العمل الاجتماعي في الإسلام
مقاصده وشروطه
الدكتور عبد اللطيف بن رحو
جامعة محمد الأول
وجدة
مقــدمة
إن العمل الاجتماعي قائم على أساس فعل الخير والبر والإحسان والتكافل بين أفراد المجتمع ومواساتهم وخفض جناح الرحمة والمودة لهم. فهو شعبة من شعب المصلحة الحاجية الجليلة، لما له من الأثر الواسع في النفوس، وأيضا أثر الإيمان العظيم في قلوب المسلمين قصد صلاحها وتطهيرها من البخل ومنع ما أوجبه الله تبارك وتعالى في الانفاق.
والشريعة الغراء أرخت بظلالها في مجال العمل الاجتماعي، بل حثت على الإكثار من أعمال الخير وتنويعه، لما فيه من إقامة مصالح المسلمين العامة والخاصة، وأوجبت للمتبرعين ثوابا عظيما حتى بعد موتهم.
فالعمل الاجتماعي هو إعمال في سبيل الله يمتد أثره ويدوم في أي أمر من أمور الخير والإحسان والنفع العام، الذي يقصد به أجر الله تعالى وثوابه المستمر والذي لا يزال صداه ممتدا إلى يومنا.
فالحديث عن العمل الاجتماعي في الإسلام حديث هام، فقد التمست فيه الحلول والمعالجات لمشكلاتها الاقتصادية والاجتماعية. فالتحمت السلطة مع رعيتها في إقرار العمل الاجتماعي الخيري، واعتباره مجالا تنبعث منه روح الحضارة الإسلامية التي اكتسبت ثقافة واسعة ونمطا فكريا في مجال الإحسان والبر والخير وتكريس أهميته في الحياة الاجتماعية.
المطلب الأول: مقاصد العمل الاجتماعي
مقصود الشريعة الإسلامية الأعظم من العمل الاجتماعي، هو إقامة مصالح المستضعفين وقضاء حوائجهم ورفع ضرر الحاجة عن الفقير والمسكين والمعوز التي لا تستقيم حياتهم العادية إلا بتمامها، ولا يبلغ هذا المقصد تمامه، إلا إذا كان الإنفاق بصورة صحيحة ودائمة وعامة.
يقول الشيخ الطاهر بن عاشور: “مقصد الشريعة الإسلامية من الإنفاق إقامة مصالح ضعفاء المسلمين ولا يحصل منه مقدار له بال إلا بتعميمه ودوامه لتستمر منه مقادير متماثلة في سائر الأوقات وإنما يحصل التعميم والدوام بالإنفاق عن الفاصل عن حاجات المنفقين فحينئذ لا يشق عليهم فلا يتركه واحد منهم، ولا يبخلون به في وقت من أوقاتهم، وهذه حكمة بالغة وأصل اقتصادي عمراني.””1
- الفرع الأول: التقرب إلى الله عز وجل
قال تعالى: ﴿الَّذِين َيُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَن ِالنَّاسِ وَاللَّهُ يُحِب ُّالْمُحْسِنِينَ﴾. [سورة آل عمران الآية:134]
وهذه الجملة من صفات أهل قرب النوافل، وقد ذكرها الله تعالى لنا وختم ذكرهم بأنه سبحانه يحب المحسنين لأنهم محسنون العبادة لله تعالى، ومحسنون المعاملة مع عباد الله تعالى. ومن هنا تعلم فصل فاعل الخيرات والمَبَرات، والمتطوع بماله فيما يرضى الله تعالى وأنه في أعلى المنازل.2
والله تعالى رغب في الصدقات وحث عليها، وأيضا حث على وجوه البر والاحسان والتبرعات ودعا إليها لأجل التقرب إليه تبارك وتعالى لما فيها من مصالح عامة وخاصة.
جاء في كتاب الموطأ للإمام مالك رحمه الله باب سماه باب الترغيب في الصدقات علق عليه أبو بكر بن العربي فقال: “جاء مالك رحمه الله في هذه الترجمة بفائدة عظيمة أخرجها بها من أبواب الأحكام إلى أبواب الفضائل، نبه بها على فضل الصدقة وشرفها، وهي تشرف بوجوه كثيرة.3
قال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنَ اَعْط۪يٰ وَاتَّق۪يٰ وَصَدَّقَ بِالْحُسْن۪يٰ فَسَنُيَسِّرُهُۥ لِلْيُسْر۪يٰۖ وَأَمَّا مَنۢ بَخِلَ وَاسْتَغْن۪يٰ وَكَذَّبَ بِالْحُسْن۪يٰ فَسَنُيَسِّرُهُۥ لِلْعُسْر۪يٰۖ﴾ [سور الليل الآيات: 5-6-7-8-9-10]
قال الماوردي فيما يرويه عن ابن العباس رضي الله عنهما أنه قال: يعني من أعطى فيما أمر واتقى فيما حظر وصدق بالحسنى يعني بالخلف من عطائه فعند هذا قال ابن عباس رضي الله عنهما لسادات الناس: في الدنيا الأسخياء وفي الآخرة الأتقياء. وقيل في منثور الحكم: الجود عن الموجود. وقيل في المثل: سؤدد بلا جود كملك بلا جنود. وقال بعض الأدباء: من جاد ساد ومن أضعف ازداد. وقال بعض الفصحاء: خير الأموال ما استرق حراً وخير الأعمال ما استحق شكراً.4
الفرع الثاني: الثواب ودوام المنفعة
إن العمل الاجتماعي بكل أنواعه الخيرية أمر مطلوب، فقد جعلت الشريعة الإسلامية التصرفات المتعلقة بها من الأعمال التي لا ينقطع ثوابها بعد الموت ويعود نفعها على أفراد المجتمع. يقول النبي ﷺ: ” إذا مات العبد انقطع عنه عمله إلا من ثلاث صدقة جارية، وعلم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له.”5
علق الطاهر بن عاشور على الحديث النبوي قائلا: “التكثير منها فيما لها من المصالح العامة والخاصة. وإذا كان شح النفس حائلا دون تحصيل كثير منها، دلت أدلة الشريعة على الترغيب فيها، فجعلت من العمل غير المنقطع ثوابه بعد الموت. ثم اشترطت الشريعة أن تكون التبرعات صادرة عن طيب نفس لا يخالجه تردد، لأنها من المعروف والسخاء، ولأن فيها إخراج جزء من المال المحبوب بدون عوض يخلفه. فتمحّص أن يكون قصد المتبرع النفع العام والثواب الجزيل.”6
ومن الصدقات الجارية والأوقاف التي كانت في زمن الرسول ﷺ كصدقة عمر رضي الله عنه وقد أشار عليه بها وكذلك صدقة أبي طلحة الأنصاري فإنها أيضا بإشارة منه ﷺ. وصدقة عثمان رضي الله عنه ببئر رومة 7 قالﷺ:”من يشتري بئر رومة فيكون دلوه فيها كدلاء المسلمين؟ فاشتراها عثمان رضي الله عنه” 8 وتصدق بها على المسلمين. وتصدق سعد بن عبادة بمخراف له عن أمه بعد وفاتها. وكانت هذه الصدقات أوقافا ينتفع المسلمون بثمراتها على تفصيل في شروطها.”9
الفرع الثالث: رعاية مصلحة ضعفاء المسلمين
إن مقصود الشريعة الإسلامية من العمل الاجتماعي هو رعاية مصالح ضعفاء المسلمين والسعي على قضاء حوائجهم، ولا يكتمل هذا المقصد إلا إذا كان الإنفاق بشكل دائم ومستمر.
