منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

هل يجوز قصد قبر النبيﷺ في السفر إلى زيارة المدينة المنورة؟| سلسلة يسألونك

الشيخ عبد الله بنطاهر التناني السوسي

0

هل يجوز قصد قبر النبيﷺ في السفر إلى زيارة المدينة المنورة؟| سلسلة يسألونك

الشيخ عبد الله بنطاهر التناني السوسي

نص السؤال

سائل يسأل: أردت أن أعتمر هذه الأيام فقال لي أحد الإخوة من السلفيين: إياك أن تقصد بسفرك هذا قبر الرسولﷺ فإن قصده شرك، وعليك أن تقصد المسجد النبوي، ثم إذا وصلت لا بأس بزيارة قبرهﷺ دون أن تنشئ له سفرا في نيتك؛ فهل هذا الأمر صحيح؟ أفيدوني جزاك الله خيرا.

نص الجواب وبالله التوفيق

ينبغي لمن تفضل الله عليه بالذهاب إلى المدينة النبوية أن يبادر بزيارة المسجد النبوي الشريف وبزيارة القبر الشريف، للسلام على الحبيب المصطفىﷺ؛ لما روى البخاري ومسلم أن النبيﷺ قال: «لا تُشَدُّ الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجدي هذا، والمسجد الحرام، والمسجد الأقصى» وفي رواية الإمام مالك في الموطإ: «لا تُعْمَلُ الْـمَطِيُّ إلا إلى ثلاثة مساجد:…»(1)؛ ومعنى شد الرحال وإعمال الْـمَطِيِّ هو السفر؛ والقصد في السفر إلى المدينة المنورة ينقسم إلى ثلاثة أقسام:

القسم الأول: أعلاها وأفضلها قصد زيارة القبر الشريف مع قصد المسجد النبوي

وله ثلاث مستويات: إما أن يكون قصد القبر أقوى عند المسافر وهو الأولى، وإما أن يكون قصد المسجد أقوى وهو خلاف الأولى، وإما أن يستوي عنده القصدان وهو الأوسط.

وقد اتخذ الإمام النووي هذا الحديث دليلا على قصد زيارة الرسولﷺ في قبره؛ لأن المسجد النبوي وقبر الرسولﷺ متلازمان في ضمير المؤمنين، فقال: “يستحب للزائر أن ينوي مع زيارتهﷺ التقرب إلى الله تعالى بالمسافرة إلى مسجدهﷺ والصلاة فيه”(2).

وقال أيضا: “اعلم أن زيارة قبر الرسولﷺ من أهم القربات وأنجح المساعي، فإذا انصرف الحجاج والمعتمرون من مكة استحب لهم استحبابا متأكدا أن يتوجهوا إلى المدينة لزيارتهﷺ، وينوي الزائر من الزيارة التقرب وشد الرحال إليه (أي: مسجدهﷺ) والصلاة فيه”(3).

القسم الثاني: قصد المسجد النبوي دون قصد القبر الشريف

وهو من سوء الأدب مع الحبيب المصطفىﷺ لا يأخذ به إلا من لم يتذوق حلاوة محبة الحبيبﷺ، وبهذا يقول أكثر من يسمون أنفسهم اليوم السلفيين وهم أبعد ما يكونون عن السلف الصالح في هذا؛ وكتبهم حافلة بهذه العبارة: “السفر بقصد زيارة قبر النبيﷺ غير مشروع أو شرك، وإنما المشروع السفر إلى مسجده للصلاة فيه فإذا وصل المسجد فحينئذ تكون زيارة مسنونة”.

القسم الثالث: قصد القبر الشريف دون قصد المسجد النبوي

في هذا اضطرب قول الإمام ابن تيمية رحمه الله:

فمرة يقول: “فلا يقصد السفرَ إلى القبر دون المسجد إلا جاهل أو كافر”(4)؛ وهذا فتح به بابا يستغله كل من ابتلي بتكفير المسلمين اليوم.

