أسباب العنف اللفظي في الحوار
بقلم: د. سعيد حليم
مشكلة عظمى هاته التي ابتلينا بها. إذا وقع الخلاف بيننا في أمر علمي؛ بدل أن نتحاور بأدب وسماحة، وندبر الخلاف بالتي هي أحسن، و نحترم الرأي الآخر؛ يتهم بعضنا بعضا بالسفه، أو الفسق، وغير ذلك مما لا علاقة له بموضوع الخلاف.
ما الأسباب التي تجعلنا عندما نختلف، بدل تدبير الخلاف في إطار احترام الرأي الآخر، ننتقل للعنف اللفظي، وتخوين الآخر، وتفسيقه، والبحث في حياته الخاصة؟ لماذا عندما نريد أن نتحاور في أمر علمي أو في غيره من الأمور، لا ننطلق من المبدإ القائل:
رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ، يحتمل الصواب؟
- أسباب هذا الداء العضال. كثيرة ومتنوعة، يمكن أن نختزلها في العناصر الآتية:
السبب الأول: يرجع إلى طبيعة التربية التي نتلقاها في أسرنا. وعادة ما تكون هذه التربية في كثير من الحالات، مبنية على الأوامر من الكبير إلى الصغير، وعدم قبول السؤال، وعدم قبول الرأي الآخر، خصوصا إذا كان من الصغير سنا. وقد لا يقبل الرأي الأخر، ولو كان صاحبه كبير السن، إذا لم يكن هو رب الأسرة.
التربية الوالدية؛ لها أثر كبير في طبيعة شخصية الإنسان. فعندما تكون لأسرة ، تسمح بالحوار، وتقبل الاختلاف، وتشجع على احترام الغير؛ تكون النتيجة إيجابية جدا. والعكس صحيح؛ عندما يكون الحوار منعدما أو ضعيفا في الأسرة؛ تسود السلطوية، ويعلو الرأي الواحد، ويترسخ في البنية الفكرية والنفسية. فإذا كبر الصغير، كبر معه حب الذات، والتمسك بالرأي الواحد الوحيد.
وعندما تحل المشاكل بالعنف اللفظي أو الجسدي؛ ينتقل ذلك للأبناء؛ ليمارسوه في مسارهم، ويظهر ذلك في الوضعيات الحوارية، والممارسات الحياتية.
الكثير من أسباب الخلاف بين الأزواج؛ منشأها من تشبت كل واحد برأيه، وعدم القابلية للعيش المشترك؛ الذي يقتضي نوعا من التنازل عن بعض الاختايارت النرجسسية، والاستماع إلى الآخر، والاستفادة منه.
السبب الثاني: نسبة انتشار الديمقراطية في البلاد؛ سواء في الأحزاب السياسية، أو في مرافق الدولة، أو في جمعيات المجتمع المدني. كلما ترسخت مبادئ الديمقراطية في الشعب، وانتقلت من مجرد شعارات، إلى بنيات فكرية ونفسية؛ كان قبول الرأي الآخر منتشرا، وكان تدبير الخلاف سلسا وميسرا.
وكلما كانت الديمقراطية ضعيفة، أو لم تصل بعد إلى أن تنتقل إلى منهج تفكير، وسلوك يسلك في مختلف الوضعيات الحياتية؛ كان قبول الرأي الآخر صعبا، وكان كل واحد مزهوا برأيه، معرضا عن آراء غيره.
السبب الثالث: ضعف التربية على قبول الرأي الآخر في المدرسة. للأسف الشديد الشديد؛ لم تستطع المدرسة أن تنشئ المتعلمين على هذه القيمة الكبرى. ولذلك عندما نختلف، ترتفع أصواتنا، ويتهم بعضنا بعضا بالجهل، والبعد عن الطريق السوي. كل واحد منا يعتقد أنه مالك للحقيقة، وغيره على ضلال. منذ مدة يسيرة تحدث العلامة الفقيه الأصولي مولود السريري عن أمر عقدي؛ فاتهم بالجهل، ورمي بأقبح النعوت. والرجل جبل في العلم، لا يتحدث عن هوى. قد يخطئ، هذا وارد، لكن لا يمكن أن يرمى بالجهل. والمصيبة العظمى، عندما تجد من لا يستطيع أن يكتب صفحة واحدة، يتحدث في عالم، ويقوم أداءه، ويحكم عليه بالبعد عن الصواب.
