منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

رمضان فرصة ليصبح الفرد وليا من أولياء الله الصالحين

بن سالم باهشام أستاذ العلوم الشرعية

0

بسم الله الرحمن الرحيم، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وصحبه ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين.

قال تعالى في سورة البقرة: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ) [البقرة: 183، 184].

التقوى منشور الولاية

مطالب الدنيا زائلة وفانية، وأعلى ما يمكن أن يتمناه المؤمن في الدنيا هو أن يكون وليا لله تعالى، يحبه الله، ويدافع عنه، ويستجيب لكل مطالبه، ويكره مساءته، يقول ابن رجب الحنبلي في جامع العلوم والحكم: في بعض الآثار يقول الله تعالى: (ابن آدم اطلبني تجدني، فإن وجدتني وجدت كل شيء، وإن فتك فاتك كل شيء، وأنا أحب إليك من كل شيء)، [جامع العلوم والحكم، ابن رجب الحنبلي،(ص: 362)، دار المعرفة – بيروت، الطبعة الأولى ، 1408ه]. فمن وجد الله فماذا فقد؟!، ومن فقد الله فماذا وجد؟!.

روى البخاري في صحيحه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ – رضي الله عنه – قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم –: (إِنَّ اللَّهَ قَالَ: مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ، كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطُشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَلَئِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنْ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ، وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ قَبْضِ نَفْسِ الْمُؤمِنِ، يَكْرَهُ الْمَوْتَ، وَأَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ، وَلَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ”)، [أخرجه البخاري 8/131 ( 6502 ).].ولتتحقق هذه الولاية، لابد أن يصبح المؤمن متقيا لله، لهذا نجد الحق سبحانه وتعالى الرحمن الرحيم، يهيئ للصائم كل الظروف الملائمة لتحقيق هذه الولاية، من التشجيع على الطاعات، بجعل الفريضة في رمضان كسبعين فريضة في غيره، وجعل النافلة في رمضان كفريضة في غيره، وأحدث سبحانه حالة طوارئ في العالم العلوي والسفلي، بأن فتّح أبواب الجنان، وغلّق أبواب النيران، وصفّد الشياطين، ورغب في الذكر، وفي البذل، روى الحارث بن أبي أسامة، وابن خزيمة في صحيحه، ثم قال: إن صح الخبر. ومن طريقه رواه البيهقي وأبو الشيخ بن حبان. عَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ رضي الله عنه قَالَ: (خَطَبَنَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم آخِرَ يَوْمٍ مِنْ شَعْبَانَ فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّهُ قَدْ أَظَلَّكُمْ شَهْرٌ عَظِيمٌ، شَهْرٌ مُبَارَكٌ، فِيهِ لَيْلَةٌ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ، فَرَضَ اللَّهُ صِيَامَهُ، وَجَعَلَ قِيَامَ لَيْلِهِ تَطَوُّعًا، فَمَنْ تَطَوَّعَ فِيهِ بِخَصْلَةٍ مِنَ الْخَيْرِ؛ كَانَ كَمَنْ أَدَّى فَرِيضَةً فيمَا سِوَاهُ، وَمَنْ أَدَّى فِيهِ فَرِيضَةً، كَانَ كَمَنْ أَدَّى سَبْعِينَ فَرِيضَةً، وَهُوَ شَهْرُ الصَّبْرِ، وَالصَّبْرُ ثَوَابُهُ الْجَنَّةُ، وَهُوَ شَهْرُ الْمُوَاسَاةِ، وَهُوَ شَهْرٌ يُزَادُ رِزْقُ الْمُؤْمِنِ فِيهِ، مَنْ فَطَّرَ صَائِمًا كَانَ لَهُ عِتْقُ رَقَبَةٍ وَمَغْفِرَةٌ لِذُنُوبِهِ، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، لَيْسَ كُلُّنَا يَجِدُ مَا يُفَطِّرُ الصَّائِمَ، قَالَ: يُعْطِي اللَّهُ هَذَا الثَّوَابَ مَنْ فَطَّرَ صَائِمًا عَلَى مَذْقَةِ لَبَنٍ، أَوْ تَمْرَةٍ، أَوْ شَرْبَةِ مَاءٍ، وَمَنْ أَشْبَعَ صَائِمًا كَانَ لَهُ مَغْفِرَةٌ لِذُنُوبِهِ، وَسَقَاهُ اللَّهُ مِنْ حَوْضِي شَرْبَةً لاَ يَظْمَأُ حَتَّى يَدْخُلَ الْجَنَّةَ، وَكَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَجْرِهِ شَيْئًا، وَهُوَ شَهْرٌ أَوَّلُهُ رَحْمَةٌ، وَأَوْسَطُهُ مَغْفِرَةٌ، وَآخِرُهُ عِتْقٌ مِنَ النَّارِ، وَمَنْ خَفَّفَ عَنْ مَمْلُوكِهِ فِيهِ أَعْتَقَهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ)، [بغية الباحث عن زوائد مسند الحارث بن أبي أسامة [186 – 282]، المؤلف : نور الدين الهيثمي [807]، (1/ 412)، المحقق : د. حسين أحمد صالح الباكري، الناشر : مركز خدمة السنة والسيرة النبوية – المدينة المنورة، الطبعة الأولى ، 1413 – 1992]. زَادَ هَمَّامٌ فِي رِوَايَتِهِ: (فَاسْتَكْثِرُوا فِيهِ مِنْ أَرْبَعِ خِصَالٍ: خَصْلَتَانِ تُرْضُونَ بِهَا رَبَّكُمْ، وَخَصْلَتانِ لَا غِنَى لَكُمْ عَنْهُمَا، فَأَمَّا الْخَصْلَتانِ اللَّتَانِ تُرْضُونَ بِهَا رَبَّكُمْ: فَشَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَتَسْتَغْفِرُونَهُ ، وَأَمَّا اللَّتَانِ لَا غِنَى لَكُمْ عَنْهُمَا فَتَسْأَلُونَ اللهَ الْجَنَّةَ، وَتَعُوذُونَ بِهِ مِنَ النَّارِ ) ولَفْظُ حَدِيثِ هَمَّامٍ وَهُوَ أَتَمُّ. [شعب الإيمان، البيهقي (المتوفى: 458هـ)،(5/ 224)، حققه وراجع نصوصه وخرج أحاديثه: الدكتور عبد العلي عبد الحميد حامد، أشرف على تحقيقه وتخريج أحاديثه: مختار أحمد الندوي، صاحب الدار السلفية ببومباي – الهند، الناشر: مكتبة الرشد للنشر والتوزيع بالرياض بالتعاون مع الدار السلفية ببومباي بالهند، الطبعة الأولى، 1423 هـ – 2003 م]. كل هذه التحفيزات الربانية، جعلها الله تعالى لعباده الصائمين في رمضان، ليكونوا من المتقين، ويحققوا الهدف المنشود من فرض شهر الصوم والذي هو التقوى، قال تعالى في سورة البقرة: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ) [البقرة: 183- 184].