ومن أجل هذا المقصد جعل الله عز وجل بعض وجوه الانفاق أمرا واجبا في حق أصحاب المال لإنفاقها على المحتاجين والمعوزين والفقراء والمساكين، فكانت من باب الواجبات كالزكاة والكفارات والنذور وغيرها من الواجبات.
قال العز بن عبد السلام: “وأما أخذهم الزكوات، فإن صرفوها في مصاريفها أجزأت لما ذكرناه، وإن صرفوها في غير مصاريفها لم يبرأ الأغنياء منها على المختار، لما في إجزائها من ضرر الفقراء، بخلاف سائر المصالح التي لا معارض لها، فإنها إنما نفذت لتمحضها، وأما هنا فالقول بأجزاء أخذها نافع للأغنياء مضر بالفقراء، ودفع المفسدة عن الفقراء أولى من دفع المفسدة عن الأغنياء. وإن شئت قلت: لأن مصالح الفقراء أولى من مصالح الأغنياء، لأنهم يتضررون بعدم نصيبهم من الزكوات، ما لا يتضرر به الأغنياء من تثنية الزكاة.””10
الفرع الرابع: غرس قيم الأخوة بين المسلمين
جعل الإسلام المجتمع كالأسرة الواحدة يكفل بعضهم بعضا، بل كالجسد الواحد إذا اشتكى بعضه اشتكى كله. فمن حق الفقير الذي لا يستطيع أن يعمل، أو يستطيع ولا يجد عملا، أو يعمل ولا يجد كفايته من عمله، أو يجد ولكن حَلَّ به من الأحداث ما أفقره إلى المعونة… من حقه أن يعان ويشد أزره ويؤخذ بيده. وليس من الإيمان ولا من الإنسانية أن يشبع بعض الناس حتى يشكو التخمة، وإلى جواره من طال حرمانه حتى أَنَّ من الجوع.
ولا يجوز للمؤمن أن يعيش في دائرة نفسه مغفلا واجبه نحو الآخرين من ضعفاء المساكين، فهذا نقص في إيمانه، موجب لسخط الله في الدنيا والآخرة.11
قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [سورة الحجرات. الآية:10]
فكل عمل اجتماعي في هذا المقصد يعده الإسلام عبادة من أفضل العبادات مادام قصد فاعله الخير لا تصيد الثناء واكتساب السمعة الزائفة عند الناس. كل عمل يمسح به الإنسان دمعة محزون، أو يخفف به كربة مكروب، أو يضمد جراح منكوب، أو يسد به رمق محروم، أو يشد به أزر مظلوم، أو يقيل به عثرة مغلوب، أو يقضي به دين غارم مثقل، أو يأخذ بيد فقير متعفف ذي عيال، أو يهدي حائراً، أو يعلم جاهلا، أو يؤوي غريبا، أو يدفع شر مخلوق أو أذى عن طريق، أو يسوق نفعا إلى ذي كبد رطب، فهو عبادة وقربة إلى الله إذا صحت فيه النية.
أعمال كثيرة من هذا النوع جعلها الإسلام من عبادة الرحمان وشعب الإيمان، وموجبات الثوبة عند الله.12
فالمؤمنون يتولى بعضهم شؤون بعض، لا فضل في الولاية لأحد على الآخر، ولا حد في هذه الولاية. والولاية المتبادلة تعني التكافل الاجتماعي حتى لا يعيش فقير في مجتمع المؤمنين-وقد نظم الله ذلك في عديد الآيات –وتعني التضامن في السراء والضراء حتى لا يعيش أحد وحيدا في أزمته ومشاكله. ونعني مساعدة القادر للعاجز في كل ما تتطلبه المساعدة كما يفعل ولي الطفل أو اليتيم. والخلاصة أن المؤمنين يجب أن يعتبروا أنفسهم أولياء بعضهم لبعض بكل ما تحمله كلمة الولاية من معنى.13
الفرع الخامس: التعاون على عمل الخير والبر والاحسان
من مقاصد العمل الاجتماعي أيضا إيجاب التعاون عليه، فالمرء قليل بنفسه كثير بإخوانه وأعوانه، وما لا يستطيعه الفرد تستطيعه الجماعة.14
ومن هنا قوله تعالى﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَي اَ۬لْبِرِّ وَالتَّقْو۪يٰۖ وَلَا تَعَاوَنُواْ عَلَي اَ۬لِاثْمِ وَالْعُدْوَٰنِۖ﴾ [سورة المائدة الآية: 3]
يقول النبي ﷺ:” المُؤمِنُ للمُؤمِنِ كالبنيان يشد بعضه بعضا، وشبك بين أصابعه “.15
فالتعاون على البر والتقوى والاحسان هو أمر لكل جماعة أن تتعاون على الخير.16
يقول الطوسي: “وقوله ﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَي اَ۬لْبِرِّ وَالتَّقْو۪يٰۖ وَلَا تَعَاوَنُواْ عَلَي اَ۬لِاثْمِ وَالْعُدْوَٰنِۖ﴾[سورة المائدة الآية: 3] ليس بعطف على أن تعتدوا، فيكون في موضع نصب، بل هو استئناف كلام أمر الله تعالى الخلق بأن يعين بعضهم بعضا على البر وهو العمل بما أمرهم الله به.”17
ومقصد الآية أنها اشتملت على جميع مصالح العباد في معاشهم ومعادهم، فيما بينهم في بعضهم بعضا، وفيما بينهم وبين ربهم، فإن كل عبدٍ لا ينفك من هاتين الحالتين وهذين الواجبين: واجب بينه وبين الله، وواجب بينه وبين الخلق. فأما بينه وبين الخلق من المعاشرة والمعاونة والمحبة، فالواجب عليه فيها أن يكون اجتماعه بهم وصحبته لهم تعاونا على مرضاة الله وطاعته، التي هي غاية سعادة العبد وفَلاحه، ولا سعادة له إلا بها، وهي البر والتقوى اللذان هما جماع الدين كله، والمقصودُ أن المقصودَ من اجتماع الناس وتعاشرهم التعاون على البر والتقوى، فيُعِين كل واحد صاحبَه على ذلك علمًا وعملاً.18
فالإسلام لا يهدف فقط إلى ربط صلة الناس بالله، ولكنه يهدف كذلك إلى تقويم صلة الإنسان بالآخر، حتى يمكن أن تكون صلته بالله مدعومة بمجتمع متكامل لا صلة مفردة، كل واحد يصوغها بحسب ما تيسر له من الطاعة والامتثال.
