منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

نشأة علم مقاصد الشريعة وأبرز مؤلفاتها

محمد عتو

0

نشأة علم مقاصد الشريعة وأبرز مؤلفاتها

الباحث: محمد عتو

1:تاريخ النشأة

“نشأت المقاصد بوجود الإسلام و بعثة النبي صلى الله عليه و سلم”

نشأت المقاصد الشرعية مع نشأة الأحكام الشرعية نفسها، أي: أن المقاصد كانت بدايتها مع بداية نزول الوحي على النبي عليه الصلاة و السلام، فقد كانت مبثوثة في نصوص الكتاب و السنة متظمنة في أحكامها و تعاليمها بتفاوت من حيث التصريح بها أو الإماء أو الإشارة إليها.

نشأت المقاصد مع نزول الوحي لكن لم يكن لها إفراد وإظهار لها على مستوى التأليف و التدوين، أو جعلها علما مستقلا. وإنما كان السلف يستحضرون هذه المقاصد في أذهانهم عند الإجتهاد و النظر في الأحكام. وعلم مقاصد الشريعة له تعلق بعلم أصول الفقه و بعلم قواعد الفقه فهو جزء منهما.

و يعرف علم مقاصد الشريعة بأنه: الحكم والغايات التي تسعى الشريعة إلى تحقيقها من خلال الأحكام الشرعية. قال الشاطبي رحمه الله: “الشارع وضع الشريعة على إعتبار المصالح باتفاق”. (الموافقات 139⁄1).

والحديث عن نشأة مقاصد الشريعة يدعونا للكلام على أربعة محاور:

المحور الاول: فترة نزول الوحي والعهد النبوي الشريف

من أوضح الأدلة على أن المقاصد بدأت مع نزول الوحي قوله تعالى (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين).

وفي القرآن الكريم، نجد تعليل الله عز وجل للأحكام وأسبابها، مما يظهر المقاصد الشرعية. على سبيل المثال، في قوله تعالى (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِير)ٌ الحج: 39. نرى في هذه الآية الكريمة أهمية الحفاظ على الدين و المؤمنين و الإذن بالقتال لأنهم ظلموا وأخرجوا من ديارهم بغير حق.

﴿ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا ﴾ (الاحزاب: 37)  وفي هذه الآية رفع الحرج في المجتمع المسلم من التبني.

إن النصوص القرآنية الدالة على تعليل الأحكام كثيرة، ولو كانت الأحكام غير معللة لكانت لهوا وعبثا، وهو منزه عن ذلك سبحانه وتعالى القائل: (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاء وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِين )َ.

والقرآن يشير الى المقاصد بالصيغ الآتية: إما بلفظ الإرادة، كما في قول تعالى: (يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ اللّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُون) البقرة 185.  قال الإمام الطبري في هذه الآية: يريد الله بكم  _أيها المؤمنون_التخفيف عليكم لعلمه بمشقة ذلك عليكم في مثل هذه الأحوال.

وصيغ التعليل كثيرة منها: كي، لام التعليل، كقوله تعالى: (لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُور)الحديد 23

وباءالسببية قوله تعالى : ﴿فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَات أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ اللّهِ كَثِيراً )النساء: 160 قال القرطبي في هذه الآية: وقدم الظلم على التحريم إذ هو الغرض الذي قصدإلى الإخبار عنه بأنه سبب التحريم.

التعليل في قول الله تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاس بِمَا أَرَاكَ اللّهُ وَلاَ تَكُن لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيماً ) النساء: 105. فعلة إنزال الكتاب هو الحكم بين الناس بشرع الله.

عن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه: أنه خطب امرأة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (انظر إليها؛ فإنه أحرى أن يؤدم بينكما). فالعلة من النظر هنا تحقيق مقاصد الزواج المتمثلة في الدوام والاستقرار.

وقوله صلى الله عليه وسلم لعائشة رضي الله عنها: (لولا أن قومك حديثو عهد بشِرك، لبنيت الكعبة على قواعد إبراهيم). والعلة في عدم بناء الكعبة هنا هي: حفظ الدين الذي لا يستقيم مع إعادة بناء الكعبة.

المحور الثاني: فترة زمن الصحابة بعد انقطاع الوحي

ظهرت المقاصد كإرهاصات في عصر الصحابة رضي الله عنهم في الفهم و الإستنباط و إيجاد الحلول للمشكلات الجديدة الطارئة. وذلك مثل:

  • كقتال أبي بكر رضي الله عنه لمانعي الزكاة في قوله: (والله لو منعوني عناقًا كانو يؤدونها لرسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم عليه). والمقصد من قول وفعل أبي بكر رضي الله عنه – ذلك – هو بناء على مقصد المحافظة على استقرار الدولة الإسلامية.
  • جمع القرآن في عهد أبي بكر رضي الله عنه: بناء على مقصد حفظ الدين الإسلامي بحفظ مصدره.
  • ميراث المطلقة في عهد عثمان رضي الله عنه: في امرأة عبدالرحمن بن عوف رضي الله عنه التي طلقها قبل موته: بناء على مقصد المحافظة على مقاصد الميراث التي يمكن أن يحتال المطلق لعدم وقوعها بفراره من توريث زوجته.
  • تضمين الصناع: في عهد علي رضي الله عنه: بناءً على مقصد المحافظة على المال.