ومرة يقول: “فإذا كان مقصوده بإعمال الْـمَطِيِّ زيارةَ قبرهﷺ، أو قبور أهل البقيع، أو شهداء أحد، أو مسجد قباء، فهو منهي عن هذا السفر، وما كان منهيًّا عنه لم يكن قربة”(5).

ومرة أخرى يقول: “وأما إذا كان قصدُه بالسفر زيارة قبر النبيﷺ دون الصلاة في مسجده؛ فهذه المسألة فيها خلاف، فالذي عليه الأئمة وأكثر العلماء أن هذا غير مشروع ولا مأمور به”(6).

فالمسألة عنده -رحمه الله- تارة من عمل الجاهل والكافر المنهي عنه، وتارة فيها خلاف؛ فكيف تكون من عمل الكافر ثم فيها خلاف؟

قال النووي: “اختلف العلماء في شد الرحال وإعمال المطي إلى غير المساجد الثلاثة كالذهاب إلى قبور الصالحين وإلى المواضع الفاضلة، ونحو ذلك؛ فقال الشيخ أبو محمد الجويني من أصحابنا: هو حرام، وهو الذي أشار القاضي عياض إلى اختياره، وذلك غلط؛ والصحيح عند أصحابنا وهو الذي اختاره إمام الحرمين والمحققون: أنه لا يحرم ولا يكره؛ قالوا: والمراد أن الفضيلة التامة إنما هي في شد الرحال إلى هذه الثلاثة خاصة”(7).

والكلام الذي رد عليه النووي هنا هو ما جاء في “إكمال المعلم” للقاضي عياض أنه قال: “في هذا الحديث تعظيم هذه المساجد وخصوصها بشد الرحال إليها، ولأنها مساجد الأنبياء، ولفضل الصلاة فيها، وتضعيف أجرها، ولزوم ذلك لمن نذره، بخلاف غيرها مما لا يلزم ولا يباح بشد الرحال إليها؛ لا لناذر، ولا لمتطوع للنهى عن إعمال المطى لغير المساجد الثلاثة”(8).

الخلاصة

أن الحق هنا مع الإمام النووي؛ لأن المسجد النبوي لم يكن له هذا الفضل إلا بالنبيﷺ؛ فلو فرضنا أن هجرتهﷺ إلى الطائف قد تمت ونجحت لكان مسجده النبوي في الطائف، ولبقيت المدينة باسمها القديم “يتريب”؛ ولهذا لا يصح أن يكون قصد المسجد النبوي بشد الرحال بدون قصد زيارة قبر النبيﷺ وصاحبيه في ذلك؛ لأن فضل المسجد إنما كان بسببهﷺ؛ بل فضل المدينة المنورة بكل ما فيها ومن فيها؛ من الروضة الشريفة، ومسجد قباء، ومقبرة البقيع، وجبل أُحُد وغيرها سببه هو الحبيب المصطفىﷺ؛ بل لا فضل لأحد من الصحابة المهاجرين والأنصار بعد الله تعالى إلا من فضل الحبيب المصطفىﷺ.
وهذا ما أدين الله تعالى به وأقصده في زياراتي المتكررة على مدى ثلاثين سنة لقبر الحبيب المصطفىﷺ، والحمد لله رب العالمين.
هذا فإن أصبت فمن الله، وإن أخطأت فسبحان الله.


الهامـــــش:

(1) الموطأ: كتاب الجمعة: باب ما جاء في الساعة التي في يوم الْجمعة: 1/ 109، والبخاري: كتاب التطوع: باب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة: 2/60، ومسلم: كتاب الحج: باب لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: 2/1014.

(2) الإيضاح للنووي مع شرحه الإفصاح، ص: 447.

(3) المجموع للنووي: 8/201.

(4) انظر: كتابه “الإخنائية” أو “الرد على الإخنائي”: ص: 132.

(5) انظر: فتاواه الكبرى: 5/ 148.

(6) انظر: كتابه “الفرق بين عبادات أهل الإسلام والإيمان وعبادات أهل الشرك والنفاق”: ص: 96.

(7) شرح مسلم للنووي: 9/106 و168.

(8) إكمال المعلم للقاضي عياض: 4/449.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.