الواجب العيني والواجب الكفائي
الواجب العيني والواجب الكفائي/ رشيد بغدادي
الواجب العيني والواجب الكفائي
بقلم: رشيد بغدادي
مقدمة
الواجب في علم أصول الفقه من الأحكام الشرعية التي عنى بها الشرع الحنيف تصريحا وتلميحا على وجه الإلزام. فالواجب هو أحد أقطاب تقسيم خطاب الشارع المتعلق بفعل المكلفين بالاقتضاء، كالواجب والمندوب والحرام والمكروه.
من أسماء الواجب: اللازم، والحتم، والمكتوب. للأصولي قواعد لغوية وعقلية وشرعية لكي يتوصل بها إلى استنباط الأحكام الشرعية العملية من أدلتها التفصيلية، كأن يستنبط الوجوب من فعل الأمر والمضارع المقترن بلام الأمر نحو قوله تعالى:“وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة “ وقوله تعالى:“لينفق ذو سعة من سعته “، وإما من المصدر النائب عن فعله مثل “فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب” أو من مادة الفعل وأساليب أخرى تدل في اللغة العربية على الطلب الجازم مثل “كتب عليكم الصيام” “ولله على الناس حج بيت الله”.
يختلف الواجب في مذهب الحنفية مع اختلاف ثبوت نوعية الدليل وما يترتب عليه من آثار، فهم يرون أن الفرض ما ثبت بدليل قطعي والواجب يثبت بدليل ظني. ولكن يتفق الفرض والواجب عندهم من حيث الجزم في طلب حصول كل منهما مع المنع من الترك.
إن الواجب لا يستنبطه إلا المجتهد العالم بأصول الفقه واللغة، يقول شهاب الدين القرافي عن هذا العلم: “فلو عدمه أي مجتهد، لم يكن مجتهدا قطعا. غاية ما في الأسباب أن الصحابة والتابعين رضي الله عنهم لم يكونوا يتخاطبون بهذه الاصطلاحات، أما المعاني فكانت عندهم قطعا. لذلك كان الواجب حكما أصيلا، الإتيان به لازم على مكلف يثاب فاعله ويعاقب تاركه ويكفر من أنكره إذا كان الدليل قطعيا. للواجب أربعة أقسام حسب اعتبارات مختلفة نص عليها الشارع، منها ماهو مرتبط بالوقت كالمطلق والمقيد أو اعتبارات تقديرية كالواجب المحدد وغير المحدد أو اعتبارات تعين المطلوب به كالواجب المبهم والمعين أو اعتبارات الملزم به كالواجب العيني والواجب الكفائي.
تعريف الواجب العيني والواجب الكفائي.
الواجب العيني هو ما أوجبه الله تعالى على كل مكلف بعينه كالصلاة والزكاة والحج والصوم ولا يسقط واجب الفاعل إذا أداه غيره.
قال البيضاوي في شرح الواجب العيني: “الذي يذم شرعا تاركه قصدا مطلقا”. وقال الجرجاني في التعريفات:” فرض العين ما يلزم كل واحد إقامته ولا يسقط عن البعض بإقامة البعض”.
أما الواجب الكفائي فيعرفه زكرياء الأنصاري في كتابه غاية الوصول شرح لب الأصول:” مهم يقصد حصوله جزما من غير نظر بالذات إلى فاعله.”
في التفريق بين الواجب العيني والكفائي عمل الطوفي على تفريقهما حسب الحقوق:
– حق خالص لله كالتوحيد والصلاة وهو الواجب العيني.
– حق خالص للعبد كالتملكات بالعقود وحكم تطبيق القصاص.
– حق مشترك بمعنى أن لله تعالى فيه طاعة خالصة وللعبد فيه مصلحة عامة، وهذا الحق يدخل ضمن الواجبات الكفائية.
تعلق الواجب العيني بالواجب الكفائي.
