قصر الصلاة في السفر
قصر الصلاة في السفر/ عبد الرحمان المالكي
قصر الصلاة في السفر
بقلم: عبد الرحمان المالكي
الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما، وبعد فإن المسلمين والمسلمات مطالبون بمعرفة أمور دينهم الشرعية حتى يعبد الله على علم وبصيرة، وفي هذا الصدد فإن مما تكثر بشأنه الأسئلة ويطرح عدة إشكالات فقهية بحكم سفر الناس الدائم والمتجدد لقضاء مصالحهم وجلب منافعهم دينا ودنيا موضوع قصر الصلاة سيما في السفر، فما المقصود بقصر الصلاة؟ وما حكمها؟ وما شروطها؟ وما النوازل التي يسأل عنها الناس والتي تصادفهم؟
أهداف الدرس:
- أن يقف المسلم والمسلمة على حكم صلاة القصر
- أن يدرك ضوابط وشروط قصر الصلاة
- أن يأخذ بهذه الرخصة في سفره
- معنى القصر: أن يصلي المسافر الرباعية ركعتين وذلك في حال الأمن.
- حكم قصر الصلاة: هو سنة مؤكدة في السفر المباح بأية وسيلة للسفر برا أو بحرا أو جوا، ودليل مشروعيته ما جاء في قوله تعالى: “وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا” سورة النساء الآية
وفي بيان هذه الآية التي تتحدث عن صلاة الخوف أثناء الحرب، أنها تستغرق كذلك حالة الأمن، ما رواه مسلم عن أبي يعلى بن أمية قال: قلت لعمر بن الخطاب: ” فليس عليكم جناح أن تقصوا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا” فقد أمن الناس؟ فقال عجبت مما عجبت منه، فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال: “صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته”.
وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: “إني صحبت النبي صلى الله عليه وسلم في السفر، فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله. وصحبت أبا بكر فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله. وصحبت عمر فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله. ثم صحبت عثمان فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله. وقد قال الله: “لقد كان لكم في رسول الله إسوة حسنة” رواه مسلم في كتاب صلاة المسافرين وقصرها.
أما روي عن سيدنا عثمان رضي الله عنه، وكذا عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنهما من إتمام الصلاة، فحتى لا يتوهم الاعراب أن الصلاة كلها حضرا وسفرا ركعتين في الرباعية، وحتى لا يذهب البعض إلى القول بوجوبها، سيما وأن القصر ليس واجب حتمي وأنه على التخيير مع القول بالسنية المؤكدة.
فقصر الصلاة سنة مؤكدة على المشهور، خلافا للبعض الذي ذهب إلى وجوبه والبعض الآخر الذي قال بإباحته أو استحبابه، وذلك ما نستفيده من خلال منطوق الآية السالفة الذكر في قوله عز وجل: (فليس عليكم جناح أن تقصروا) وقول ابن عمر رضي الله عنهما، لكن تمة شروط وجب تحققها ويلزم توفرها.
وإضافة إلى سبق بسطه من الأدلة الواردة في كتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم على قصر الصلاة، فقد أجمع علماء الأمة على مشروعيته.
شروط قصر الصلاة:
أولا: أن يكون السفر جائزا، فيحرم على العاصي بسفره القصر مثل أن يكون الخروج لقطع لطريق أو ظلم أحد من الناس أو أي ضرب من ضروب معصية المولى الكريم، وقد تكون المعصية أثناء السفر لم يخرج لها ابتداء من شرب الخمر أو الزنا، أما اللاهي بسفره كالخروج للصيد أو المتعة فيكره له القصر.