وهكذا نرى أن الصحابة رضي الله عنهم فهموا المقاصد واستعملوها في عصرهم، يقول ابن القيم: (وقد كان الصحابة أفهم الأمة بمراد نبيهم، وأتبع له، وإنما كانوا يدندنون حول معرفة مراده ومقصوده)

المحور الثالث: فترة بداية التأليف في علم المقاصد

في عصر المذاهب الإسلامية كان علم المقاصد مبثوثا تحت الكلام على مصطلحات العلة والحكمة، والمصلحة والمعنى والمغزى، ومراد الشارع وأسرار الشريعة، والقياس والإستصلاح، وسد الذرائع قبل أن يتبلور تحت هذا اللقب ( علم المقاصد).

ونجد أول من تكلم و ألف في علم المقاصد هو محمد بن علي الشاشي المشهور بالقفال، المتوفى سنة (365ه). الذي تكلم عن مسألة التعليل في كتابه “محاسن الشريعة” وكتابه هذا لايزال محفوظا، حقق جزء منه العالم الجزائري الباحث في علم المقاصد الدكتور محمد السليماني( 1412 هج 1992ميلادية).

وبالتالي كان القفال من أوائل المتحدثين عن التعليل باطناب.

ويأتي إمام الحرمين أبو المعالي عبد الملك بن عبد الله بن يوسف ( 419هج/478هج) من كبار علماء الشافعية صاحب الكتابين المهمين :(البرهان في أصول الفقه وغياث الأمم في التياث الظلم). ثم كتاب مقاصد الصلاة للحكيم الترمذي. وأول من ألف وشرح مقاصد الشريعة في كتب أصول الفقه هو إمام الحرمين الجويني في كتاب (البرهان في أصول الفقه).

 ثم الإمام أبو حامد الغزالي، ذكر المقاصد في كتبه (المستصفى – شفاء الغليل – الكبائر).

 ثم الإمام فخر الدين الرازي في كتابه (المحصول)، ثم جاء الإمام الآمدي في كتابه (الأحكام).

 والعز بن عبدالسلام في كتابه: (قواعد الأحكام في مصالح الأنام) وكتابه: (القواعد الصغرى)، أو (الفوائد في اختصار المقاصد).

والإمام القرافي في كتابه (الفروق)، والإمام الطوفي في كتابه: (التعيين في شرح الأربعين).

 و جاء الإمام الشاطبي، وهو المؤسس والمنظر لها، والذي شهرها، وجعل لها كيانًا مستقلًّا، وعلمًا بارزًا، في كتابه: (الموافقات في أصول الشريعة) وهو العمدة في مقاصد الشريعة.

المحور الرابع: فترة العصر الحديث بعد طول ركود.

يقول العتيبي: بعدما أصاب المقاصد ركود بعد العالم الجليل صاحب قرطبة .بعث الله العالم الجليل محمد الطاهر بن عاشور المتوفى سنة 1393ه الذي ألف كتابا سماه “مقاصد الشريعة الإسلامية” ركز فيها على المقاصد العامة و التي تتعلق بالمعاملات.

ثم كتب في المقاصد الشيخ محمد علال الفاسي المتوفى سنة 1394 ه كتابا سماه مقاصد الشريعة ومكارمها.

2:أهم المؤلفات في علم المقاصد

  • كتاب: محاسن الشريعة للقفال الشاشي سنة 365هج.
  • كتاب: البرهان في أصول الفقه و كتاب غياث الأمم في الدياث الظلم لأبي المعالي عبد الملك بن عبد الله.
  • كتاب: المستصفى و كتاب شفاء الغليل في بيان الشبه و المخيل ومسائل التعليل لأبي حامد الغزالي.
  • كتاب: قواعد الأحكام في مصالح الأنام لسلطان العلماء العز بن عبد السلام.
  • كتاب: الفروق للقرافي المالكي أبو العباس أحمد بن إدريس.
  • كتاب: الموافقات للشاطبي أبو إسحاق إبراهيم بن موسى الغرناطي.
  • كتاب: مقاصد الشريعة لمحمد الطاهر بن عاشور.
  • كتاب: مقاصد الشريعة الإسلامية لعلال الفاسي.

ومن أهم الفوائد التي يذكرها العلماء لعلوم مقاصد الشريعة منها ما يخص الفقيه والمفتي والقاضي، ومنها ما يخص العامة.

أولا: تعين المقاصد الفقيه على الإستنباط وتحديد المراد من خلال فهم النص والغاية من تشريعه.

ثانيا: تبعدك عن التعصب المذهبي وتخفف حدة الاختلافات بين الفقهاء.

ثالثا: دفع التعارض بين الأقوال ومراعاة المصلحة عند الأخذ بالنص.

رابعا: تعين القاضي والفقيه و الحاكم والداعية والمعلم على أداء أعمالهم وفق مراد الشارع و ليس على وفق ظاهر النص فقط.

أما من حيث فوائدها لعامة الناس فلكونها:

  • تزيد الإيمان واليقين بنعرفة المقصد من التشريع.
  • تزيد سرعة الامتثال للحكم.
  • تزيد قناعة الإنسان بصحة الإسلام.

وأخيرا:

أنشأ مركز الدراسات مقاصد الشريعة الإسلامية – تابع لمؤسسة الفرقان بلندن عام 2006 م – ضم نخبة من العلماء المهتمين بمقاصد الشريعة، على رأسهم: د/ يوسف القرضاوي، د/ محمد سليم العوا، الشيخ/ أحمد زكي يماني، د/ محمد وهبة الزحيلي، د/ أحمد يوسف سليمان، د/ عبدالله بن بيه، د/ سيف الدين عبدالفتاح، د/ أحمد الريسوني، د/ أحمد حسون، الشيخ/ فيصل مولوي، د/ عصام البشير، د/ محمد كمال الدين إمام، وافتتح كذلك أقسام خاصة بدراسة مقاصد الشريعة الإسلامية بقسم الدراسات العليا بالكليات الشرعية، خاصة في بلاد المغرب الغربي.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.