والمراد بقولهم “واجب على الجميع، أي على جميع المكلفين “ الجميع من حيث هو جميع لا على كل واحد منهم، يعني أن الواجب الكفائي لا يتعلق بكل شخص لذاته وإنما بتعلق بالمجموع يعني بصفة الواحد من المجموع.
قال الله تعالى: “كتب عليكم القتال” وقال الرسول صلى الله عيه وسلم “طلب العلم فريضة على كل مسلم”. اختلف العلماء في تحديد المخاطب الذي يتعين عليه التكليف في هاذين النصين حسب دلالات الألفاظ وصفة المخاطب بالتعيين.
- ذهب فريق من العلماء أن الخطاب عام يشمل جميع المكلفين دون تحديد فئة معينة فدلت النصوص على أن الوجوب معلق بالجميع.
- وذهب قسم آخر من الجمهور والفقهاء في أن الخطاب معلق ببعض من الجماعة المكلفة به ولا فارق معتبرا بين الجهاد والتعليم وغيرهما من الواجبات على الكفاية ومنه قوله تعالى:“وما كان المومنون لينفروا كافة”.
- وذهبت طائفة من الفقهاء إلى أن الخطاب متعلق ببعض من الجماعة هم المشاهدون للشيء محل الواجب وقالوا إن التكليف لا يصح إلا بما هو مقدور للمكلف. وتكليف الغافل عن الفعل تكليف بما هو غير مقدور كصلاة الجنازة واجبة على من جاور البيت أو علم به دون سائر المكلفين الذين لم يعلموا بذلك.
موانع وعوارض الواجب الكفائي.
يتفق الأصوليون على أن ترك الواجب من جميع المكلفين، يوجب تأثيم الجميع لأنهم فوتوا ما قصد من الفعل ويستثنى من الإثم من قام به مانع من موانع التكليف كالسفر، والاضطرار، والجهل والخطأ، والحيض، والمرض، والرق، والإكراه، والصبا، أو قام عارض معتبر من عوارض الأهلية كالجنون، والنسيان، والنوم، والسكر وغيرها من العوارض السماوية أو المكتسبة كما ذكرها صاحب البحر المحيط.
انتقال الواجب الكفائي إلى الواجب العيني.
ينتفل الواجب الكفائي إلى الواجب العيني في الحكم إذا تعين فرد معين أو جماعة معينة لأدائه دون غيرها، كمهنة الطب مثلا، إذا انحصرت في واحد معين لا يعلمها غيره. أو كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فيكفي من المعروف ما علم من الدين ولو آية من القرآن أو الحديث، وأما المنكر فتتألف فيه الجماعة لصده وتغييره.
خاتمة
إن فروض الكفاية في زماننا هذا قد أهملت تعللا بأنه لم يتعين رغم أن كثيرا منها قد تحول إلى فرض عين وهي واجبة في حق من أهملوها.
ومن الواجبات أيضا التي أصبحت عينية لا يسقط التكليف بقيام البعض هي الدعوة إلى الله تعالى بعدما انحصر دورها و روادها وعجز علماؤها وخفت صوتها وغابت دولتها دولة العدل والقرآن وتسلط عليها أعداؤها من الخارج ذوو البأس الشديد وتوحدوا على إذلال أمة كاملة وعلوا في الأرض علوا كبيرا، و صد من بني جلدتها حكام استبدوا بالسلطة والثروة، ففقروا وجهلوا شعوبهم، فكان لزاما على أهلها أهل الله وأهل الصدق والإيمان وممن يشهد لله بالوحدانية ولرسوله بالرسالة أن يهبوا هبة رجل واحد إما بالمال أو بالفعل أو بالكلمة البليغة كل من موقعه الاجتماعي أو السياسي لنجدة أوطانهم ونصرة وإيقاظ همم من تخلف من إخوانهم لتكون لدعوة الإسلام الغلبة دعوة الرحمة والحكمة وإرجاعها إلى سابق عهدها كما أمر الله ورسوله.