منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الخطبة في الاسلام مقاصد وآداب

صلاح الدين المساوي

0

الخطبة في الاسلام مقاصد وآداب

صلاح الدين المساوي

مقدمة

إن إستقرار الأسرة مطلب عظيم في الإسلام ، فمن ظفر به -سيما في زمن الفساد و سيطرة الهوى-فقد فاز فوزا عظيما.
و لأجل هذا إعتنى الشرع الحكيم عناية فائقة بالأسس الأولية التي تنبني عليها سعادة الأسرة في الدنيا والآخرة، لأن في نجاحها يتحقق صلاح المجتمع كله، ومن ثم يتفرع عنه إنتشار كل أعمال الخير والتعاون بين بني البشر. كما يمكننا القول بأنه إذا صلحت الأسرة صلح سائر المجتمع، وإذا فسدت الأسرة فسد سائر المجتمع.
ولخدمة هذا المطلب وضع الإسلام مبادئ أساسية ومعايير مهمة، وشدد عليها كثيرا ،لضمان بناء أسرة ناجحة.
ومنها :
إختيار الزوج: وبما أن الزواج مسؤولية وميثاق غليظ يجمع بين الرجل والمرأة، أباح الشارع للباحث والباحثة عن الزواج النظر العميق ،والتحري والتقصي ، لكي يحصل التراضي والقبول بينهما من أجل الاستمرار في رحلة الزواج على سفينة المودة والرحمة ،“وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ”، إذ كان الصحابة الكرام يستغلون المواسم المتاحة عندهم كخروج النساء للمصلى في الأعياد مثلا ،لينظر الباحث عن الزواج إلى امرأة فإن سرّته تقدم إليها والتمس يدها من ولي أمرها،وهذا ما يصطلح عليه بمفهوم “،الخطبة” فماهي مقاصدها في الشرع ؟ وما هي آدابها؟

1- مقاصد الخطبة:

إن خطبة الرجل للمرأة تعتبر من مقدمات الزواج، وقد شرعها الإسلام قبل الارتباط بعقد الزوجية، ليتعرف كل من الزوجين على صاحبه، ومن الأمور المستحبة التي رغب فيها الإسلام، أن ينظر الخاطب إلى المخطوبة قبل الخطبة، -وأسطر هنا عن قول قبل الخطبة- بمعنى قبل الذهاب إلى أهل المخطوبة ليلتمس يدها من وليها.وذلك ليعرف جمالها الذي يدعوه إلى الإقدام على الاقتران بها، أو قبحها الذي يصرفه عنها ليبحث عن غيرها، يقول الإمام الأعمش: “كل تزويج يقع على غير نظر، فآخره هم وغم! “، وللفتاة أن تنظر إلى خاطبها، فإنه يعجبها منه مثل ما يعجبه منها، قال عمر رضي الله عنه:” لا تزوجوا بناتكم من الرجل الدميم، فإنه يعجبهن منهم ما يعجبه منهن”. والنظر إلى المخطوبة جائز وإن لم تأذن هي أو وليها اكتفاء بإذن الشرع، ويجوز أن ينظر إليها وإن لم تعلم بنظره، وأن يراها من غير علمها، لئلا تتزين له، فيفوت الغرض من النظر! وفي الحديث الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال للمغيرة بن شعبة عندما خطب امرأة: «انظر إليها، فإنه أحرى أن يؤدم بينكما» أي أجدر أن تدوم المودة والألفة والوفاق بينكما.
وعن جابر بن عبدالله رضي الله عنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا خطب أحدكم المرأة، فإن استطاع أن ينظر منها إلى ما يدعوه إلى نكاحها فليفعل». قال جابر: «فخطبت امرأة من بني سلمة، فكنت أختبئ لها، حتى رأيت منها بعض ما دعاني إليها»! وفي هذا دليل على أن للخاطب أن ينظر إليها على غفلتها وإن لم تأذن له.
وعن أبي حميد الساعدي رضي الله عنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا خطب أحدكم امرأة فلا جناح عليه أن ينظر منها، إذا كان إنما ينظر إليها لخطبته، وإن كانت لا تعلم».
وخطب رجلٌ امرأة من الأنصار فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أنظرت إليها؟ قال: لا، قال: فاذهب فانظر إليها فإن في أعين الأنصار شيئاً! أي عمش أو صغر أو أن أعينهاقد لا تعجبك.

2 – آداب الخطبة

أ- حكم تكرار النظر:

وإذا رأى الخاطب المخطوبة مرة، ثم رأى أنه بحاجة إلى أن يراها مرة ثانية، لأنه لم يتبين منها أشياء يرغب فيها أو يكرهها، جاز له أن يكرر النظر ويراها مرة أخرى.
وإذا نظر الخاطب إلى المخطوبة ولم تعجبه، فيجب عليه أن يسكت، ولا يقول شيئاً، حتى لا تتأذى بما يُذكر عنها، ويجرح شعورها وكرامتها، ولعل الذي لا يعجبه منها قد يعجب غيره، والجمال نسبي، وتتفاوت نظرات الناس إليه.
وينظر الخاطب إلى ما يظهر من المخطوبة عادة من غير تبذل.