ثانيا: أن يكون السفر لمسافة أربعة برد، والبريد هو أربعة فراسخ، والفرسخ ثلاثة أميال، ومعلوم أن الميل هو كلومتر وستمائة وتسعة أمتار، فتكون مسافة القصر سبعة وسبعين كيلومتر ومائتين واثنين وثلاثين مترا، والدليل على أن مسافة القصر أربعة برد ما أخرجه البخاري معلقا في التقصير، باب في كم يقصر الصلاة: وكان ابن عمر وابن عباس يقصران ويفطران في أربعة برد وهي ستة عشر فرسخا، كما أخرجه البيهقي مسندا في الصلاة باب السفر الذي تقصر في مثله الصلاة، وقد ذهب الفقهاء إلى القول باعتبار المسافة التي تكون فيها المشقة والتكلف والمؤونة، والغالب فيها مسيرة يوم تام بليله، أما إطلاق القول بالقصر دون مسافة فهو تهاون في الدين واستخفاف بالصلاة، ناهيك على أن الضرب في الأرض يكون في مثل هذه المسافة، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: “لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة يوم وليلة ليس معها حرمة” أخرجه البخاري ومسلم، واعتبر محمد الطاهر بن عاشور وولي الله الدهلوي وغيرهما بأن اليوم والليلة هو الذي يعتبر سفرا.
ومعلوم أن احتساب مسافة القصر تكون ذهابا، وليس ذهابا وإيابا بحيث أن الرجوع إلى البلد الأصلي لا يدخل في العد حتى لا يكون التلفيق مع الاستدبار في الرجوع إلى البلد، ويقطع هذه المسافة الرجوع إلى البلد، ولو لحاجة، كما تقطعه الإقامة في بلد آخر دون مسافة القصر أكثر من أربعة أيام، أما السائح في الأرض مثل الرعاة ومداومي السفر فهؤلاء لا يقصرون عند البعض وقال آخرون أنه يجوز لهم القصر إذا استجمع شرائطه.
ثالثا: أن يبتدئ القصر بعد أن يتجاوز المساكن، فلا يبتدئ في القصر حتى يخرج وراء البيوت، ودخوله البيوت يقطع عنه القصر لأن آية القصر تتحدث عن الضرب في الأرض وهو شرط القصر، ولا يكون ذلك إلا بمباشرة السفر الذي لا يكون إلا خارج المساكن والبساتين والأخصاص، فعن أنس رضي الله عنه قال: “صليت الظهر مع النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة وأربعا، والعصر بذي الحليفة ركعتين” أخرجه البخاري ومسلم.
رابعا: أن يراعي المسافر مدة القصر وهي ألا ينوي الإقامة بالبلد الذي يقصده أكثر من أربعة أيام، فعن العلاء بن الحضرمي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “يقيم المهاجر بمكة بعد قضاء نسكه ثلاثا، ومعلوم أن المهاجر لا يستوطن ولذلك لا يجاوز في إقامته عشرين صلاة، فحكم الثلاثة مخالف لما زاد عنها، وأما ما ورد من أحاديث في شأن التقصير أكثر من أربعة أيام فمحمول على أن العزم لم ينعقد والنية لم تجمع على مجاوزة أربعة أيام، إذ لو عرض للمسافر ما أخره عن أربعة أيام فلا مانع من استمراره في التقصير.
وقد كره الفقهاء اقتداء المقيم بالمسافر لمخالفته لنية الإمام، اللهم إذا كان المسافر ذا سابقة فضل، وتشتد الكراهة عند اقتداء المسافر بالمقيم لمخالفته لسنة القصر، ولما يمكن أن يثيره ذلك من فتنة وتشويش على المصلين عند مخالفة الإمام وهي من الحكمة أبعد.
والمسافر إذا نسي الصلاة ولم يتذكرها إلا بعد أن يصير مقيما، فإذا تذكرها وإن كان في وقتها يصليها حضرية، وإذا تذكرها وقد خرج وقتها يصليها سفرية، وكذلك المقيم إذا ذهل عن الصلاة وسافر، فإذا تذكرها وهو مازال في وقتها فإنه يصليها سفرية، وأما إذا تذكرها بعد أن خرج وقتها فإنه حينئذ يصليها حضرية.
وختاما فإن قصر الصلاة رحمة من الله بالعباد وشفقة عليهم، وربنا الكريم يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه، ولا يحول دون العمل بهذه السنة المؤكدة تطور وسائل المواصلات برا وبحرا وجوا، لأن سبب القصر هو السفر وليس المشقة، ولا يغير ذلك من حقيقة كون السفر قطعة من العذاب، لأن المسافر يتكبد عناء مفارقة الأهل والأولاد والموطن والعوائد.
والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل