الرباط إعداد لأقوى معركة في حياة الإنسان |سلسلة خطبة الجمعة
الأستاذ بن سالم باهشام
الرباط إعداد لأقوى معركة في حياة الإنسان |سلسلة خطبة الجمعة
بقلم: الأستاذ بن سالم باهشام
عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين
عباد الله، يقول تعالى في ختام سورة آل عمران: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) [آل عمران: 200]، من معاني الرباط ما جاء في لسان العرب لابن منظور: (الإِقامةُ على جِهادِ العدوِّ بالحرب، و ارتِباطُ الخيل و إِعْدادُها، فشبَّه ما ذكر من الأَفعال الصالحة به، قال القتيبيّ: أَصل المُرابَطةِ، أَن يَرْبطَ الفَرِيقانِ خيولهما في ثَغْرٍ، كلٌّ منهما مُعِدّ لصاحبه، فسمي المُقامُ في الثُّغور رِباطاً، و منه قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه: “فذلكم الرِّباطُ”، أَي أَنَّ المُواظبةَ على الطهارة و الصلاة، كالجهاد في سبيل اللّه، فيكون الرِّباطُ مصدرَ رابطْتُ أَي لازمت، و قيل: هو هاهنا اسم لما يُرْبَطُ به الشيء أَي يُشَدُّ، يعني أَنَّ هذه الخِلال، تَرْبِطُ صاحبها عن المعاصي و تكفُّه عن المحارم ( [لسان العرب ،ج7 ،ص302].
وجاء في كتاب العين، الرباط: (ملازمة ثغر العدو، والمداومة على الشيء… ) [العین، ج7 ، ص422]، وقال الخليل بن أحمد الفراهدي – أحد أئمة اللغة وثقاتها – : الرباط ملازمة الثغور، ومواظبة الصلاة أيضًا، فقد حصل أن انتظار الصلاة رباط لُغَوي حقيقة، كما قال – صلى الله عليه وسلم -، وأكثر من ذلك ما قاله الشيباني أنه يقال: ماء مترابط؛ أي: دائم لا ينزح – حكاه ابن فارس -، وهو يقتضي تعدية الرباط لغة إلى غير ما ذكرنا؛ فإن المرابطة عند العرب: العقد على الشيء حتى لا ينحلَّ، فيعود إلى ما كان صبر عنه، فيحبس القلب على النية الحسنة، والجسم على فعل الطاعة، ومن أعظمها وأهمها ارتباط الخيل في سبيل الله، وارتباط النفس على الصلوات. وهكذا يجمع معنى الرباط في اللغة وكذا في الشرع، بين الجانب الإحساني المتعلق بالنفس وتزكيتها، والجانب العدلي المتعلق بالحفاظ على الثغور وصد عدوان العدو، وحقن دماء المسلمين.
عباد الله، يقول تعالى في سورة النحل: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ؛ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) [النحل: 90]، والعدل الذي أمر الله به هو صلب الدين، وحوله تطيف هموم المسلمين، وبه بعث الله الرسل والنبيين عليهم السلام، وهو عماد العمران، وبدونه يكون عمل المسلمين اضطراباً عقيماً على وجه الأحداث، وعملاً غير صالح بمعيار القرآن. ولله ة العالمي لعلماء المسلمينة لها على الاستقلال تاصوري اط بمعناه العدلي واالمعنى الأول للرباط المتعلق بالجانب العدلي هو (ملازمة ثَغْرِ العدوّ، كأنّهم قد رُبِطوا هناك فثَبَتوا به ولازَموه)، [ معجم مقاییس اللغة، ج2 ، ص478). والثغور هي الأماكن التي يُخاف على أهلها من أعداء الإسلام، والمرابط هو المقيم فيها، المعِد نفسه للجهاد في سبيل الله، والدفاع عن دينه، وإخوانه المسلمين. هذا معنى من معاني الرباط، وقد شرع الله تعالى الرباط في سبيله، وحراسة الثغور، حتى لا يؤتى المسلمون من قبل عدوهم وهم على غفلة من أمرهم، وحتى يتم ردع كل من تسول له نفسه قتال المسلمين، فيعلم أنهم متيقظون له، وليسوا بغافلين عنه، وأنهم يعلمون ما يدور حولهم، فما غُزي قوم في عقر دارهم إلا ذلوا. قال تعالى في سورة الأنفال: (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ، تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ ) [الأنفال: 60]، قال الأَزهري: (و أَصل الرِّبَاط من مَرَابِطِ الخيل، و هو ارْتِباطُها بِإِزاء العدوّ في بعض الثغورِ ( [لسان العرب ، ج7 ، ص 303]، ورباط الخيل هي الخَمْسُ فما فَوْقها [المحیط في اللغة ،ج9 ، ص168]. ورباط الخيل: (مكان تُربَّى فيه الخيل وتُهيَّأ للأغراض العسكريَّة ( [المنجد في اللغة العربیة المعاصرة ، ج1 ،ص527]. ويرتبط نظام المرابطة في الفكر الإسلامي بنظام الجهاد الذي يشكل سنام الإسلام، وإن لكل دولة فتية طرقها وأساليبها للحد من غارات الأعداء ومطامعهم، وقد ظهرت حاجة المسلمين إلى تحقيق هذا الهدف منذ عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، وعهد خلفائه الراشدين رضوان الله عليهم، ولذلك لا غرابة أن تكون الدولة الإسلامية في أيامها الأولى؛ محروسة بخطوط من الرباطات التي أصبحت تُرصّع ثغور المسلمين في البرّ والبحر.