والتقوى سَبب لِنيلِ وَلاية الله عزَّ وجل ومَحبَّتِه ومَعيَّتِه؛ ومَن كانَ الله مَعهُ فَمن عليه، ومَن كانَ عليه فَمن مَعه؟! قال تعالى في سورة الأنفال: (إِنْ أَوْلِيَآؤُهُ إِلاَّ الْمُتَّقُونَ، وَلَـكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ)[الأنفال: 34]. وقال سبحانه في سورة يونس: (أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ. الَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ. لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ، لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللّهِ، ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) [يونس :62- 64]. وقال تعالى في سورة الجاثية: (وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ)[الجاثية : 19].

رمضان مدرسة لتخريج المتقين أولياء الله الصالحين

من رحمة الله تعالى بعباده أنه إذا كلفهم بتكليف، هيأ لهم الوسائل، وذلل لهم الصعاب لتحقيق ما كلفهم به، وبما أن مدار الدين كله متوقف على التقوى، فإن الله تعالى فرض على المؤمنين صيام شهر رمضان ليكونوا من المتقين، لهذا قال سبحانه في سورة البقرة: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ). فالله أراد بكل مؤمن ومؤمنة، أن يكون وليا له إن هو صام رمضان إيمانا واحتسابا، فمن حرم فضل رمضان، حرم الخير كله، روى ابن حبان وغيره، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، (أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَعِدَ الْمِنْبَرَ، فَقَالَ: «آمِينَ آمِينَ آمِينَ» قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّكَ حِينَ صَعِدْتَ الْمِنْبَرَ قُلْتَ: آمِينَ آمِينَ آمِينَ، قَالَ: إِنَّ جِبْرِيلَ أَتَانِي، فَقَالَ: مَنْ أَدْرَكَ شَهْرَ رَمَضَانَ وَلَمْ يُغْفَرْ لَهُ، فَدَخَلَ النَّارَ فَأَبْعَدَهُ اللَّهُ، قُلْ: آمِينَ، فَقُلْتُ: آمِينَ، …) الحديث. [أخرجه ابن حبان (3/188، رقم 907). وأخرجه أيضًا: أبو يعلى (10/328، رقم 5922)]، وروى الطبراني في المعجم الأوسط، عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (هذا رمضان قد جاء، تفتّح فيه أبواب الجنة، وتغلّق فيه أبواب النار، وتغلّ فيه الشياطين، بُعداً لمن أدرك رمضان ولم يغفر له، إذا لم يُغفر له فيه فمتى؟) المعجم الأوسط، الطبراني (7/ 323، ح 7627)، الناشر : دار الحرمين – القاهرة، 1415، تحقيق : طارق بن عوض الله بن محمد ، عبد المحسن بن إبراهيم الحسيني].

