتزر وازرة وزر أخرى)، وبغض النظر عن صحة اعتراض عائشة رضي الله عنها من عدمه فقد اختلف فيه العلماء إلا أنَّه دليل صريح على موضوعنا وهو اعتماد المحدثين وعلى رأسهم الصحابة على القرآن الكريم في نقد بعض المرويات.

المثال الرابع: حديث عمرو بن دينار، قال: قلت لجابر بن عبد الله إنهم يزعمون أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم “نهى عن لحوم الحمر الأهلية يوم خيبر” قال: قد كان يقول ذلك الحكم بن عمرو، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن أبى ذلك البحر يعني ابن عباس رضي الله عنهما، وقرأ {قل لا أجد فيما أوحي إلى محرما} الآية”[12] ، ويتضح من خلال النص أن ابن عباس رضي الله عنه صدر منه نقد للمتن لاعتبار هذه الآية، وأيضًا نحن لا نبحث عن ترجيح المسألة وإنما يكفينا الإشارة إلى النقد الصادر من الصحابي الكريم.

وبالتالي فمقاييس الصحابة كانت واضحة في عرض الحديث على القرآن الكريم ، فإذا كان التعارض حقيقيا لا يمكن معه الجمع ولا النسخ، يعرضوا على الحديث ولا يأخذون به، ولا يعني أنه مكذوب، ربما كان التعارض منشؤه عدم الضبط أو النسيان ، أو تغيير اللفظ….

  • المطلب الثاني: مقياس عرض السنة على بعضها البعض .

يقول مسفر الدميني: “وإذا كان منهجهم في عرض الأحاديث على القرآن متسمًا بالوضوح لاتفاقهم على حكم القرآن ووثوقهم به، إلا أن منهجهم في عرض متون الأحاديث بعضها على بعض لم يكن بذلك القدر، فقد كانت لهم كثير من المناقشات حول بعض الأحكام، واختلاف في وجهات النظر، وتعدد في طرق الاستدلال من الكتاب والسنة، وقليل من تلك المسائل هو الذي أصدروا فيه الحكم الفصل وقبل به الجميع”[13].. وقد حاول الدميني استنباط أربع طرق للترجيح عند تعارض الحديث ببعضه منها:

  • سؤال المختص عن السنة وقبول قوله:

مثال ذلك: مسائل الحيض والجماع وغير ذلك مما يتعلق بالرجل والمرأة في البيت، فأتقن الناس لهذه المسائل أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا جاء حديث عن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم يتعلق بالبيت وجاء آخر عن صحابي واختلفا، فالترجيح هنا سيكون لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم، لأنهم أهل الاختصاص.

المثال الأول: اختلف الصحابة في الصائم إذا أصبح جنباً هل يصوم رمضان أو لا يصوم؟  فأبو هريرة روى عن الفضل بن عباس: (أن الجنب لا صوم له) فلما سمع التابعي عبد الرحمن بن الحارث من أبي هريرة هذا الحديث تعجب من هذا الحكم، فذهب إلى عائشة وإلى أم سلمة، فسألهما: (هل النبي صلى الله عليه وسلم كان يصبح جنباً فيبقى على صومه؟ فقالتا: اللهم نعم، فرجع إلى أبي هريرة فقال: يا أبا هريرة! إن عائشة وأم سلمة قالتا: إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصبح جنباً فيتم صومه، فقال أبو هريرة: حدثني بذلك الفضل بن عباس)، فإذا قالت أم سلمة وعائشة ذلك فالقول قولهما؛ وذلك لأنهما تختصان بهذا العلم.

  • معاضدة أحد الحديثين برواية من روايات أخرى .

 وهذا وجه من أوجه الترجيح كان يأخذ به الصحابة عند الاختلاف، ففي عصر الصحابة مثلاً ننظر هل وافق هذا الراوي غيره؟ مثلاً: لو خالف ابن عباس علي بن أبي طالب فهنا ننظر هل وافق علي بن أبي طالب أحد، فإذا وجدنا أن أكثر من رواه قد وافق علياً فنقول: ضبط علي ووهم ابن عباس.

المثال الأول:  أتباع الجنازة:

ففي الحديث الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من شهد الجنازة حتى يصلي عليها فله قيراط، ومن شهدها حتى تدفن فله قيراطان) فالذين سمعوا الحديث من أبي هريرة جاءوا إلى ابن عمر فقالوا: يا ابن عمر: أما رأيت ما قال أبو هريرة؟ قال: ما قال؟ فأخبروه بما قال، فقال ابن عمر: أكثر علينا أبو هريرة، يعني: كأنه يقول: إن أبا هريرة يوهم من حديث النبي صلى الله عليه وسلم، لكنه يعلم أن أبا هريرة من الثقة بمكان، وقد أنزل الله عدالته من فوق سبع سماوات، وهو أروى الناس عن رسول الله، فقال ابن عمر: (اسألوا غيري فسأل عائشة وسأل غيرها: هل قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من اتبع جنازة حتى تدفن فله قيراطان من الأجر؟ قالت: صدق أبو هريرة فيما قاله، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك) فقال ابن عمر لقد فرطنا في قرارات كثيرة، فهذه دلالة على إتقان الصحابي الذي يوافقه آخرون من الصحابة في الرواية، ووهم من لم يوافقه غيره.

المثال الثاني:

عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إذا استأذَنَ أحدُكمْ ثلاثًا فلمْ يُؤذَنْ لهُ، فلْيرجِعْ”، وعن ‌أبي سعيد الخُدْرِيِّ قال كنت في حلْقة من حِلَق الأنصار، فجاءنا أبو موسي كأنه مذعور، فقال: إن عمر أمرني أن آتيه، فاستأذنت ثلاثًا فلم يُؤذن لي، فرجعت وقد قال ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إذا استأذَنَ أحدُكمْ ثلاثًا فلمْ يُؤذَنْ لهُ فلْيرجِعْ”، فقال: لَتجِيئَن بِبَيِّنَةٍ على الذي تقول وإلا أوجعتك، فقال: أسْتَشْهِدُكم، فقال أُبيَّ بن كعب: والله لا يقوم معك إلا أصغر القوم، فكنتُ أصغر القوم، فقمتُ معه فأخبرت عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ذلك”[14].

وهنا يتضح لنا طلب عمر باتيان بمن يؤكد قول ابي موسى، ليؤكد للناس على أن الصحابة شديد الحرص على الحفاظ على سنة الرسول صلى الله عليه وسلم ، فرغم صدقهم وعدم معرفتهم للكذب لكن لكي يسدوا الباب على من يأتي من بعدهم ، يطالبوا بالتثبت وبمعاضدة أقوال بعضهم للبعض….

  • تقديم صاحب القصة.

فصاحب القصة يقدم على غيره ممن يحكون القصة، فقد جاء عن أبي رافع قال: (كنت السفير بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين ميمونة، وقد تزوجها حلالاً وبنى بها حلالاً) فكأنه يقول لـ ابن عباس: أنت لم تحضر القصة، بل أنا السفير والوكيل، فأنا أتقن منك وأنت قد وهمت في ذلك؛ لأن ابن عباس قال: (تزوجها وهو محرم).

ومتاله: قطع الحمار والمرأة والكلب للصلاة إذا مروا بين يدي المصلي، فقد جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: أن المرأة والحمار والكلب الأسود إذا مروا أمام المصلي تُقطع بهم الصلاة، فلما سمعت عائشة ذلك قالت: أشبهتمونا بالكلاب والحمير؟ والله لقد كنت معترضة بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين قبلته وهو يصلي، فإن أراد أن يسجد غمزني في رجلي) فكأنها تقول: أنا صاحبة القصة وأنا التي حدث معها هذا الأمر، فقد كنت أنام معترضة بين النبي وبين القبلة فكيف تقولون: إن المرأة لو مرت تبطل الصلاة؟ …

  • مسألة تعدد المجالس واختلاف الروايات:

إذا أثبتنا أن المجالس متعددة فإننا نجمع بين هذه الروايات التي وردت في المجالس، مثال ذلك في المخالفة أو في تعدد القصة: (أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج إلى ذي الحليفة فصلى وبعد الصلاة أحرم النبي صلى الله عليه وسلم وأهل بالحج والعمرة).

