صلاة الإمام بالناس حاسر الرأس أو بالطربوش أو القلنسوة|سلسلة يسألونك
للشيخ عبد الله بنطاهر التناني السوسي
صلاة الإمام بالناس حاسر الرأس أو بالطربوش أو القلنسوة|سلسلة يسألونك
للشيخ عبد الله بنطاهر التناني السوسي
نص السؤال
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه ومن اتبع هديه ورشده.
وبعد فقد ورد علي سؤال هذا نصه: ما حكم لبس الطاقية أو وضع غطاء على الرأس علما أن البعض يشدد على هذا، ورأيت بعض أهل العلم لا يضع شيئا على رأسه حتى في صلاة الجمعة؛ فهل هناك حديث أو قول يؤكد على وضع شيء على الرأس لمن يؤم الناس؟
نص الجواب
كنت أجبت عن هذا السؤال قبل تسع سنوات(1)، وفي هذه الأيام ورد علي السؤال نفسه فأعدت النظر فيه مؤصلا له من كتاب “دليل الإمام والخطيب والواعظ”(2) كما يلي:
الأصل في تغطية الرأس في الصلاة بالنسبة للرجل الجواز؛ لعدم وجود نص صحيح صريح فيه، ولأن الرأس ليس من العورة؛ ولكن تغطيته بالسبة للإمام الراتب ينبغي أن يبحث من ناحيتين:
1) من الناحية الفقهية؛ فأداء الصلاة مع كشف الرأس مكروه عند جمهور علماء المذاهب الأربعة؛ قال اللخمي من المالكية: “وليس بحسن أن يصلي (المصلي) حاسر الرأس وإن كان وحده”(3)، وقال الشرنبلالي الحنفي: “يكره للمصلي… الصلاة في ثياب البذلة ومكشوف الرأس إلا للتذلل والتضرع”(4)، وقال الدمياطي الشافعي: “وكره كشف رأس ومنكب؛ لأن السنة التجمل في صلاته بتغطية رأسه وبدنه”(5)، وقال ابن تيمية: “قال ابن عمر لغلامه نافع لما رآه يصلي حاسرا: أرأيت لو خرجت إلى الناس كنت تخرج هكذا؟ قال: لا. قال: فالله أحق من يتجمل له”(6).
2) الناحية العرفية؛ يعتبر اللباس عموما من العادات والتقاليد بشرط أن يكون ساترا للعورة؛ والرأس بالنسبة للرجل ليس عورة؛ ولكن إذا أراد المسلم أن يصلي فالمطلوب منه أن يتهيأ لها بأحسن الألبسة وخصوصا في المساجد، ولا سيما إذا كان إماما راتبا؛ لقوله تعالى: {يَٰبَنِيٓ ءَادَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمۡ عِندَ كُلِّ مَسۡجِدٖ}(7)؛ وجمالية الألبسة تخضع للعرف؛ فما كان زينة عند قوم قد لا يكون كذلك عند آخرين؛ فإذا كان العرف في بلد يستهجن كشف الرأس بالنسبة للرجال بصفة عامة مثل بعض الدول في الخليج، أو بالنسبة للإمام الراتب في المغرب؛ فإن الأفضل تغطية الرأس أخذا بالزينة واستكمالا لجمالية اللباس الذي أمر به الله تعالى، وأما إذا كان في بلد ليس من عادتهم تغطية الرأس فلا بأس عليه في كشفه.
وبالنسبة للأئمة عندنا في المغرب؛ فقد جاء في كتاب “دليل الإمام والخطيب والواعظ” ما نصه: “الخطيب مدعو للتزيين باللباس المغربي الأصيل، مما مضى عليه فقهاء المغرب قرونا؛ من ارتداء الجلباب المغربي والسلهام كليهما بلون البياض، ومنذ القديم اعتبر العلماء مخالفة عرف البلد في اللباس من خوارم المروءة…؛ وقد ظن البعض خطأ أن اللباس بصورته الشرقية هو لباس السنة؛ فتزينوا به في المغرب اتباعا -في ظنهم- للسنة! وإنما هي في الحقيقة ألبسة قومية خليجية أو باكستانية أو أفغانية، ولا علاقة لها بالسنة”(8) ؛ كما أكد أيضا على وجوب محافظة الإمام على تحسين المنظر وجمالية الهندام والالتزام بالزي المغربي من الجلباب والسلهام في أكثر من موضع(9).
ويجب التنبيه هنا إلى أن دليل الإمام ركز على الالتزام بأمرين: الجلباب المغربي والسلهام:
أما الجلباب المغربي؛ فهو لباس يغطي جميع الجسد ما عدا الوجه والكفين والقدمين، ويعرف بـ “الجلابية” ويغطي كذلك الرأس بما يسمي عندنا بالدارجة المغربية “القُبُّ” أو “أقلمون” بالأمازيغية، وفي اللغة الفصحى “القُبَّعُ” مشتق من قبع الرجل قبوعا: إذا أدخل رأسه في قميصة(10)؛ ولعل المغاربة رخموه وحذفوا آخره فأطلقوا عليه “القُبُّ”؛ والترخيم يجوز في غير النداء للضرورة(11).