عباد الله، أما الإحسان الذي أمر الله تعالى به في سورة النحل، هو الذي به تطمئن خطانا إلى الله تعالى، وخطواتنا في مواجهة الحقائق المرعبة في المجتمع، وبوجود الإحسان، لن ندعو أبداً إلى الحل الصراعي العنيف. والإحسان في العبادة؛ أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك، والإحسان في العمل إتقانه وإجادته، والإحسان في المعاملات أن تحسن إلى الناس؛ وقد كتب الله الإحسان على كل شيء عبادة كان أو عملا أو معاملة، كما جاء في الحديث الشريف، روى مسلم عن أبي يعلى شداد بن أوس رضي الله، عن عنه رسول الله ﷺ قال: (إن الله كتب الإحسان على كل شيء….) الحديث، [أخرجه مسلم، كتاب الصيد والذبائح وما يؤكل من الحيوان، باب الأمر بإحسان الذبح والقتل، وتحديد الشفرة (3/ 1548)، رقم (1955).]، ومجموع هذه الدلالات يعطينا مواصفات المؤمن الصالح في نفسه، وخلقه ، وتعامله مع المجتمع، ويعطينا الوصف المرغوب لعلاقات العبد بربه وبالناس وبالأشياء، ومن معاني الرباط في الجانب الإحساني، أنه . (يفيد لزوم ثغر القلب حتى لا يهجم عليه الشيطان فيملكه)، وقد تضمنه حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي رواه مسلم ، يقول فيه: (ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا، ويرفع به الدرجات؟” قالوا: بلى يا رسول الله، قال: “إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطى إلى المساجد وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط فذلكم الرباط”). [رواه مسلم (251)]، أي: الرباط المرغب فيه، وأصل الرباط، الحبس على الشيء؛ كأنه حبس نفسه على هذه الطاعة، والرباط هاهنا ملازمة المسجد لانتظار الصلاة بعد الصلاة، وذلك معروف في اللغة. قال ابن رجب: (وهذا أفضل من الجلوس قبل الصلاة لانتظارها، فإن الجالس لانتظار الصلاة ليؤديها ثم يذهب، تقصر مدة انتظاره، بخلاف من صلى صلاة ثم جلس ينتظر أخرى، فإن مدته تطول، فإن كان كلما صلّى صلاة جلس ينتظر ما بعدها، استغرق عمره بالطاعة، وكان ذلك بمنزلة الرباط في سبيل الله عز وجل). وفي مسند أحمد وسنن ابن ماجه عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال : (صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم المغرب، فرجع من رجع ، وعقب من عقب ، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم مسرعاً قد حَفَزه النفَس ، وقد حسر عن ركبته فقال : “أبشروا ! هذا ربكم قد فتح عليكم باباً من أبواب السماء يباهي بكم الملائكة، يقول : انظروا إلى عبادي قد قضوا فريضة وهم ينتظرون أخرى” ) [مسند أحمد ” (11/363) وصححه المحققون في طبعة مؤسسة الرسالة ]، وروى الإمام أحمد في المسند عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( منتظر الصلاة بعد الصلاة كفارس اشتد به فرسه في سبيل الله على كَشْحِهِ ، تُصلي عليه ملائكة الله ما لم يحدث أو يقوم ، وهو في الرباط الأكبر ) [ مسند أحمد ” (14/273) وحسنه المحققون في طبعة مؤسسة الرسالة]. ومعنى الكَشْح : أي الخَصْر. [انظر النهاية في غريب الأثر (4/319) لأبي السعادات المبارك بن محمد الجزري، تحقيق: طاهر أحمد الزاوى ومحمود محمد الطناحي، المكتبة العلمية – بيروت 1399هـ – 1979م.]، وروى الإمام أحمد في المسند عن عقبة بن عامر رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( القاعد يراعي الصلاة كالقانت، ويكتب من المصلين من حين يخرج من بيته حتى يرجع إليه )، وفي رواية لأحمد في المسند : (فإذا صلى في المسجد ثم قعد فيه كان كالصائم القانت حتى يرجع ) [مسند أحمد ” (28/648) وصححه محققو المسند ]، وفي هذا المعنى أحاديث كثيرة، وبالجملة؛ فالجلوس في المساجد للطاعات تلاوة للقرآن ودعاء وذكرا وطلبا للعلم…، له فضل عظيم . قال سعيد بن المسيب رحمه الله : (من جلس في المسجد، فإنما يجالس الله عز وجل)، وإنما كانت ملازمة المسجد للطاعات مكفرة للذنوب ؛ لأن فيها مجاهدة النفس، وكفّاً لها عن أهوائها ؛ فإنها لا تميل إلا إلى الانتشار في الأرض لابتغاء الكسب ؛ أو لمجالسة الناس، أو لمحادثتهم ، أو للتنزه في مواطن النزه، ونحو ذلك .فمن حبس نفسه في المساجد على الطاعة، فهو مرابط لها في سبيل الله، مخالف لهواها، وذلك من أفضل أنواع الصبر والجهاد .وهذا الجنس الذي يؤلم النفس ويخالف هواها، فيه كفارة للذنوب، وهو من نوع الجهاد في سبيل الله الذي يقتضي تكفير الذنوب كلها [ اختيار الأولى في شرح حديث اختصام الملأ الأعلى ” (ص/67-71)]
عباد الله، الرباط من الجانب الإحساني مناسبة لتجديد الإيمان، ومحطة للتزود والانجماع على الله تعالى، وتعميق المحبة له، ولرسوله ﷺ، ومدرسة تربوية تعليمية، يرتع المؤمن والمؤمنة في رياض الخير، ويستنبتان فيها أغراس الطاعات عكوفا على العبادة، وإلحاحا في الدعاء الذي هو مخ العبادة-، في صحبة في الله تعالى.
عباد الله، إن الرباط التربوي الإحساني، فرصة تدريبية على يوم المؤمن وليلته، ليتحقق الانتظام الإيماني بليل التبتل ونهار السبح، قال تعالى في سورة المزمل: (إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا * إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا *وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا) [المزمل: 6 – 8]
عباد الله، الرباط فرصة للتعمق في النفس، ومحاسبتها على ما قدمت في جنب الله، والتوبة والاستغفار، والندم والعزم على عدم العود، والإنابة والاستجابة بالفرض والنفل. وهذا شأن أهل البصائر عند مراجعة أنفسهم.
عباد الله، الرباط استجابة لنداء الصبر والمصابرة والمرابطة والتقوى من خلال قوله تعالى من سورة آل عمران: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) [آل عمران: 200]، اقتداء برسول الله ﷺ خيرِ من صبر نفسه مع الذين يريدون وجه الله، قال تعالى في سورة الكهف: (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا) [الكهف: 28]، إذ الصبرُ حبس النفس على الطاعة وعن المعصية، والرباطُ والمرابطة ملازمة ثغر العدو، والمواظبة على الأمر[ ابن منظور الإفريقي، لسان العرب، جذر ربط.]، وأساس الأمر الصلاة في وقتها، روى مسلم في صحيحه، عن أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: (أَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى مَا يَمْحُو اللهُ بِهِ الْخَطَايَا وَيَرْفَعُ بِهِ الدَّرَجاتِ؟ قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: إِسْبَاغُ الْوُضُوءِ عَلَى الْمَكَارِهِ، وَكَثْرَةُ الْخُطَا إِلَى الْمَسَاجِدِ، وَانْتِظَارُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ، فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ) [ أخرجه مسلم، كتاب الطهارة، باب فضل إسباغ الوضوء على المكاره، رقم: 251، واللفظ له. وابن حبان، كتاب الطهارة، باب فضل الوضوء؛ ذكر حط الخطايا ورفع الدرجات بإسباغ الوضوء على المكاره، رقم: 1038، وفيه: «فذلكم الرباط، فذلكم الرباط]، “يجد في ذلك المسلـمُ رَوْحَه وراحته، ومرتكَزَ أوقاته، وضابط ليله ونهاره، وناهيه عن الفحشاء والمنكر”[ عبد السلام ياسين، العدل، ط 1، 1420ه-2000م، ص 263.]، بل ترتفع به إلى بذل النفس في سبيل الله تجارة رابحة، لكون “الصلاة بداية الأمر ورأسه، تصعد بالرباط بين العبد وربه من مجرد أداء مراسيم العبودية ، إلى بذل المال والحياة في سبيل الله”[ المنهاج النبوي، الشركة العربية الإفريقية للنشر والتوزيع، ط 2، 1410ه-1989م، ص 444. ] لينتقل من الرباط إلى الإحساني إلى الرباط العدلي. فالرباط الإحساني، ليس هروبا من الواقع، أو إيثارا للعزلة والانزواء، بل هو محطة تربوية إيمانية للتزود بالتقوى، تورعا عن محارم الله، وتعظيما لشعائره، وتأهلا لجهاد التغيير والبناء. والذي هو الرباط العدلي.