هذا ما يؤكد لنا أن الأهمية التي منحها القرآن الكريم للعلاقات بين الناس ليست فقط لإصلاح ذات البين، أو لتهذيب نزعات الانحراف في هذا الشخص أو ذاك، ولكن كذلك لخلق كيان إنساني عام هو المجتمع يتعامل مع الله كمجتمع متضامن سائر في طريق الخير.19
ويقول القرطبي: “والتعاون على البر والتقوى يكون بوجوده، فواجب على العالم أن يعين الناس بعلمه، فيعلمهم ويعينهم، والغني بماله، والشجاع بشجاعته في سبيل الله، وأن يكون المسلمون متظاهرين باليد الواحدة.”20
الفرع السادس: الاهتمام بالعلم وطلابه
الإسلام في صميمه واجهة علمية جاء ليكمل نقصا في الإنسانية، وفي الإنسان ليخرجه من ظلمات الجهل إلى نور العلم.
فالعلماء وطلبة العلم هم أحق بل أَولَى الناس بالبدل والعطاء والانفاق عليهم، لأنهم سخروا أنفسهم للعلم وطلبه، فمن باب الأولويات نفع هذه الفئة حتى يتسنى لهذه الأمة أن تنهض بالعلم وتكتسح الجهل وتنفتح العقول والقلوب لتصل إلى الإدراك والمعرفة.
يقول ابن عبد البر فيما يرويه عن وكيع أنه قال: “سمعت سفيان الثوري يقول: لا أعلم من العبادة شيئا أفضل من أن يُعَلِّم الناس العلم.”21
فعن أبي هارون العبدي، قال: كنا نأتي أبا سعيد فيقول: مرحبا بوصية رسول الله ﷺ، إن رسول الله ﷺ قال:” إن الناس لكم تبع، وإن رجالا يأتونكم من أقطار الأرض يتفقهون في الدين، فإذا أتوكم فاسْتَوْصُوا بهم خيراً”. 22
قال ابن القيم الجوزية:” إن النبي ﷺ أوصى بطلبة العلم خيرا وما ذاك إلا لفضل مطلوب هم وشرفه.””23
وذكر صاحب الرد المحتار فقال: “إن طالب العلم يجوز له أخذ الزكاة ولو غنيا إذا فرغ نفسه لإفادة العلم.””24
وبذلك تكون كفالة طالب العلم من أعمال الخير العظيمة، التي لا يمكن أن تخفى على أهل الخير والمحسنين، فطالب العلم يحتاج إلى رعاية خاصة فهو مؤهل لحمل لواء العلم والعلماء والأكثر من ذلك النهوض بالأمة وخدمتها بالعلم. فوجب انصافهم في هذا الباب.
وطالب العلم إذا تفرغ لطلب علم نافع، وتعذر الجمع بين الكسب وطلب العلم، فإنه يعطى من الزكاة قدر ما يعينه على أداء مهنته، وما يشبع حاجاته ومنها كتب العلم التي لابد منها لمصلحة دينه ودنياه. وإنما أعطي طالب العلم لأنه يقوم بفرض كفاية، ولأن فائدة علمه ليست مقصورة عليه بل هي لمجموع الأمة. فمن حقه أن يعان من مال الزكاة، لأنها لأحد رجلين: إما أن يحتاج من المسلمين، أو لمن يحتاج إليه المسلمون، وهذا قد جمع بين الأمرين.25
وأشار الشيخ الطاهر بن عاشور إلى مقاصد الصدقة والهبة والعارية والحبس، التي تعود بالنفع لأصحاب الاحتياج وذكر منهم طلبة العلم. يقول الشيخ في كتابه مقاصد الشريعة: “كما يعطى لطلبة العلم والفقراء وأهل الخير والعبادة وإقامة الحصون وسد الثغور وتجهيز الجيوش ومداواة المرضى. فهذه تبتدئ ابتداء شبيها بالقربات، يدفع المرء إليها حُبَّه للخير وسخاء نفسه بالفضل.””26
المطلب الثاني: شروط العمل الاجتماعي
الفرع الأول: الإخلاص وصدق النية
الإخلاص قيل فيه: إفراد الحق سبحانه في الطاعة بالقصد، وهو أن يريد بطاعته التقرب إلى الله سبحانه دون أي شيء آخر، من تصنع لمخلوق أو اكتساب محمدة عند الناس، أو محبة مدح من الخلق، أو معنى من معاني سوى التقرب إلى الله تعالى.27
في هذا الباب يقول عز وجــــل: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [سورة البينة الآية: 5]
يقول القرطبي: “هذا دليل على وجوب النية في العبادات، فإن الإخلاص من عمل القلب، وهو أن يراد به وجه الله تعالى لا غيره.”28
ومن منازل الاخلاص ما ذكره ابن القيم الجوزية عن الفضيل بن عياض فقال: هو أخلصه وأصوبه. قالوا يا أبا علي، ما أخلصه وما أصوبه؟ فقال: إن العمل إذا كان خالصا، ولم يكن صوابا، لم يقبل، وإذا كان صوابا ولم يكن خالصا: لم يقبل، حتى يكون خالصا صوابا، والخالص: أن يكون لله، والصواب أن يكون على السنة. فالإخلاص القصد والعمل لله. والإحسان فيه متابعة رسوله وسنته.29
عن العلاء بن عبد الرحمان بن يعقوب عن أبيه، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ. قال الله تبارك وتعالى:”” أنا أغنى الشركاء عن الشرك. من عمل عملا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه.”30
والعمل إذا لم يكن خالصا لوجه الله تعالى بل امتزج به شوب من الرياء أو حظوظ النفس فقد اختلف الناس في أن ذلك هل يقتضي ثوابا أو يقتضي عقابا أم لا يقتضي شيئا أصلا فلا يكون له ولا عليه أما الذي لم يرد به إلا الرياء فهو عليه قطعا وهو سبب المقت والعقاب، وأما الخالص لوجه الله تعالى فهو سبب الثواب وإنما النظر في المشوب، وظاهر الأخبار تدل على أنه لا ثواب له.31
وقد تنوعت وتعددت عبارات الإخلاص فقيل عنه هو إفراد الحق سبحانه بالقصد والطاعة وقيل تصفية الفعل عن ملاحظة المخلوقين، وقيل التوقي من ملاحظة الخلق حتى عن نفسك. والصدق التنقي عن مطالعة النفس، فالمخلص لا رياء له، والصادق لا إعجاب له. ولا يتم الإخلاص إلا بالصدق ولا صدق إلا بالإخلاص وقيل الإخلاص استواء أعمال العبد في الظاهر والباطن. والصدق في الإخلاص: أن يكون باطنه أعمر من ظاهره.32
