منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

هل للإشارة ببصمة الإبهام علامة على الرضى أصل في الإسلام؟

هل للإشارة ببصمة الإبهام علامة على الرضى أصل في الإسلام؟/ الشيخ عبد الله بنطاهر التناني 

0

هل للإشارة ببصمة الإبهام علامة على الرضى أصل في الإسلام؟

الشيخ عبد الله بنطاهر التناني 

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه ومن اتبع هديه ورشده.

وبعد؛ فهذه إشارة تدخل ضمن العادات، ولا تؤدي إلى ارتكاب حرام في المعاملات، وليست من العبادات، ولا علاقة لها عند مستعمليها من المسلمين على الأقل بفساد في العقيدة؛ ولهذا فهي أمر جائز لا بأس بها؛ ويمكن التأصيل لها بالأحاديث التي استعمل فيها النبيﷺ بعض تلك الإشارات بالأصابع جريا على عادة العرب؛ كتمثيله لفتحة ردم ياجوج وماجوج، وعقده عشرا وتسعين، وحديث كافل اليتيم وغيرها من الأحاديث الواردة في الموضوع؛ منها:

ما روى البخاري ومسلم عن أم المؤمنين زينب بن جحش -رضي الله عنها -: أن النبيﷺ دخل عليها فزعا يقول: «لا إله إلا الله، ويل للعرب من شر قد اقترب، فُتِحَ اليوم من رَدْم يأجوجَ ومأجوجَ مثلُ هذه -وحَلَّقَ بأصْبَعِهِ: الإبهام والتي تَليِها- فقالت زينب بنت جحش: يا رسول الله؛ أَنَهْلِكُ وفينا الصالحون؟ قال: نعم، إذا كَثُرَ الْخَبَثُ»، وفي رواية الترمذي: «وعَقَّد عشرا»(1). ومعنى «وعقد عشرا» أي: حلَّق وجعل أصبعه كالحلقة؛ قال ابن الأثير: “هي: أن تجعل رأس أصبعك السبابة في وسط أصبعك الإبهام من باطنها شبه الحلقة، وعقد التسعين مثلها، إلا أنها أضيق منها، حتى لا يبين في الحلقة إلا خلل يسير”(2).

وما روى مالك: أن النبيﷺ قال: «أنا وكافل اليتيم، له أو لغيره(3)، في الجنة كهاتين. إذا اتقى، وأشار بإصبعَيْه: الوسطى والتي تلي الإبهام»(4).

وعلاوة على هذا فقد وجدت لهذه الإشارة نفسها أصلا؛ فقد استعملها الإمام أحمد؛ قال تلميذه أبو الفضل العباس بن محمد بن حاتم الدوري: «سمعت أحمد بن حنبل -وسئل وهو على باب أبى النضر هاشم بن القاسم- فقيل له: يا أبا عبد الله؛ ما تقول في موسى بن عبيدة الربذي؟ وفي محمد بن إسحاق؟ فقال: أما محمد بن إسحاق فهو رجل تكتب عنه هذه الأحاديث؛ -كأنه يعنى: المغازي ونحوها-، وأما موسى بن عبيدة فلم يكن به بأس، ولكنه حدث بأحاديث مناكير عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، عن النبيﷺ. فأما إذا جاء الحلال والحرام أردنا قوما هكذا؛ وقبض أبو الفضل على أصابع يديه الأربع من كل يد، ولم يضم الإبهام؛ وأرانا أبو الفضل يديه وأرانا أبو العباس».
وفي رواية: «قبض كفيه جميعا وأقام إبهاميه»، وفي أخرى: «فضم العباس على أصابع يديه الأربع من كل يد ولم يضم الإبهام»(5)؛ وهذا يدل على أنه استعمل هذه الإشارة بكلتا يديه اليمنى واليسرى.

وإن كان الأفضل في هذا استعمال اليمنى؛ لعموم الحديث المتفق عليه عن عائشة رضي الله عنها قالت: «كان النبيﷺ يعجبه التَّيَمُّنُ في تَنَعُّلِهِ وتَرجُّلِهِ وطُهوره، وفي شأنه كلِّه»(6).