ب- مواضع النظر إلى المخطوبة:

هناك خلاف بين الفقهاء فمنهم من أجاز النظر إلى كل ما يدعو الى دوام النكاح وسعادته، ومنهم من حكم بالوجه والكفين فقط، لأن الوجه يستدل به على المحاسن والجمال، واليدين يستدل بهما على خصوبة البدن ولينه. والراجح هو جواز النظر الكلي مادام لم يحدده الشارع و تركه مفتوحا “…فانظر إليْها فإنَّهُ أجدرُ أن يؤدمَ بينَكُما”
وإذا لم يتيسر له أن ينظر إليها، بعث امرأة تتأملها  وتصفها له، لأن النبي صلى الله عليه وسلم، بعث أم سليم إلى امرأة فقال: انظري عرقوبيها، وشمي عوارضها، وفي رواية معاطفها. (والمعاطف: ناحيتا العنق. والعوارض: الأسنان في عرض الفم). والمراد اختبار رائحة  الفم ورائحة الجسم. والعرقوب: عصب غليظ فوق عقب الإنسان، ولا ينبغي للخاطب أن يكتفي بالنظر الى الصورة، فإنها قد لا تعبر عن الحقيقة وقد تكون الصورة شيئاً والواقع شيئا آخر.
ويستدل على أخلاق المخطوبة وباقي صفاتها عن طريق سؤال اللاتي خالطنها وعرفنها ممن يثق بهن.

ج-النظر والتعارف والخطبة عبر شبكة الانترنيت:

قبل الحديث عن الحكم الفقهي بخصوص هذه النازلة نود أن نلفت النظر والتامل في هذه المعضلة لنخلص القول بأن: نسبة العنف الأُسرِي وتزايد الآفات الاجتماعية،  كانت سببًا مباشرًا في اللجوء إلى عالم الإنترنت بحثًا عن متنفَّس لمكنونات عاطفية لدى الشباب، في محاولةٍ لإيجاد مَن يفهمه ويفهم ميولاته، وبالتالي تتولد فكرة ربط علاقة عن طريق الإنترنت رغبة في إنهاء هذه العلاقة بالزواج، وهنا يبدو فيه مخالفة، بل إقصاء للعادات والتقاليد الأُسرية، فالقاعدة الأساسية تبدأ من ذاك الاحتواء الأُسري والأمان العاطفي، والذي يعتبر الوالدان مسؤولينِ بالدرجة الأولى عن توفيرِه حتى لا يبحث الشابُّ عمَّن يحضن عاطفته الجياشة خارج البيت، ثم غلاء المهور وتكاليف الزواج تجعل الشاب يسلك مسلكًا سهلاً توفِّره الشبكة العنكبوتية.

بالإضافة إلى غياب المتابعة والصداقة بين الأبوين والأبناء في حسن التوجيه والتزام بنود الشريعة الإسلامية في عقد مشروع الزواج، فغياب الحوار في العائلة وغياب التفهم يجعل الأبناء في رحلة حالمة مع الإنترنت دونما رقابة أو توجيه.

إذًا تلك الفجوة بين الوالدين والأبناء تتعمق و تكبَر كلما كَبِر الأبناء في السن حتى يصبح الأبناء في استقلالية تامَّة عن الوالدين، والاستقلالية هنا هي استقلالية الفكر والقرار، فبالأمس كان القرار الجماعي للعائلة أساسًا للنجاح، أما الآن، فالأنانية المفرطة وغزو العولمة بزخارف التطور الخيالي يجعل أساس النجاح هشًّا؛ لأنه لم يبنَ على أسسٍ متينة من الحوار وتبادل الثقة فيما بين أطراف الأسرة.

وإن ما نراه من توافد كبير على العالم الافتراضي إنما كان أصله لأجل تَمْتين صداقات يعلم الله إلى أي مدى من الغوص ستصل إليه.

والأصعب من ذلك، تلك المشاريع الحالمة التي تبنَى من الطرفينِ بواسطة الإنترنت كوعود كاذبة خيالية لبناء مستقبل عائلي، لكن الواقع يجعلهم يصطدمون بحقائق لم تظهرها لهم أجهزة الحواسب ولا أحلام اليقظة.

ليبقَ الزواج بالإنترنت موضة العصر، ولكن النتائج تثبت أنه لا يوجد أحسن مما يتم وَفْق التقاليد الإسلامية من تدرُّج وشرعية في إتمام المشروع وَفْق كتاب الله وسنة رسوله – صلى الله عليه وسلم.

