منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

هل يجب القضاء على من أفطر في رمضان لمرض ظنا منه أنه لا يشفى فدفع الفدية ثم شفي بعد عام؟|سلسلة يسألونك

الشيخ عبد الله بنطاهر التناني السوسي

0

هل يجب القضاء على من أفطر في رمضان لمرض ظنا منه أنه لا يشفى فدفع الفدية ثم شفي بعد عام؟|سلسلة يسألونك

بقلم: الشيخ عبد الله بنطاهر التناني السوسي

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه ومن اتبع هديه ورشده.

نص السؤال:

امرأة كانت مريضة ومنعها الأطباء من الصيام، فغلب على ظنها أن مرضها لا يرجى شفاؤه، فأدت الفدية بإطعام مسكين عن كل يوم أفطرت فيه، ثم بعد سنة أنعم الله عليها بالشفاء التام فاستطاعت أن تصوم؛ فهل يجب عليها قضاء ما أفطرت من أيام رمضان بعد أن دفعت عنها الفدية؟ فقد سمعت مَنْ يقول بأن قضاء الصيام لا يجب بعد الإطعام.

نص الجواب:

القول بأن قضاء الصيام لا يجب بعد الإطعام هو مذهب الشافعية والحنابلة، وليس مذهب المالكية؛ وتوضيحا لهذا أقول: في المسألة ثلاثة أقوال:

القول الأول: في مذهب المالكية

أن الشيخ الهرم والمريض مرضا مزمنا لا يرجى شفاؤه بشهادة الأمناء من الأطباء لا يجب عليهما الصيام؛ لقوله تعالى: {‌لَا ‌يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفۡسًا إِلَّا وُسۡعَهَاۚ}(1)، ويستحب في حقهما الفدية بإطعام مسكين عن كل يوم؛ لقوله تعالى: {وَعَلَى ٱلَّذِينَ ‌يُطِيقُونَهُۥ فِدۡيَةُ طَعَامِ مَسَاكِينٖ}(2)؛ بدليل ما روى البخاري عن ابن ‌عباس قال في الآية الكريمة: «ليست بمنسوخة؛ هو الشيخ الكبير والمرأة الكبيرة، لا يستطيعان أن يصوما؛ فيطعمان مكان كل يوم مسكينا»(3)؛ ويقاس المريض الذي لا يرجى شفاؤه في أحكامه على الشيخ الكبير عند المالكية؛ فهو بمنزلته؛ لقول الإمام مالك: “أرى إن كان مريضا قد يئس من البرء، فسبيله سبيل ‌الشيخ ‌الكبير”(4).

وإن قدر المريض في زمن ما أخَّر إليه ولا فدية عليه؛ لأن من عليه القضاء لا فدية عليه لا وجوبا ولا استحبابا(5)؛ قال اللخمي: “فإن كان يخاف حدوث علة لم يكن له أن يصوم، وإذا لم يصم لم يكن عليه قضاء مع استصحاب حاله، وإن انتقلت حالته إلى القدرة على الصوم أو كان توجُّه الصوم عليه في شدة الحر ثم صار إلى زمن لا يضر به فيه؛ كان عليه القضاء، فعلى هذا يجري أمر ‌الشيخ ‌الكبير”(6).

وهذا يدل على أن الإطعام لا يقوم مقام الصيام؛ لأن الإطعام مستحب والصيام واجب، والمستحب لا يقوم مقام الواجب؛ وذلك لأن علة الإطعام هي عدم القدرة مع اليأس من الشفاء؛ فإن تحقق الشفاء وقدر على الصوم وجب عليه القضاء لزوال العلة وهي (عدم القدرة مع اليأس)، والحكم يدور مع علته وجودا وعدما.

وبهذا قال الحنفية؛ وعبارتهم: أن المريض متى ‌قدر ‌قضى؛ لأن استمرار العجز شرط الخليفة، والمراد بالخليفة عندهم الصوم أي: كون الفدية خلفا عنه(7)، وهو قول عند الشافعية والحنابلة(8).

إلا أن المالكية استثنوا من ذلك الإطعام في كفارة الظهار لمن لم يقدر على الصيام؛ قال الإمام مالك: “ومن تظاهر وهو مريض مثل الأمراض التي يصح من مثلها الناس فلينتظر حتى يصح، ثم يصوم…، وكل مرض يطول بصاحبه ولا يدري: أيبرأ منه أم لا؟ ولعله يحتاج إلى أهله؛ فليطعم وليصب أهله، ثم إن صح أجزأه ذلك الإطعام، لأن مرضه ‌كان ‌إياساً”. وقال أشهب: “إذا طال مرضه وإن رُجي برؤه وقد احتاج إلى أهله فليطعم”(9).