السبب الرابع: الجهل بالقضية العلمية التي هي موضوع الخلاف. لو سكت الجهال، لقل الخلاف. عندما يكون الزاد العلمي ضعيفا هزيلا؛ فإن الزاد الذي يكون بديلا، هو الشدة، والصلف، وقلة الحياء، والفحش في الكلام، والسب، والشتم. رحم الله الإمام الشافعي، رضي الله عنه وأرضاه، فقد قال: ماحاورت عالما، إلا غلبته، وما حاورت جاهلا، إلا غلبني.
الجاهل يترك موضوع الخلاف، وينتقل إلى البحث بسوء نية، وخبت طويلة عن الأمور الشخصية لصاحب المقال، للكشف عن عيوبه؛ سواء الحقيقية، أو التي هي من صنع الجاهل كذبا وبهتانا.
السبب الخامس: التقليد الأعمى لفكر عالم، والاعتقاد أن ما قاله، كله حق، لا يأتيه الباطل من بين يديه، ولا من خلفه. وأن كل من خالفه، فهو على الضلالة، لا شك في ذلك ولا ريب.
انتشر التقليد الأعمى لبعض العلماء؛ حتى صارت أقوالهم كأنها الوحي المنزل. ولو رجع ذلك العالم إلى الحياة، لتبرأ ممن تبعه على غير علم. إذ القاعدة العامة المتفق عليها بين العلماء، أن كل واحد يؤخذ من رأيه، ويترك، إلا ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم. لا عصمة لأحد كيفما كان علمه، وكيفما كانت منزلته.
السبب السادس: ضعف التفكير النقدي في المناهج التربوية في مختلف الأطوار التعليمية. ينمط التفكير على أسلوب واحد، ولا يقبل السؤال، وقد يستهزأ بصاحبه، إذا أكثر من ذلك.
يركز المنهاج التربوي في الغالب على الشحن المعرفي، والحفظ، والاسترجاع. لا مجال للفهم، والمناقشة، والحوار، والاختلاف في الغالب. هنا يصير كل واحد منطويا على نفسه، مزهوا بنفسه، مفتخرا برأيه. فالرأي، رأي واحد، والنظر نظر واحد، والفهم فهم واحد. هنا تتضخم الأنا، ويصبح كل واحد يعتقد في نفسه الكمال. في المقابل، يعتقد كل واحد، النقص عند الآخر. فإذا ثار الخلاف في مسألة، تحجر كل واحد على رأيه، ونعت الآخر بالجهل.
السبب السابع: سوء النية من المخالف. إذا حاورت مخالفا لك، وكان يغلب عليه سوء الظن بالناس؛ فإنك مهما حاولت أن تبين حسن قصدك؛ فإن المخالف الزمين، لا يرى فيما تقول، إلا الجانب السيء، حتى وإن لم يخطر ببالك ما فهمه، ولم يجل ذلك في خاطرك.
السبب الثامن: البحث عن الشهرة، والقصد إلى الخلاف من باب: خالف، تعرف. هناك من يتتبع القضايا الخلافية، وينحو فيها نحوا مخالفا، فقط للشهرة، أو لخلاف قديم بينه وبين المخالف. قد يخالف مخالف، لأمر لا علاقة له بالقضية المعروضة للنقاش. حسابات قديمة، تظهر في مجال آخر لا علاقة بينهما نهائيا.
سأواصل مناقشة القضايا العلمية، والواقعية، حسب اجتهادي ونظري. فقد أصيب، وقد أخطئ. وحسبي أنني أجتهد، ولا أختار الكسل رفيقا.
الخلاف وارد، لكن لاحترام المتبادل واجب وضروري.
لن يرهبني أحد، ولن يسكتني إلا الموت. سيبقى لساني حرا طليقا، لا أخاف أحدا، ولا أجامل أحدا، ولا أخاف في الله لومة لائم.
سأبقى في هذا البساط الأزرق؛ حيا، نشيطا، مجتهدا، أدلي بدلوي فيما أحسنه وأعلمه، محترما غيري، أدبر الخلاف بآداب الحوار.
إذا أخطأت في أمر، سارعت إلى الاعتذار، والاعتراف بالخطأ. فعلى ذلك تربيت، وعلى هذا النهج نشأت.
أحسب نفسي طالب علم؛ لأن أغلب ساعات يومي في مكتبتي أتعلم، وأصحح عثراتي، وأجود أدائي، وأغني مكتسباتي.
أرجو من الله تعالى، أن يحشرني مع طلبة العلم. فبهم أفتخر، وبينهم أحد سعادتي، ووسطهم أشعر بمتعتي، وأحق سعادتي وسروري.
والحمد لله رب العالمين