والنية الصالحة هي أول العمل الصالح، وأول العطاء من الله تعالى وهو مكان الجزاء إنما يكون للعبد من ثواب الأعمال على حسب ما يهب الله له من النيات، فربّما اتفق في العمل الواحد نيات كثيرة على مقدار ما يحتمل العبد من النية، وعلى مقدار علم العامل، فيكون له بنية حسنة، ثم يضاعف كل حسنة عشرة أمثالها، لأنها أعمال تجتمع في العمل. وصورة النية معنيان، أحدهما: صحة القلب إلى العمل بحسن التيقظ فيه، والإخلاص به لوجه الله تعالى، ابتغاء ما عنده من الأجر. قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: “”أفضل الأعمال أداء ما افترضه الله تعالى، والورع عما حرم الله تعالى، وصدق النية فيما عند الله عز وجل.””33
والصدق في النية والقصد يستلزم إخلاص النية لله عز وجل في الدعوة وكل طاعة وقربة، فلا يدعو لطلب جاه ولا محمدة ولا وجاهة، ومتى دخل شيء من هذه الشوائب النية خرج الإخلاص المشروط لقبول العمل، ومتى حصل الصدق في القصد وتحقق الإخلاص أثمر ذلك عزيمة صادقة وإرادة ماضية، فلا يتوانى الداعي الصادق عن المضي في إيصال الحق والخير للناس يبتغي يذلك وجه الله والدار الآخرة، يتعلم ويعلم، ويتوخى الحق والصدق أينهما كان.34
الفرع الثاني: حسن الخلق
حسن الخلق معناه سلامة النفس نحو الأرفق الأحمد من الأفعال، وقد يكون ذلك في ذات الله تعالى وقد يكون فيما بين الناس وهو في ذات الله – عز وجل – أن يكون العبد منشرح الصدر بأوامر الله ونواهيه، يفعل ما فرض عليه طيب النفس به سلسا نحوه، وينتهي عَمَّا حرم عليه واسعا به صدره غير متضجر منه، و يرغب في نوافل الخير، و يترك كثيرا من المباح لوجه الله تعالى إذا رأى أن تركه أقرب إلى العبودية من فعله مُستَبشِراً لذلك من غير ضجر منه، ولا متعسر به، وهو في المعاملات بين الناس أن يكون سمحا بحقوقه لا يطالب غيره بها، و يوفي ما يجب لغيره عليه منها.35
يقول النبي ﷺ:”” أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا، وخيرهم خيركم لنسائهم.””36
فمن أجمل وأروع وأعظم روابط الإيمان وأعلى درجاته وأقربها لله حسن الخلق.
فدعوى الإسلام كانت و لا تزال تدعو إلى رفعة الأخلاق الحميدة والفضائل الكريمة مقصدها ابتغاء مرضاة الله عز وجل ومناطها تحقيق المحبة، بحسن الخلق الذي يتجلى في كل أعمال الخير والبر والإحسان.
ومن مميزات حسن الخلق الكرم والسخاء والبذل والجود لأفراد المجتمع، ومع سائر الخلق بصفة عامة، والمتمثل في قضاء حوائجهم ومساعدتهم واسعادهم.
الفرع الثالث: توفير الموارد المالية
إن الإسلام دعا أفراد المجتمع إلى التعاون والتكافل، بل وجعلها حقوقا على البعض من ذوي المال والغنى، فأخرج منهم حق المسكين والفقير والمعوز، فالأصل في المجتمع أن يحض المسلم بعضه بعضا على فعل الخير والبر والإحسان، وإخراج ما ألزم به الاسلام من حقوق والمتمثلة في الزكاة والصدقات والوقف والكفارات والنذور والهبات، وتبرعات الدولة إلى غير ذلك… يقول النبي ﷺ في هذا الباب:” مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد. إذا اشتكى منه عضو، تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى.”37
فالموارد المالية تعد الركيزة الأساسية للنهوض بالعمل الاجتماعي في شتى ميادينه، وعلى هذا الوجه تولى الإسلام مصادر تمويل العمل الاجتماعي وحث عليها، ومنها ما يلي:
- أولا: الزكاة
الزكاة تأتي في المقام الثالث من أركان الإسلام، أوجبها الشارع اقتضاء على ذوي المال من الأغنياء لترد على الفقراء والمساكين. فما معنى الزكاة في اللغة والاصطلاح؟
1-لغة:
الزكاة لغة: من زكا وزَكِيَ، وزكاءً. أي نما وزاد، وزكا فلان إذا صلح. فالزكاة: البركة والنماء والطهارة والصلاح وصفوة الشيء.38
وفي لسان العرب الزكاة: ما أخرجته من مَالِكَ لتطهيره به، وقد زكى المال. وقيل لما يخرج من المال للمساكين من حقوقهم زكاة لأنه تطهير للمال وتثمير وإصلاح ونماء. وقال: وأصل الزكاة في اللغة الطهارة والنماء والبركة والمدح وكله قد استعمل في القرآن والحديث.39
2-اصطلاحا:
الزكاة اسم لما يخرجه الإنسان من حق الله تعالى إلى الفقراء. وسميت زكاة لما يكون فيها من رجاء البركة، وتزكية النفس وتنميتها بالخيرات فإنها مأخوذة من الزكا وهو النماء والطهارة والبركة.40
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: “”نفس المتصدق تزكو، وماله يزكو، يطهر ويزيد في المعنى. وقد أفهم الشرع أنها شرعت للمواساة، ولا تكون المواساة إلا فيما له مال من الأموال، فحد له أنصبه، ووضعها في الأموال النامية.”” 41
الصدقة زكاة، والزكاة صدقة، يفترق الاسم ويتفق المسمى، ولا يجب على المسلم في ماله حق سواها.42
فالزكاة أمرها عظيم وفائدتها كبيرة نفعها جلي ساطع بين أفراد المجتمع، فيها يواسي الغني الفقير والمسكين، وبها يقضي الدين، وبها تبنى المساجد والدور، وتقضى المصالح، ويراعى بها اليتيم والمعوز.
وبذلك تعد الزكاة أول تشريع منظم في سبيل ضمان اجتماعي، لا يعتمد على الصدقات الفردية التطوعية، بل يقوم على المساعدات حكومية دورية منتظمة، مساعدات غايتها تحقيق الكفاية لكل محتاج: الكفاية في المطعم والملبس، والمسكن، وسائر حاجات الحياة، لنفس الشخص ولمن يعوله في غير إسراف ولا تقتير.43
ولعل خير مثال على تميز عصر الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز بالرخاء وسد حاجات المجتمع أن بيت المال لم يجد من يستحق ويأخذ من مال الزكاة لتدفع له، فلم تعد هناك فوارق اجتماعية بعد القضاء على الفقر وتزويج الشباب وقضاء الديون على المدين حتى صارت الحبوب والثمار توزع على رؤوس الجبال ليأكل الطير والوحوش.
فهذا نموذج جَلَّ به التاريخ من فضل الزكاة، فالمال هو مال الله والعباد مستخلفين فيه، فالزكاة تؤدي دور مهم في الجانب الاجتماعي والمتمثل في علاج وحل مشاكل الفقر وغيره من مشاكل المجتمع، كما تساهم في بناء المساجد والمستشفيات وبناء المركبات الاجتماعية وغيرها.
- ثانيا: الصدقات التطوعية
إن للنفس البشرية ميلا فطريا لحب الخير والمعروف لا يحده زمان ولا مكان ولا جنس ولا دين منذ بداية الإنسانية إلى يومنا هذا.
فالإسلام بما يشتمل عليه من حقائق ومضامين وتشريعات في مجال العقائد والعبادات والمعاملات فإن أحكامه مبنية على الإلزام والالتزام، فهناك أعمال مفروضة يجب الإتيان بها لتحقيق معنى العبودية، وهناك أعمال تطوعية مساندة ومكملة للأعمال الواجبة شرعت وترك أمر تحديد وقتها ومقدارها ونوعها وجهتها لضمير المسلم وما يتمتع به من وعي وإدراك وأخلاق وأريحية، تحركه لنوازع الخير، وتدفعه عوامل الشفقة على نفسه والآخرين ويحفزه شعوره بالانتماء إلى هذا المجتمع.44
وقد جاءت الآيات الكريمة في القرآن تحض على الصدقة والبر والإحسان، ولم تقتصر فقط على الزكاة يقول تعالى: ﴿لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَٰكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ﴾ [سورة البقرة الآية: 176]
وقد جاء دور الصدقات وأعمال البر التطوعي بشمولها وكثرتها وتعددها لتسد الحاجة، وتكفي المؤونة، وتحمي المجتمع من الانحرافات والجرائم. وقد فتح الله عز وجل أبوابا كثيرة لعمل البر والخير لما لها من أثر إيجابي فَعَّال على الفرد والمجتمع.
ومن أثر الصدقة التطوعية على المجتمع، إنشاء المشاريع الخيرية التي ترفع من مستوى الفقراء والمحتاجين، حل مشكلة الفقر وما يترتب عليه من آثار سلبية على المجتمع.45
وبذلك فالإسلام يربي المسلم على البذل وإن لم يطلب منه، والانفاق وإن لم يجب عليه، ويهون عليه المال والدنيا، ويحذره من الشح والبخل، ويحبب إليه الصدقة والإنفاق في السراء والضراء، بالليل والنهار، سراً وعلانية، ويعده بالخلف والفضل في الدنيا، والمثوبة عند الله في الآخرة.46
المطلب الثالث: الوقف لغة واصطلاحا
الفرع الأول: الوقف لغة
للفظ الوقف تعريفات كثيرة ومتعددة، وكلها تصب في معنى واحد. جاء في لسان العرب وقف بالمكان وقفا ووقوفا، فهو واقف، خلاف الجلوس، والجمع وُقف ووقوف، ويقال وقفت الدابة تقف وقوفا، ووقفتها أنا وقفاً. ووقَّف الدابة جعلها تقف. والوقف مصدر قولك وقفت الدابة ووقفت الكلمة وقفا، وهذا مجاوز، فإذا كان لازماً قلت وقفت وقوفا، وإذا وقّفت الرجل على الكلمة قلت: وقفته توقيفا. ووقف الأرض على المساكين وفي الصحاح للمساكين، وقفاً حبسها.47
الفرع الثاني: الوقف اصطلاحاً
أ-تعريف الحنفية للوقف:
عرفه الإمام السرخسي بقوله: “وفي الشريعة عبارة عن حبس المملوك عن التمليك من الغير.”48
عرفه ابن عابدين بقوله: “حبس العين على حكم ملك الواقف والتصدق بالمنفعة ولو في الجملة.”49
عرفه ابن همام بقوله: ” ومحاسن الوقف ظاهرة وهي الانتفاع الدّار الباقي على طبقات المحبوبين من الذرية والمحتاجين من الأحياء والموتى لما فيه من إدامة العمل الصالح.”50
ب-تعريف المالكية للوقف:
عَرف الخرشي الوقف بأنه إعطاء منفعة شيء مدة وجوده لازماً بقاؤه في ملك معطيه ولو تقديراً.51
عرفه ابن الحاجب فقال: “ولفظ وقفت يفيد التأبيد، وحبست وتصدقت إن اقترن به ما يدل من قيد أو جهة لا تَنْقَطِعُ تَأَبَّدَ.”52
وعرفهُ الشيخ خليل في باب الوقف بقوله: “صح وقف مملوك، وإن بأجْرَة، ولو حيواناً، ورقيقاَ. يقارنه التملك بحبست ووقفت، وتصدقت، إن قارنه قيد، أو جهة لا تنقطع، أو مجهول وإن حصر.”53
ج-تعريف الشافعية للوقف:
عرفه الإمام النووي بقوله: “الوقف أن يحبس عينا من أعيان ماله فيقطع تصرفه عنها، ويجعل منافعها كوجه من وجوه الخير تقربا إلى الله تعالى.”54
وعرفه ابن حجر الهيتمي بقوله: “حبس مال يمكن الانتفاع به مع بقاء عينه بقطع التصرف في رقبته على مصرف مباح.”55
وعرفه ابن الخطيب الشربيني بقوله: “الأظهر أن الملك في رقبة الموقوف ينتقل إلى الله تعالى، أي ينفك عن اختصاص الآدمي فلا يكون للواقف ولا للموقوف عليه، ومنافِعُهُ ملكٌ للموقوف عليه يستوفيها بنفسه وبغيره بإعارة وإجارة.”56
د-تعريف الحنابلة للوقف:
عَرف ابن قدامة المقدسي الوقف بأنه تحبيس الأصل، وتسبيل الثمرة.57
عرفه بهاء الدين بن إبراهيم المقدسي بقوله: “هو تحبيس الأصل وتسبيل الثمرة، ويجوز في كل عين يجوز بيعها وينتفع بها دائما مع بقاء عينها.”58
عرف الزركشي الوقف وقال: “إنه تحبيس الأصل، وتسبيل المنفعة.”59
فمن جملة هذه التعاريف المختلفة من المذاهب الأربعة، يتضح أن مفهوم الوقف ارتبط بالخير والمنفعة للمجتمع، فهناك الكثير من أعمال البر والصدقات والتبرعات التي يقوم بها الناس قصد تحقيق مناط التعاون والمساهمة في خلق حياة أفضل للمجتمع المعوز.