ولا يمكن قياس الإطعام في كفارة الظهار على الإطعام في فدية الصيام؛ لأنه قياس مع الفارق؛ فكفارة الظهار هي أحد ثلاثة أمور واجبة الترتيب: تحرير رقية، فصيام شهرين متتابعين، فإطعام ستين مسكينا؛ والإطعام هنا جزء من الكفارة، وهو واجب؛ بينما الصيام عبادة مستقلة؛ فمن أفطر فيه؛ إن كان عمدا وجبت عليه كفارة الصيام وهي الكفارة الكبرى(10)، وإن كان عجزا مستمرا استحبت له الفدية، وهي الكفارة الصغرى؛ والكفارة بنوعيها ليست جزءا من صيام رمضان، والفدية مستحبة وليست بواجبة عند المالكية.

القول الثاني: في مذهب الشافعية

أن العاجز والمريض الذي لا يرجى برؤه إذا أفطر ثم قدر على الصوم فهل يلزمه قضاء الصوم فيه وجهان:

1) الأصح أنه لا يلزمه ‌لسقوط ‌الصوم ‌عنه وعدم مخاطبته به، وهو القول الثاني عند الحنابلة.

2) قيل: يلزمه القضاء؛ وسبب الخلاف الاختلاف في الفدية هل هي بدل عن الصوم، أو واجبة ابتداء؟ فبناء على أنها بدل عن الصوم يجب عليه القضاء إذا شفي، وبناء على أنها واجبة ابتداء فلا يجب عليه القضاء(11).

القول الثالث: في مذهب الحنابلة

أن المريض الذي يئس من الشفاء؛ فإن ‌أطعم ‌مع ‌يأسه، ثم قدر على الصيام؛ فعندهم فيه ثلاث روايات:

أ) لا يلزمه القضاء كما قال الشافعية في الأصح؛ لأن ذمته قد برئت بأداء الفدية التي كانت هي الواجب عليه، فلم يعد إلى الشغل بما برئت منه.

ب) يلزمه القضاء كما قال المالكية والحنفية؛ لأن الإطعام بدل يأس، وقد تبينا ذهاب اليأس(12).

ج) التفصيل: إذا شفي بعد دفع الفدية فلا قضاء عليه، أما إذا قدر على الصوم ولم يكن قد دفع الفدية عما مضى فيجب عليه الصوم في هذه الحالة.

الخلاصة

أن الشيخ الهرم أو المريض الذي لا يرجى شفاؤه إن قدر على الصيام وجب عليه ولو دفع الفدية وهذا هو المفهوم من كلام أئمة المالكية، وهو مذهب الحنفية وقول عند الشافعية والحنابلة، وإنما عرضت المسألة على المذاهب الأربعة حتى يتبين للسائل أن القول بعدم وجوب قضاء الصيام بعد الإطعام هو مذهب الشافعية والحنابلة. والله أعلم وهو سبحانه الموفق للصواب.


الهامش:

(1) سورة البقرة: (الآية 285).
(2) سورة البقرة: (الآية 183).
(3) صحيح البخاري: كتاب التفسير: باب قوله: {أَيَّامٗا مَّعۡدُودَٰتٖ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوۡ عَلَىٰ سَفَرٖ فَعِدَّةٞ مِّنۡ أَيَّامٍ أُخَرَ…}: (رقم 4235).
(4) المدونة لسحنون: (1/560)، والتهذيب في اختصار المدونة: (2/82).
(5) شرح الزرقاني على المختصر مع حاشية البناني: (2/353) والشرح الكبير للدردير مع حاشية الدسوقي: (1/516)، والدر الثمين شرح المرشد المعين لميارة: (ص481).
(6) التبصرة للخمي: (2/756).
(7) الدر المختار شرح تنوير الأبصار للحصكفي: (ص150)، وحاشية ابن عابدين رد المحتار: (2/428).
(8) حاشية البجيرمي على شرح الخطيب: (2/397)، والمغني لابن قدامة: (3/151).
(9) المدونة لسحنون: (2/332)، والتهذيب في اختصار المدونة للبرادعي: (2/283).
(10) كفارة الصيام هي أحد ثلاثة أمور بالتخيير: إطعام ستين مسكينا، أو تحرير رقية، أو صيام شهرين متتابعين؛ “وفضلوا إطعام ستين فقير” كما قال الإمام ابن عاشر.
(11) المجموع شرح المهذب للنووي: (6/259)، ونهاية المحتاج للرملي: (3/193)، وحاشية البجيرمي على شرح الخطيب: (2/397).
(12) المغني لابن قدامة: (3/151).

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.