الصحبة مفتاح الولاية التي تتم بالتقوى

الكثير من الناس يستهينون بالصحبة وأثرها السلبي، أو الإيجابي على الفرد، ولا يولونها العناية التي تستحقها، مع أن دين المرء كله رهين بالصحبة، فالصاحب ساحب، والطباع تجلب الطباع، فاختر لنفسك من أطاع، روى أَبُو داود والترمذي بإسناد صحيح عن أَبي هريرة – رضي الله عنه – : أن النَّبيّ – صلى الله عليه وسلم – ، قَالَ: (الرَّجُلُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ ، فَليَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلُ)، [أخرجه أبو داود (4/259 ، رقم 4833)، والترمذي بإسناد صحيح، (4/589 ، رقم 2378)، وَقالَ الترمذي: (حديث حسن غريب)]. وللأثر الفعال للصحبة، فإن الله تعالى عندما أرادنا أن نكون صادقين، وكلفنا بالتحلي بخلق الصدق، فلم يقل لنا: اتقوا الله وكونوا صادقين، بل أمرنا بصحبة الصادقين لنكون منهم، فقال في سورة التوبة: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ) [التوبة: 119]، لهذا فإن أقصر طريق لتكون من المتقين، هو صحبة المتقين والكينونة معهم، وغدا يوم القيامة تُقطّع كل الأواصر إلا آصرة التقوى، لِهذا فإنَّ الأخلاَّءَ جَميعا في الآخِرَة سينقلبُ بعضُهم على بَعض؛ وتتأجَّج العَداوَة بينهُم في تِلك اللَّحظات العِصاب؛ ويتبرَّأ بعضُهم مِن بعض، ويلعَن بعضُهم بَعضا؛ ولا ينجُو مِن ذَلك إلاَّ المُتَّقين الذين كانَ يشُدُّ بعضُهم أزرَ بعض ابتغاءَ رِضوان الله، واشتراءِ جنَّتِه. قال تعالى في سورة الزخرف:(هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ * الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ * يَا عِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ) [الزخرف: 66 – 68].

الحاجة إلى التعاون للتحقق بالتقوى والحظوة بمرتبة الولاية

إذا كانَت التَّقوى إذَن بِهذه المَثابَة مِن الحساسيَّة والأهميَّة، والتَّشعُّب إلى سائِر مَناحي الحَياة، وكافَّة تقلُّبات الإِنسان؛ فلا شك أنَّ المَرء سيكُون ضَعيفا بنَفسِه في سدِّ كُلِّ تِلك الثَّغرات، إما لفتُورٍ في همَّتِه، أو لجَهل بالأَحكام، لِذا أمرَنا الحَكيم سُبحانَه وتعالى أن نتعاوَن على تحقيقِ التَّقوى في حياتِنا، كُلٌّ وما أوتِيَ في سبيلِ ذَلك! قال تعالى في سورة المائدة: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى، وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ، وَاتَّقُوا اللَّهَ، إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) [المائدة: 2].

الخاتمة

إن الله تعالى أراد أن يهيئنا لأمر عظيم، أراد أن نكون أولياء له، لا خوف علينا ولا نحزن، وذلك بصيام رمضان إيمانا واحتسابا، فهل قدّرنا هذه المهمة حق قدرها، فصامت أرواحنا بقصر الأمل، وصامت عقولنا بمخالفة الهوى، وصامت أنفسنا عن الشهوات البطنية والفرجية، أم أننا اشتغلنا بسفاسف الأمور وضيعنا عمرنا هباء منثورا؟

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.