ويمكن اعتبار الوقف أحد عناصر التنمية الاجتماعية، فهو يقوم على عمليات تغيير اجتماعي تركز على البناء الاجتماعي ووظائفه بغرض إشباع الحاجات الاجتماعية للأفراد وتقديم الخدمات المناسبة لهم في جوانب التعليم والصحة والاسكان والتدريب المهني وتنمية المجتمعات المحلية. 60
الفرع الثالث: مشروعية الوقف
من الأدلة الناصعة على مشروعية الوقف وتأكيده في الشريعة الاسلامية، ما دلت عليه الآيات الكريمة، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾. [سورة الحج. الآية: 75]
وقوله عزوجل: ﴿وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْر فَلَن تُكْفَرُوهُۖ﴾. [سورة آل عمران. الآية: 115]
ومن أدلة مشروعية الوقف في السنة النبوية، قوله ﷺ لعمر بن الخطاب رضي الله عنه:” إن شئت حبست أصلها، وتصدقت.”61
ارتبط مفهوم الوقف بالخير والمنفعة للمجتمع، فهناك الكثير من الصدقات أو التبرعات التي يقوم بها الأفراد رعاية لشؤون الناس ومساعدتهم في مختلف مجالات الحياة.62
فهدف الوقف هو التقرب إلى الله عز وجل من خلال المشاركة في مجالات البر والخير والاحسان، ومن خلال إقامة أماكن العبادة والعلم والمبرات. وإن الوقف ليس مجرد قول يقال وإنما هو تطبيق عملي على أرض الواقع، فهو يمثل وجها مشرفا للتكافل الاجتماعي والتوجه الإنساني، وأنه يسهم في معالجة الفارق الطبقي في المجتمع.63
ومما لا ريب فيه أن الوقف كان له دوره المتميز في تغطية جانب كبير من جوانب المتطلبات الاجتماعية، وفي سد الثغرات الاقتصادية لفئات عديدة من أفراد المجتمع. فالوقف على المحرومين من الفقراء والمساكين وأبناء السبيل يغل في نفوسهم الحقد والحسد، ويبعث في قلوبهم المودة ويدفع سواعدهم إلى المشاركة في بناء المجتمع المسلم الذي لم يضن عليهم بالرعاية بلا طلب أو استجداء، وإنما يقدم لهم عوائد الأموال الموقوفة عليهم لتحقيق الحياة الكريمة لهم.
ومن هنا تبرز أهمية الوقف الخيري الذي يداوي، ويواسي، ويعاون، ويدافع عن قيم المجتمع، ويحمي بنيانه الاجتماعي من جميع الغوائل، من خلال الاهتمام بحاجات الفرد والأسرة، لأنهما اللبنة الأولى في بناء المجتمع.64
ويعد الوقف من أعمال البر التي يخلد بها الذكر الحسن وتنال بها الدرجات الرفيعة عند الله سبحانه وتعالى بناء المساجد للصلاة، والخانات لنزول أبناء السبيل والمدارس للتعليم، وسكنى الطلبة والسقايات لشرب الناس، والأحواض لشرب الدواب، والمستشفيات لمعالجة المرضى وذوي العاهات. ومن أعمال البر أيضا الوقف على هذه الوجوه لعمارتها ومرمتها ومصالحها اللازمة لها حتى تبقى صالحة لأداء الغرض المقصود منها.65
فعلى هدى النصوص والتوجيهات، انطلق أهل الفضل والاحسان يسدون الثغرات المعيشية في مجتمعهم عامة، ويلبون احتياجات إخوانهم من ذوي الفاقة والضرر خاصة، لا أقول إن ذلك كان دائما محققا للكفاية والتمام، ولكن المحبسين قد أبلوا في ذلك البلاء الحسن، وتفننوا فيه وأبدعوا.66
من هنا جاءت قوة التأثيرات الإيجابية المثمرة للأوقاف الإسلامية في المجتمعات الإسلامية، ودورها الرائد في إثراء الحضارة الإسلامية على مر العصور، وإسهاماتها الفاعلة في تنمية المجتمعات الاسلامية وبناء مؤسسات المجتمع الاقتصادية والاجتماعية والصحية والتنموية وغيرها، وتفعيل دورها في المجتمع وفي إثراء مجالات البحث العلمي والتعليم والتأليف وإنشاء المكتبات الوقفية ورعاية الجوانب الصحية من وقاية وعلاج وأبحاث طبية وإقامة المستشفيات والمصحات والمدارس الطبية ومحاربة الفقر من خلال تأهيل القادرين على العمل وسد حاجة غير القادرين.67
خــاتمة
قدم العمل الاجتماعي عبر التاريخ محطات هامة وحافلة، لعنايته الفائقة بالفئات الضعيفة والفقيرة فحرص الإسلام أن تكون أولا خالصة لوجه الله تعالى لا تشوبها شائبة الكبر والعجب، وثانيها معالجة الكثير من الظواهر التي تكون متغلغلة وسط المجتمع من فقر وهشاشة وضعف.