وفي رواية أخرى: (أن النبي صلى الله عليه وسلم استوى على ناقته، فلما استوى على ناقته قال: لبيك اللهم بحج أو بعمرة)، في الرواية الأولى أن النبي صلى الله عليه وسلم أهل بالحج بعد السلام، والرواية الثانية فيها أن النبي صلى الله عليه وسلم أهل بعدما استوى على ناقته، وهناك رواية ثالثة: (أهل النبي صلى الله عليه وسلم بعدما علا شرف البيداء) فعندنا ثلاث روايات، فأي هذه الروايات تكون أصح؟ قال بعض العلماء: الرواية الثالثة هي الأيسر والرواية الأولى هي الأصح، فجاء ابن عباس ورسم لنا طريقاً واضحاً فقال: لا مخالفة بين الروايات الثلاث: فالذين رووا القصة الأولى ثقات أثبات فلا نوهمهم، والذين رووا القصة الثانية ثقات أثبات فلا نوهمهم، والذين رووا القصة الثالثة ثقات أثبات فلا نوهمهم، ثم قال ابن عباس: في هذه الحالة نقول: لا نوهم الرواة الثقات ونجمع بينهم بأن النبي صلى الله عليه وسلم فعل هذا وفعل هذا وفعل هذا، وهذا الفعل منه صلى الله عليه وسلم من أجل التيسير على الناس، إذ إن هذه الشريعة السمحاء ما جاءت إلا بالتيسير على الناس، فكأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: أريد أن أييسر عليكم، لكن من أراد الفضل فإن الفضل كل الفضل والكمال كل الكمال أن تحرم بعدما تسلم في المسجد، لكن إن كنت لم تقلم أظافرك ولم تستعمل السواك كما استعمل النبي صلى الله عليه وسلم فلك أن تؤخر الإحرام حتى تستوي على الناقة، وهناك تيسير أكبر أن تحرم وأنت على البيداء، فكان هذا تيسير على الأمة، وكان هذا جمعاً لطيفاً من ابن عباس… فهناك قاعدة عند أهل الحديث وهي: إعمال الأحاديث أولى من إهمال أحدها،

  • المطلب الثالث: مقياس النظر العقلي في نقد الحديث .

من المقاييس المهمة التي استعملها الصحابة النظر العقلي قد وردت أحاديث كثيرة انتقدها بعض الصحابة رضوان الله عليهم بالنظر العقلي، وينبغي أن يعلم أن ذلك ليس لمجرد النظر العقلي وإنما يعضد ذلك الدليلُ النقلي الثابت عند الصحابي، فيبرز الانتقاد العقلي لما استقر عنده من الدليل النقلي، فالمعارضة العقلية لدى الصحابة موجودة في نقد المتون لكنها تبع لثبوت نصوص معارضة عندهم فيعضدون ذلك بالنظر العقلي.

فالأمر أن النظر العقلي كان موجودًا عند المحدثين، وأعملوه بالتوافق مع نقد السند، يقول الخطيب البغدادي: “والأخبار كلها على ثلاثة أضرب؛ فضرب منها يعلم صحته، وضرب منها يعلم فساده، وضرب منها لا سبيل إلى العلم بكونه على واحد من الأمرين دون الآخر… وأما الضرب الثاني، وهو ما يعلم فساده فالطريق إلى معرفته أن يكون مما تدفع العقول صحته بموضوعها”[15].

