شروق (قصة قصيرة)
بقلم: عبد الهادي المهادي
قصة قصيرة للأطفال واليافعين، ويمكن للكبار أن يقرؤوها أيضا إذا كان “راسوم صْغير”! ]
استيقظ بنيامين صباح السابع من أكتوبر على رنين هاتفه الحاد، أسكته بعنف دون أن يهتمّ بمعرفة المتّصل وعاد للنّوم؛ لقد سهر إلى حدود الفجر، يومه كان حافلا بالمتاعب، فهناك من يريد أن يُسقطه من رئاسة الوزراء والزّجّ به في السّجن بتهمة الفساد. “لا بدّ أن أرتاح قليلا قبل أن أبدأ يوما مزدحما بالأعمال”؛ هكذا حدّث نفسه في دفء قبل أن ينفجر في وجه الصّمت الصباحي رنينٌ من هاتف آخر مخصّص للطّوارئ. تململت زوجته بجانبه، ودفعته للنهوض، فـ “الأمر جلل” كما تمتمت قريبا من أذنه.
ما إن استمع للجمل الأولى من الاتصال حتى انخلع قلبه قبل أن يطير النّوم من عينيه، استمرّ في الإنصات في صمت دون أن تصدر عنه أية إشارة أو كلمة، ومن خلال ذلك علمت سارة أنّ الأمر كارثي؛ فلم يسبق أبدا أن رأت زوجها في مثل هذه الحالة؛ كان يرتعد والدم يكاد ينفجر من كل بقعة في وجهه. بل ولقد خُيّل إليها أنّها رأت شعر رأسه انتصب لمدّة قصيرة قبل أن يعود لحالته، لم تكن متأكّدة من ذلك، ولكنها عندما عرفت تفاصيل المكالمة تأكّدت أنّ ذلك كان حقيقيا.
هرول بنيامين لارتداء ملابسه وخرج دون أن يغسل وجهه. كانت الصورة قد ارتسمت أمامه، ليس بشكل كامل، ولكنها كافية لتجعله يعيش رعبا جهنميا؛ هو رجل عسكري غدا سياسيا ويعرف جيّدا مآلات ما سمعه لتوّه.
وهو في الطريق كان سيلُ المكالمات لا يتوقّف، وكانت نفسه تهيج بالغضب: “منذ أن أسّسنا دولتنا منتصف القرن الماضي لم نقف أمام العالم بمثل هذا العراء؛ فالحروب التي خُضناها في السابق ضد جيوش دول المنطقة كانت لنا فيها اليد العليا، واكتسبنا من خلالها هالة أرعبت جيراننا المتربصين بنا لمدّة طويلة، وأردعتهم، حتى غدا الجميع يهابوننا بعد أن كانوا يودّون لو يرموننا في البحر، وها هم يخونون بعضهم البعض ويتسابقون حول من يُطبّع معنا وينسج مع دولتنا علاقات عادية. لقد ضربنا بيد من نار وحديد منذ ما قبل التأسيس، وذهبنا بعيدا في هذا النّهج، وقد قطفنا ثمار مسلكنا وصبرنا ومثابرتنا لسنوات، ولكنّ ها هم المَلاعين يُذيقوننا الهوان ويسوّدون وجوهنا أمام العالمين”.
عندما وصل إلى مقرّ المجلس الوزاري وجد وزراء حكومته متحلّقين ينتظرون في وجوم وصوله. استمع الجميع إلى تقرير أوّليّ؛ لقد أخذتهم الصّدمة؛ فالمقاومة الفلسطينية في غزّة تجرأت على فعلٍ لم يكن أحد يتوقّع حدوثه رغم بعض التنبيهات الاستخباراتية التي سبق أن وصلتهم من مؤسّساتهم كما من دولة مُجاورة، ولكنّهم استبعدوا ذلك، لأنّ الخطوة الهجومية التي أقدمت عليها “حماس” كانت سينمائية بامتياز؛ لقد هجموا على المستوطنات المحاذية للقطاع، من الأرض بالسيارات والدّراجات، كما من الجوّ بمظلات، فقتلوا وأسروا وأعطبوا. كانت المشاهد التي تصلهم بالتتابع مُفجعة لجيش ما فتئ يقدّم نفسه قويا ومنظما ورائدا.
ـ “إنّها الحرب، ولا شيء غير الحرب”: قال بنيامين بصوت بارد خرج من حنجرة مجروحة. قبل أن يضيف في عصبية: “حرب نقتل فيها الجميع دون أن نستثني منها أحدا، صغيرا كان أم كبيرا، ولا نُبقي لهم حجرا على حجر”. كان الجميع ينصت وعيونهم ساهمة، قبل أن يستفيقوا على صراخ رئيسهم وهو يعلن: “إذا لم نهزمهم فلا يمكن أبدا أن نستمرّ في الوجود في أرض الجدود… لا أريد أن أسمع رثاء ولا بكاء، أريد فقط أن أسمع صوت الإفناء في كلّ شبر من غزّة”. ثمّ وجّه خطابه لوزيره في الحرب: “أريد خطّة شاملة بذلك صباح الغد… ولا تهتمّ أبدا بمن سيخرج في العالم لتّنديد بما سنفعله”. ثمّ التفت إلى وزيره في الإعلام: “اجعل العالم يتعاطف مع قضيّتنا… واجعله أيضا ينظر إلى “حماس” باعتبارها شيطانا رجيما يجب إفناؤه”. ثم غادر وهو منكّس الرأس.