المصادر والمراجع
1 التحرير والتنوير للطاهر بن عاشور. ج/2. ص:351.
2 التقرب إلى الله تعالى فضله، طريقه، مراتبه لعبد الله سراج الدين الحسيني. مكتبة دار الفلاح. حلب. الطبعة:2. سنة: 1997. ص:87 – 90.
3 كتاب القبس في شرح موطأ مالك بن أنس. لأبي بكر بن العربي. تحقيق محمد عبد الله ولد كريم. دار الغرب الاسلامي. بيروت الطبعة: 1. سنة: 1992. الجزء: 3. ص:118.
4 أدب الدنيا والدين لأبي الحسن الماوردي. تحقيق محمد كريم راجح. دار اقرأ بيروت. الطبعة: 4. سنة: 1985. الصفحة: 198.
5 رواه البخاري في الأدب المفرد باب بر الوالدين بعد وفاتهما. رقم الحديث: 38. تحقيق فؤاد عبد الباقي. المطبعة الألفية ومكتبتها. القاهرة. سنة 1375 هـ. الصفحة: 21.
6 مقاصد الشريعة الإسلامية للطاهر بن عاشور. ج/3. ص: 506-509.
7 بئر رومة أو بئر عثمان، إحدى آبار المدينة المنورة سميت على اسم الصحابي الجليل رومة الغفاري الكناني من بني غفار من قبيلة كنانة، وتعرف ببئر عثمان، وهي في منطقة الزراعة. عن بشر بن بشير الأسلميّ، عن أبيه قال: لما قدم المهاجرون المدينة استنكروا الماء، وكانت لرجل من بني غفار عين يقال لها رومة. -المدينة المنورة معالم وحضارة، لمحمد السيد الوكيل، دار القلم، دمشق، الطبعة:1 سنة:1996 الصفحة:151-152.
8 رواه البخاري في صحيحه كتاب المساقاة باب في الشرب ومن رأى صدقة المال وهبته ووصيته جائزة مقسوما كان أو غير مقسوم ج/1 ص:562.
9 مقاصد الشريعة الإسلامية ج/2. ص: 434.
10 قواعد الأحكام في إصلاح الأنام لعز الدين بن عبد السلام. تحقيق نزيه كمال حماد وعثمان جمعة ضميرية. دار القلم. دمشق. (بدون رقم طبعة ولا تاريخ) الجزء: 1. الصفحة:111 -112.
11 العبادة في الإسلام ليوسف القرضاوي. مكتبة وهبة. القاهرة. الطبعة: 24. سنة: 1995. الصفحة: 268.
12 المرجع نفسه ص: 57.
13 مجتمع المؤمنين لعبد الكريم غلاب. ص: 114.
14أصول العمل الخيري في النصوص والمقاصد الشرعية ليوسف القرضاوي. ص: 29.
15 رواه البخاري في صحيحه. كتاب المظالم والغضب. باب نصر المظلوم. رقم الحديث: 2266. ج/1. ص: 588.
16تفسير الشعراوي راجعه أحمد عمر هاشم. مطابع دار أخبار اليوم. (بدون رقم طبعة ولا تاريخ) الجزء: 5. الصفحة: 2908.
17التبيان في تفسير القرآن للطوسي. تحقيق أحمد حبيب قصير. دار احياء التراث العربي. (بدون رقم طبعة ولا تاريخ) الجزء: 3. الصفحة: 427.
18الرسالة التبوكية (زاد المهاجر) لابن القيم الجوزية. تحقيق محمد عزيز شمس. دار عالم الفوائد. طبعة مجمع الفقه الإسلامـــي بجدة. الصفحـات: 4 -5 -12.
19مجتمع المؤمنين لعبد الكريم غلاب. ص: 150.
20الجامع لأحكام القرآن للقرطبي. ج/7. ص:269.
21 جامع بيان العلم وفضله. لابن عبد البر. تحقيق أبي الأشبال الزهيري. دار ابن الجوزي السعودية. الطبعة: 1. سنة: 1994. الجزء:1. الصفحة:124.
22 رواه الترمذي في الجامع الكبير أبواب العلم. باب ما جاء في الاستيصاء بمن يطلب العلم. رقم الحديث: 2650 تحقيق بشار عواد معروف. دار الغرب الاسلامي. الطبعة: 1. سنة: 1996.. الجزء: 4. الصفحة: 387 – 388.
23 مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية أهل العلم والإرادة. لابن القيم الجوزية. تحقيق علي حسن عبد الحميد الحلبي دار ابن عفان. الطبعة :1. سنة 1996. الجزء: الصفحة: 287.
24 رد المحتار على الدر المختار شرح تنوير الأبصار لابن عابدين. تحقيق: عادل أحمد عبد الموجود وعلي محمد عوض دار عالم الكتب الرياض. طبعة خاصة. سنة: 2003. الجزء :3. الصفحة: 285.
25 فقه الزكاة ليوسف القرضاوي. مؤسسة الرسالة. بيروت. الطبعة: 2. سنة: 1973. الجزء: 2. الصفحة: 560 – 561.
26 مقاصد الشريعة للطاهر بن عاشور. ج/3. ص: 506.
27 الرسالة القشيرية للإمام القشيري. تحقيق عبد الحليم محمود ومحمود بن الشريف. وطابع مؤسسة دار الشعب القاهرة. (بدون رقم طبعة) سنة: 1989. الصفحة: 390.
28 الجامع لأحكام القرآن للقرطبي. ج/22. ص: 412.
29 مدراج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين لابن القيم الجوزية. تحقيق المعتصم بالله البغدادي. دار الكتب العربي بيروت. الطبعة :7. سنة:2003. الجزء: 2. الصفحة: 88 – 89.
30 رواه مسلم في صحيحه. كتاب الزهد والرقائق باب من أشرك في عمله غير الله. رقم الحديث: 2985. ج/ 4.ص: 2289.
31 إحياء علوم الدين لأبي حامد الغزالي. دار ابن حزم بيروت. الطبعة: 1. سنة: 2005. الصفحة: 1754.
32 مدارج السالكين لابن القيم. ج/2. ص:91.
33 قوت القلوب في معاملة المحبوب. لأبي طالب المكي بن عطية. تحقيق محمد إبراهيم الرضواني. مكتبة دار التراث القاهرة. الطبعة: 1. سنة: 2001. الجزء:3 الصفحة: 1342 – 1343.