وقد يقول البعض بأنها من المسائل التي قلدنا فيها الغرب المسيحي، وقد نهى النبيﷺ عن اتباع اليهود والنصارى في أكثر من حديث؛ لهذا القائل أقول: تقليد غير المسلمين باعتبار الحكم هو على أربعة أنواع:

1) نَوْعٌ تقليدُهُم فيه كفر؛ وهو ما يتعلق بطقوسهم في العبادات وفي العقائد؛ مثل إحياء رأس السنة بطريقتهم من تزيين الأشجار، وعبادة الأحجار، وإطفاء الأنوار، في ساعات الأصفار، وشرب الخمور، واختلاط الفجور؛ فهذا حرام إن كان منفصلا عن الاعتقاد، فإن وافق الاعتقاد فهو كفر والعياذ بالله.

2) نَوْعٌ تقليدُهُم فيه حرام؛ وهو ما يتعلق بعاداتهم التي ورد في الإسلام النهي عنها؛ مثل القزع المنتشر اليوم بين الشباب، وهو حلق بعض شعر الرأس دون بعض، ومثل التبرج السائد اليوم عند الإناث والذكور على حد سواء، بطرق تفرضها آخر صيحات الموضة التي لم تترك لشبابنا لباسا يواري سوءاتهم؛ فهذا لا يختلف في كونه حراما اثنان، ولا يتناطح عليه كبشان.

3) نَوْعٌ تقليدُهُم فيه واجب؛ ومنه ما وصلوا إليه من العلوم والصناعة والطب والعدالة الاجتماعية والتقدم في جميع المجالات، وما تخلفنا في الركب الحضاري اليوم إلا لأننا لم نحسن تقليدهم في هذا، وأكبر دليل على مشروعية تعلم المسلمين العلوم النافعة من غيرهم هو توظيف النبيﷺ الأسرى من المشركين في غزوة بدر لتعليم أولاد المسلمين القراءة والكتابة.

4) نَوْعٌ تقليدُهُم فيه مباح وجائز؛ ومنه كل ما يدخل ضمن العادات، ولا يؤدي إلى ارتكاب حرام في المعاملات، وليس من العبادات، ولا علاقة له بفساد العقائد؛ مثل كل ما لا يخالف حكما شرعيا من الألعاب والرياضات والإشارات، ومنها الإشارات بالأصابع والتجاوب بها، وهي لا تعدو أن تكون لغة عالمية اتفق عليها الجميع؛ كالإشارة ببصمة الإبهام المذكورة.
والله أعلم، وهو سبحانه ولي التوفيق، والهادي إلى أقوم طريق.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الهامــــــــــــش:

(1) صحيح البخاري: كتاب الفتن: باب يأجوج ومأجوج: (رقم: 7135)، وصحيح مسلم: كتاب الفتن: باب اقتراب الفتن: (رقم: 2880)، وسنن الترمذي: كتاب الفتن: باب ما جاء في خروج يأجوج ومأجوج: (رقم: 2188).
(2) جامع الأصول لابن الأثير: (2/232).
(3) قال ابن عبد البر: “وأما قوله في هذا الحديث «له أو لغيره» فالمعنى -والله أعلم- من قرابته كان اليتيم أو من غير قرابته” الاستذكار: (8/434)، والتمهيد: (16/246).
(4) موطأ مالك: كتاب الشعر: باب السنة في الشعر: (رقم: 3491).
(5) أورد هذه القصة ابن معين في تاريخه: رواية الدوري: (3/60)، وأبو الحسين ابن أبي يعلى في كتابه “طبقات الحنابلة: (1/236 و237)، وجمال الدين المزي في كتابه: “تهذيب الكمال في أسماء الرجال”: (29/109)، وبرهان الدين ابن مفلح في كتابه “المقصد الأرشد”: (2/ 279).
(6) صحيح البخاري: كتاب الوضوء: باب التيمن في الوضوء والغسل: (رقم: 166).

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.