فلو لم يكن تغطية الرأس هنا مقصودا لاكتفى “دليل الإمام” بذكر القميص أو ما يسمى “الفوقية”؛ إذن المطلوب من ذكر الجلباب تغطية الرأس بالقُبَّع: (القُبُّ أو أقلمون).
أما السلهام؛ فله حكم الرداء وهو مستحب عند المالكية، وترك المستحب مكروه؛ قال الشيخ الدردير: “وندب الرداء لكل مصل ولو نافلة…، وهو ما يلقيه على عاتقيه وبين كتفه فوق ثوبه، وطوله ستة أذرع وعرضه ثلاثة، وتأكد لائمة المساجد، ففذُّها، فأئمة غيرها”(12).
ودليله ما روى البخاري عن أبي هريرةرضي الله عنه: قال: قال رسول اللهﷺ: «لا يُصَلِّ أحدُكم في الثوب الواحد ليس على عاتقه(13) منه شيء»(14).
ويستثنى من هذا حالات منها: حالة الإحرام بالحج أو العمرة، وحالة العجز؛ إما لمرض مانع من تغطية الرأس، أو لعدم وجود ما يغطي به المصلي رأسه.
الخلاصة
تغطية الرأس في الصلاة مستحب في حق كل مصل؛ فذا كان أو مأموما أو إماما، وهو للإمام غير الراتب مؤكد، وللإمام الراتب آكد؛ وصلاته بالناس حاسر الرأس مكروه عند جمهور المذاهب الأربعة؛ بل “ليس بحسن… وإن كان وحده” كما سبق عن الإمام اللخمي، ولا يكفي تغطية الرأس بالطربوش أو الطاقية أو القلنسوة أثناء الصلاة؛ لسببين:
الأول: لأن الطربوش -ومثله القلنسوة- من الألبسة الوافدة والعادات المستوردة، وهي في الحقيقة ألبسة قومية لبلدان معينة، ولا علاقة لها بالسنة كما سبق في دليل الإمام.
الثاني: أن الطربوش -ومثله القلنسوة- لا يغطي كل الرأس؛ وإنما يغطي جزءا منه فقط؛ ولهذا فالصلاة به بناء على ما جاء في دليل الإمام قد يكون من خوارم المروءة.
والله أعلم وهو سبحانه الموفق للصواب.
الهامش:
(1) بتاريخ: يوم الأحد (16 ربيع الأخير 1435هـ 16/2/ 2014م)، والجواب منشور في كتاب الأجوبة والفتاوى التي جمعها ورتبها وطبعها الأستاذ إبراهيم الكابوس: (1/247): الجواب (رقم: 56).
(2) “دليل الإمام والخطيب والواعظ” كتاب أعدته وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية مع المجلس العلمي الأعلى ليكون بمثابة خارطة الطريق بالنسبة للأئمة في المغرب، نشر (عام 1427ه2006م).
(3) التبصرة للخمي: (1/299).
(4) إعانة الطالبين على حل ألفاظ فتح المعين للدمياطي: (1/ 226)
(5) نور الإيضاح ونجاة الأرواح في الفقه الحنفي للشرنبلالي (ص73)
(6) ذكره ابن تيمية في الفتاوى: (22/117) دون عزوه لمصدر، ولم أقف عليه في كتب الحديث التي رجعت إليها. والله أعلم.
(7) سورة الأعراف: (الآية 29).
(8) دليل الإمام والخطيب والواعظ: (ص: 147 و148).
(9) انظر مثلا: (ص: 175 و179) من دليل الإمام والخطيب والواعظ
(10) الصحاح للجوهري: (3/1260).
(11) قال ابن مالك:
وَلاِضْطِرَارٍ رَخَّمُوا دُونَ النِدَا * مَا لِلنَّدَا يَصْلُحُ نَحْوُ أَحْمَدَا
ومن ذلك قول الشاعر :
لَنِعْمَ الفَتَى تَعْشُو إلى ضَوْءِ نَارِهِ * طَرِيفُ بنُ مَالٍ لَيْلَةَ الْجُوعِ والْخَصَرْ
فقد رخَّم الشاعر قوله (مالِ) وأصله (مالك) في غير النداء لضرورة الشعر (شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك: 3/293)؛ فإذا جاز الترخيم في اللغة الفصحى من أجل ضرورة الشعر؛ فمن باب أولى وأحرى أن يجوز من أجل ضرورة اللهجات المحلية (الدراجة) التي لم ترتق إلى مستوى اللغة الفصحى.
(12) الدردير في الشرح الكبير: (1/249 – 250).
(13) العاتق: موضع الرداء من المنكب أو بين العنق والمنكب يذكر ويؤنث. مختار الصحاح للرازي: (ص199).
(14) صحيح البخاري: كتاب الصلاة: باب إذا صلى في الثوب الواحد فليجعل على عاتقيه: (رقم 359)، وصحيح مسلم: كتاب الصلاة: باب الصلاة في ثوب واحد وصفة لبسه: (رقم 516).