34 الخلق الحسن في ضوء الكتاب والسنة. لسعيد بن علي بن وهب القحطاني. مؤسسة الجريسي للتوزيع. الرياض (بدون رقم طبعة ولا تاريخ). الصفحة: 42.
35 الجامع لشعب الإيمان للبيهقي. تحقيق مختار أحمد الندوي. مكتبة الرشد. الطبعة: 1. سنة: 2003. الجزء:10. الصفحة: 350.
36 رواه الترمذي في الجامع الكبير. كتاب الرضاع، باب حق المرأة على زوجها. رقم الحديث: 1162. ج/2. ص:454.
37 رواه مسلم في صحيحه. كتاب البر والصلة والآداب باب تراحم المؤمنين وتعاطفهم وتعاضدهم. رقم الحديث: 2586. ج/4. ص: 1999-2000.
38 المعجم الوسيط لمجمع اللغة العربية [مادة زكا]. مكتبة الشروق الدولية. مصر. الطبعة: 4. سنة: 2004. الصفحة: 396.
39 لسان العرب لابن منظور [مادة زكا] ج/14. ص:358.
40 فقه السنة لسيد سابق. دار الفتح للإعلام العربي. القاهرة. الجزء: 1. الصفحة: 235.
41 مجموعة فتاوي ابن تيمية. تحقيق: عامر الجزار وأنور الباز. دار الوفاء. (بدون رقم طبعة ولا تاريخ) الجزء: 25. الصفحة: 8.
42 الأحكام السلطانية والولايات الدينية. للماوردي. تحقيق أحمد مبارك البغدادي. مكتبة دار ابن قتيبة. الكويت. الطبعة:1. سنة: 1989. الصفحة: 145.
43 مشكلة الفقر وكيف عالجها الإسلام. ليوسف القرضاوي. مؤسسة الرسالة. بيروت. طبعة جديدة. سنة: 1985. الصفحة: 105.
44 تنمية الموارد البشرية والمالية في المنظمات الخيرية لسليمان بن علي العلي. تقديم يوسف القرضاوي. مؤسسة أمانة تركيا. الطبعة:1. سنة:1996. الصفحة: 29-30.
45 المرجع نفسه ص:33-35.
46 دور القيم والأخلاق في الاقتصاد الإسلامي. ليوسف القرضاوي. مكتبة وهبة. القاهرة. الطبعة: 1. سنة: 1995. الصفحة: 393.
47 لسان العرب لابن منظور [مادة وقف] ج/9. ص:359.
48 المبسوط للسرخسي. دار المعرفة. بيروت. (بدون رقم طبعة) سنة: 1989. الجزء: 12. الصفحة: 27.
49رد المحتار على الدر المختار لابن عابدين. ج/6. ص:519.
50 شرح فتح القدير لابن الهمام الحنفي. تحقيق عبد الرازق غالب المهدي. دار الكتب العلمية. بيروت. الطبعة: 1. سنة: 2003. الجزء: 6. الصفحة: 186.
51 الخرشي على مختصر سيدي خليل لمحمد الخرشي أبو عبد الله. المطبعة الأميرية الكبرى. المغرب (بدون رقم طبعة) سنة 1317 هـ. الجزء: 7. الصفحة:78.
52 جامع الأمهات أو مختصر ابن الحاجب الفرعي. لابن الحاجب المالكي. تحقيق: أبو الفضل بدر العمراني. دار الكتب العلمية. بيروت. الطبعة:1. سنة: 2004. الصفحة: 288.
53 مختصر العلامة خليل. للشيخ خليل بن اسحاق. تحقيق: أحمد نصر. دار الفكر. الطبعة الأخيرة. سنة: 1981. الصفحة: 251-252.
54 كتاب المجموع شرح المهذب للنووي بتكملة الشيرازي. تحقيق محمد نجيب المطيعي. مكتبة الارشاد. جدة (بدون رقم طبعة ولا تاريخ). الجزء: 16. الصفحة: 243.
55 حواشي تحفة المحتاج بشرح المنهاج. لابن حجر الهيتمي. المكتبة التجارية الكبرى. مطبعة محمد مصطفى. مصر. (بدون رقم طبعة ولا تاريخ) الجزء: 6. الصفحة: 235.
56 مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج. لابن الخطيب الشربيني. تحقيق محمد خليل عيتاني. دار المعرفة. بيروت. الطبعة: 1. سنة: 1997. الجزء:2. الصفحة: 502.
57 المغني لابن قدامة المقدسي. تحقيق عبد الفتاح محمد الحلو وعبد الله التركي. دار عالم الكتب. الرياض. الطبعة 3. سنة: 1997. الجزء: 8. الصفحة: 184.
58 العدة شرح العمدة لبهاء الدين عبد الرحمان بن إبراهيم المقدسي. تحقيق أحمد بن علي. دار الحديث. القاهرة. (بدون رقم طبعة) سنة: 2003. الصفحة: 311.
59شرح الزركشي على مختصر الخرقي للزركشي. تحقيق عبد الله بن عبد الرحمان الجبرين. مكتبة العبيكان. الرياض. الطبعة:1. سنة: 1993.
60 الوقف ودوره في المجتمع الإسلامي المعاصر. لسيد هاني منصور. مؤسسة الرسالة ناشرون. بيروت. الطبعة:1. سنة: 2004. الصفحة:41-42.
61 رواه البخاري في صحيحه. كتاب الشروط. باب الشروط في الوقف. رقم الحديث: 2532. ج/2. ص:21.
62 الوقف ودوره في المجتمع الإسلامي المعاصر لسليم منصور. ص: 42.
63 الوقف الإسلامي بين النظرية والتطبيق لعكرمة سعيد صبري. ص: 431.
64 الوقف في الشريعة الإسلامية وأثره في تنمية المجتمع لمحمد أحمد بن صالح. مكتبة الملك فهد الوطنية. الرياض. الطبعة:1. سنة: 2001. الصفحة: 193.
65 كتاب الوقف لعبد الجليل عبد الرحمان عشوب. دار الآفاق العربية. القاهرة. الطبعة:1. سنة: 2000. الصفحة: 132.
66 الوقف الإسلامي مجالاته وأبعاده لأحمد الريسوني. دار الكلمة للنشر والتوزيع القاهرة. الطبعة: 1. سنة:2014. الصفحة: 38.
67 دور الوقف في التنمية لمجتمع الفقه الإسلامي (الهند). دار الكتب العلمية. بيروت. الطبعة: 1. سنة: 2007. الصفحة: 29-30.