عباد الله، الرباط الإحساني، تعميق لرابطة الحب في الله، و تعميق لرابطة الولاية الإيمانية بين المؤمنين، مجالسة لذكر الله المتعلق بالتطهير والتنوير والتعمير: ذكر الكلمة الطيبة “لا إلا إلا الله” والتي يتجدد بها الإيمان وتعمر بها القلوب، والصلاة على رسول الله ﷺ التي تتنور بها القلوب، والاستغفار بالأسحار المطهر للمضغة التي بصلاحها يصلح الجسد كله، والتسبيح بالغدو والآصال، والدعاء بأدعية التحصين الصباحية والمسائية، ومنافسة في تلاوة القرآن، والسور والآيات الفاضلة، وفي تعلم تحسين تلاوته، وفي حفظه، ومسارعة لجمعه وتحصيله وتعهده، ومدارسة لآيه، ومذاكرة في العلم النافع، وتذكرة بالمواعظ المحببة للخير وثوابه، والمنفرة من الشر وعقابه، في علاقة الإنسان بربه ونفسه وأسرته ومجتمعه وأمته والإنسانية جمعاء.
عباد الله، إن للرباط أثرا عظيما على القلب والعقل والسلوك، ففيه يتجدد الإيمان، و فيه تذاق حلاوته، وفيه تجدد التوبة، و فيه يعالج الفتور، وفيه تستأنِف النفسُ نشاطها في الطاعة، وفيه تتدرب على تثبيت الأعمال والمداومة عليها، ترويضا لها على الاستقامة، وتجديدا لعزمها على المحافظة على روح الرباط وأعماله خارجه.
عباد الله، إن من معاني الرباط، المحافظة والملازمة. وفي هذا تدريب على الخير لنفع الغير دعوة وتوجيها، وتربية وتعليما، وكسب الثقة والمحبة. والرباط في حضن التربية مرحلة تهييئية لتدريب الدعاة على بسط الوجه واليد، ومادة الرفق، وكلمة الخير، وبشارة الفرح على المجتمع قاطبة.
ووظيفة الجماعة الصغيرة التربوية المنظمة التي في حضنها يقام الرباط ببرنامج تربوي وعلمي محكم ودقيق، أن يسري هديها في المجتمع قاطبة، وأن تُحَبَّ مجالسها، ويُسعى إلى مسجدها، وتُقبل قيادتها [عبد السلام ياسين، محنة العقل المسلم، ط 1، 1994، ص 65 بتصرف.].
فيا عبد الله، طوبى لمن نفض عن نفسه غبار الغفلة، وحارب كسل نفسه، وشمّر للمرابطة صفا بجانب إخوته، وقوفا بباب مولاه، استغفارا من الزلات، وتعرضا للنفحات، واستمطارا للرحمات، واستجلابا للبركات، وتجديدا للعزمات، وتفريجا للأزمات.
عباد الله، إنهما معنيان متكاملان للرباط العدلي والإحساني، يكمل أحدهما الآخر، ومترابطان لا يغني أحدهما عن الآخر. ولذلك سمي رباطا، يتحقق فيه ربط النفس، وكبح الشهوات، والاستزادة في الطاعات ، بنية الجهاد والمجاهدة.