المثال الأول: حديثُ أبي هريرة رضي الله عنه، أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: “الوضوءُ ممَّا مسَّت النَّار، ولو من ثورٍ أقط”، فقال لهُ ابن عباس رضي الله عنه: يا أبا هريرة، أنتوضأ من الدهن؟ أنتوضأ من الحميم؟ فقالَ أبو هريرة رضي الله عنه: يا ابن أخي، إذا سمعتَ حديثًا عن رسول الله صلى الله عليه وسلَّم فلا تضرب له مثلًا[16]، وهذه اعتراضات عقلية من الصحابة الكرام؛ لكن كما بينا وقلنا: هي لم تكن اعتراضات عقلية خالصة، وإنما هو توظيف لنصوص شرعية أخرى عارضت النص النبوي المنتقد،

 المثال الثاني: الوضوء من حمل الجنازة.

عن أبي هريرة أنه قال:” من عسل ميتا اغتسل، ومن حمله توضأ” فبلغ ذلك عائشة رضي الله عنها فقالت:” أو نجس موتى المسلمين؟ وما على رجل لو حمل عودا؟[17].وقال ابن عباس أيضا:” لا يلزمنا الوضوء من حمل عيدان يابسة”[18]، وكذلك حديث غسل النائم يده قبل إدخالها الإناء، ومسألة ولد الزنى شر الثلاثة.

فالصحابة قد عاشوا مع الرسول صلى الله عليه وسلم، وعلموا منه أكثر الأحكام، فإذا جاءهم ما يستغربون مما لم يسمعوا به من قبل ، نظروا فيه بعقولهم ونقدوه نقدا مبنيا على علمهم بالأحكام التي سنها الرسول صلى الله عليه وسلم…

خاتمة

منهج الصحابة في نقد الحديث يعتمد على تثبتهم في الإسناد الى النبي وصحت نسبة اللفظ أو المعنى إليه، فلا يقبلون من أحد  رواية إلا إذا علموا صحتها وصدقها ، لذلك وضعوا مقاييس لنقد  السنة منها ، عرض السنة على القرآن الكريم و الجمع بين الأحاديث المختلفة وحملها على تعدد الواقعة واختلاف زمن كل واحدة على أخري، كما يحاولون التوفيق بين الروايات المختلفة ،ومنها تقديم صاحب الاختصاص كنسائه عليه الصلاة والسلام خصوصا في المسائل الخاصة، كما يبرز دور المرأة جليا في الفقه والاجتهاد من خلال هذه الدراسة يتضح تميز السيدة عائشة رضي الله عنها باجتهادات متعددة في نقد بعض الأحاديث وتوجيهها حتى تتوافق مع النصوص الأخرى ويذهب الخلاف.

فهذه المقاييس كانت قاعدة أساسية سار عليها فيما بعد المحدثون والفقهاء في التعامل مع سنة الرسول صلى الله عليه وسلم وحمايتها من كل تحريف أو تأويل فاسد .

وآخر دعونا أن الحمد لله رب العالمين.


[1] – صحيح مسلم، كتاب الزهد والرقاق، باب التثبت في الحديث، 4/2298.

[2] – تقييد العلم للخطيب البغدادي ص 32/33.

[3]  – المرجع السابق، ص 74.

[4] – صحيح البخاري ، كتاب العلم ، باب كتابة العلم ،1/39.

[5]  – نفس المرجع السابق ص ، 67 .

[6]  – https://samela.ws/book/37698/4#p2

[7] –  أخرجه مسلم في صحيحه برقم (1480).

[8]– أخرجه الإمام أحمد في مسنده برقم (8098)

[9] – شرح مشكل الآثار (2/ 367).

[10] –  الإجابة لما استدركته عائشة على الصحابة (120).

[11] – أخرجه مسلم برقم (927).

[12] – أخرجه الحاكم في مستدركه برقم (3236).

[13] – مقاييس نقد متون السنة (94).

[14] – المسند والفتح حـ 17 ص 345 (باب الاستئذان ثلاث مرات، فإن لم يؤذن له فليرجع).

[15] – الكفاية في علم الرواية للخطيب البغدادي (ص: 17)

[16] – أخرجه الترمذي (79) .

[17] – الإجابة ص 121/122.

[18]  – الاتجاهات الفقهية ومصادره، ص 151.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.