د- جواز المحادثة والتعارف عبر الانترنيت من أجل الزواج لكن بشروط

وفي هذا الباب أعجبتني فتوى لأحد الشيوخ المعاصرين مفادها ما يلي:

أما عن مراسلة الشاب للتعرف على شخصيته بتفصيل أوسع مما هو معلن في الموقع، فلا أرى ما يمنع ذلك، بل نرى فيه بديلاً آمناً عن العلاقات الآثمة، والتي هي مخالفة صريحة لنصوص الشريعة، ولعله أن يكون من الحلال الذي يغني عن الحرام.

ولكن قبل ذلك لا بد من أن نقف على جملة من الحقائق والنصائح، والتي إن أخذت بها الفتاة فأحسبها مانعة ـ بإذن الله ـ لهذه المراسلة أن تكون ذريعةً إلى الحرام.

أولاً: تذكري حين يراسلك من يبدي لك الرغبة في خِطبتك أنه ليس بالضرورة أن يكون صادقاً، وأن الكذب والتدليس أمرٌ واردٌ في كلامه، بل احتمال ذلك قد لا يقل عن احتمال صدقه، فما شيء يمنعه منه! فإياك أن تنخدعي بمعسول الكلام، ولا بجميل الخصال التي يزعمها لنفسه، فتتعلقي به تعلُّق المعجب المحب، ولتكن نفسك متهيِّئةً لهذا الاحتمال ـ أعني احتمال كذبه وتدليسه ـ.

ولذا، فلا تحرصي عليه إن رأيته مقبلاً عليك، ولا تبدي أسفاً عليه إن رأيته مدبراً عنك، حتى تتحققي من صدق دعواه، والتحقق من صدقه مهمة لا يضطلع بها إلا وليّك، بالسؤال عنه والتحقق من أخلاقه وتدينه….إلخ.

ثانياً: إعلمي أن المقصود من مخاطبته هو التعرف على شخصيته وما يرغبه هو في مطلوبته من الصفات والطبائع….إلخ، وهذا المقصود حاصلٌ بالمراسلة وكفى، ولذا لا أرى من ضرورةٍ لمكالمته، سواء بالهاتف أو بواسطة برامج المحادثة الصوتية عبر الإنترنت، فهذه خطوة ليس لها ما يسوِّغها، ولا الحاجة تدعو لها، وأخشى أن تُفضي إلى مزالق وخيمة، والأذن تعشق قبل القلب أحياناً!
فإياك إياك أن يصل بك الأمر إلى هذه الخطوة، التي أحسبها أول خطوة من خطوات الشيطان الذي لا يني في الأمر بالفحشاء والمنكر.

فإن وجدتِ من صاحبك إلحاحاً في طلب سماع صوتك ومكالمتك، فاعلمي أن هذه الرغبة والإلحاح قرينة ظاهرة على أن في نيته دخن وفي صدقه نظر، ولا أقترح عليك أن ترفضي طلبه هذا، ولكن ارفضي الطلب وطالبَه، واقطعي كل صِلة به.

ثالثاً: اجعلي مراسلتك له محصورة فيما يتعلق بموضوع الخِطبة وما يخدم موضوعها، وإياك أن تسترسلي معه في حديث غير هذا؛ وتذكري أن مراسلته إنما ساغت لأجل مصلحة الخِطبة فحسب.

فإن طال زمن مراسلته لك ولم يتقدم لخطبتك ولم يخطُ أولى خُطواتها، فاعلمي أن هذا الرجل إما كاذب، أو غير راغب، وكلاهما لست في حاجة بعدها للاسترسال في الحديث معه.

خلاصة:

ويبقى موضوع الخطبة مشروع زواج فقط ، وليست عقداً ملزماً، وإنما هي مقدمة ومشروع للزواج، ووعد به، وهي فترة انتظار واختبار، واتفاق على الزواج، وهذا الاتفاق ليس عقداً، وإنما هو وعد بعقد، ولذلك لا يحل للخاطب أن يختلي بالمخطوبة أو أن يلمسها، لأنها أجنبية عنه، وقد تفسخ الخطوبة لأي سبب، ويعدل الطرفان عن اتمام مشروع الزواج، فيؤثر هذا في سمعة الفتاة. وقد تهاون كثير من الناس بهذا الأمر وسمحوا للفتاة بمخالطة الخطيب أو الخروج معه، ونشأ عن هذا التساهل كثير من المشاكل والمآسي، فالالتزام بما أباحه الشرع وحدده يحمي الطرفين، ويصون الفتاة ويحافظ على كرامتها وسمعتها.

وصلى الله على سيدنا وحبيبنا محمد وعلى آله وصحبه.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.