عباد الله، هذا ما جاء في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم عن الرباط بمعناه العدلي والإحساني، فكيف ننزل هذه النصوص الشرعية إلى أرض الواقع، والدول الإسلامية التي يجب أن تعتني بالجانب العدلي للرباط، قد جزأها المستعمر – قبل تسليمها الاستقلال الصوري – إلى دويلات أغلبها متعادية فيما بينها، تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى، والمساجد التي من المفروض أن تكون هي المحتضنة للرباط في جانبه الإحساني قد أممت، والأفواه قد كممت، وأحكام الله قد عطلت؟.
عباد الله، إنه لا يكفي أن نقول كلمتنا عن الرباط في جانبيه العدلي والإحساني ونمشي، ونعتقد أننا قد أدينا وجبنا، إنه لابد من إيجاد الكيان الجماعي المنظم، المنوط به التغيير، وإيجاد الأمة الخاصة، وسط الأمة، والتي قال تعالى في شأنها في سورة آل عمران: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ ) [آل عمران: 110]، ولنكن على يقين لا يلابسه شك ولا ارتياب، أنه لو أصبح المسلمون فردا فردا؛ على أتقى قلب رجل واحد منهم، ولو اجتهدوا في الأعمال الصالحة الفردية ما اجتهدوا، ثم لم يؤلفوا قوة اقتحامية جماعية منظمة تحت قيادة ربانية، لفاتهم فردا فردا درجة الجهاد، ثم لفات الأمة ما فاتهم، ولتردت الأمة بترديهم عن الدرجة العالية، ولتبدد حاضرها وضاع مستقبلها بتبدد إرادتهم وتشتتها.
عباد الله، إنه لابد أن يتخذ أسلوب للدعوة وفق اتجاه تربوي سياسي؛ يشمل الدعوة والدولة، والعدل والإحسان، ويركز على الفرد والأمة، والخلاص الفردي والجماعي، وأن يكون من أدبيات المسلمين، قانون التغيير الإلهي القائم على التربية، “فالتربية مقدمة الجهاد؛ وشرطه وأساسه، وبالتربية المتكاملة الشاملة العميقة، يصبح الإنسان هو الفاعل التاريخي الذي يؤثر فيما حوله، فالنضج الحركي ضروري، وإفشاء الشورى في الصف؛ وتكتيل الجهود بجمع الفصائل الإسلامية على المشروع، وضبط التنظيم وتطعيمه بالوعي السياسي، ودراسة الأوضاع القائمة، وبناء تحالفات مرحلية” [ حوار مع الفضلاء الديمقراطيين، لعبد السلام ياسين، ص 10].
عباد الله، “ليست العبرة أن نلتمس أقصر طريق للحكم الإسلامي، وأقصر طريق للترقي في مقامات الدين من إسلام لإيمان لإحسان، ولا أن نلتمس أضمن الوسائل رأي العين، فكل طريق غير المنهاج النبوي وهو السنة، وكل وسيلة لا يقبلها الشرع، أمور مرفوضة، العبرة أن نكتشف المنهاج النبوي في التربية، ذلك المنهاج الذي كان عملاً باهر النتائج، خرج من مدرسته كبار الصحابة رضي الله عنهم جمعوا بين العدل والإحسان”، وحتى تؤتي هذه الأعمال كلها أكلها وتجنى ثمارها، لابد من تجنب العنف في القول والعمل، على النفس وعلى الغير، لأن العنف والدعوة لا يجتمعان من جهة، وما انبنى على العنف لا يجنى منه خير، ولا يمكن أن يدوم، وخسارته محققة، وربحه بعيد الاحتمال من جهة، ونحن في زمن الفتنة، ينبغي أن يكون منطلقنا حقن الدماء، والعفو عن المسلمين. وأن نكون دعاة لا قضاة، نتوب وندعو غيرنا إلى التوبة.
عباد الله، إن الإنسان منذ ولادته إلى أن يموت، وهو في كبد ومشقة؛ قال تعالى في سورة البلد: (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ) [البلد: 4] ؛ أي مشقة؛ وحياة الإنسان كلها معارك يخوضها؛ لكن أقوى معركة في حياته، هي الثبات على الدين في زمن المتغيرات، حتى نلقى الله تعالى وهو عنا راض دون تبديل أو تغيير، أو حور بعد الكور؛ وهذا الثبات يحتاج مني ومنك إلى جهد وجهاد، وصبر ومصابرة ومرابطة، وكينونة مع الذين يريد وجه الله، ليوفقنا الله تعالى ويثبتنا؛ قال سبحانه في سورة العنكبوت: (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ) [العنكبوت : 69]. والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.