منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

رمضان والجهاد الأكبر

0

مقدمة

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ) [البقرة: 183، 184]

إذا كان المقصد الأعظم من فرض الصيام هو جعل الناس من المتقين، فيعني هذا تقليص مساحة الشرور والفساد على صعيد الفرد وعلى صعيد المجتمع، استشرافا لمحوها، لأن منبع كل الشرور الفردية والجماعية بشتى أنواعها هو النفوس البشرية، لهذا كان فرض صيام رمضان لقهر هذه النفس، وتقويمها، والانتصار عليها، بأن تصبح مطيعة للإنسان، وليس محركة وآمرة له، وهذا هو الجهاد الأكبر، الذي دعا إليه الإسلام، والذي يعتبر فوق كل أنواع الجهاد باتفاق جميع العلماء ورجال التربية.

فماذا نعرف عن هذه النفس التي هي بين جنبنا، وتفعل في الفرد ما لا يفعله العدو في عدوه؟ ولماذا خلقها الله هكذا؟ وكيف نسويها ونقومها؟ هذا ما سنجيب عنه في هذا الموضوع بمنّ الله وتوفيقه.

صفات النفس البشرية

وصف الله تعالى النفس البشرية في القرآن بثلاث صفات: نفس مطمئنة، ونفس لوامة، ونفس أمارة بالسوء.

1 – النفس المطمئنة: هي التي سكنت إلى الله واطمأنت بذكره، وأنابت إليه، واشتاقت إلى لقائه، وأنست بقربه، وهي التي يقال لها عند الوفاة: ﴿ يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي ﴾ [الفجر: 27 – 30].

وسميت مطمئنة، لأنها اطمأنت إلى محبة الله وعبوديته وذكره وأمره ونهيه وخبَره ولقائه ووعده، واطمأنت إلى الرضا به ربّاً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيا ورسولاً، واطمأنت إلى قضائه وقدره. ولا يَلحق صاحبَ هذه النفس البشرية أذى من نفسه، كما لا يلحق للناس أجمعين من قبله. فصاحب النفس المطمئنة نموذج في المعاملات، وفي الأخلاق والسلوك، كل من عاشره أنس به واطمأن إليه، جعل الله له في الجهالة حلما، وفي الظلمة نورا، وهكذا أرادنا الحق عز وجل أن نكون في رمضان وبعد رمضان.

2 – النفس اللوامة: هي النفس التي ارتقت بالتزكية من درجة الأمر بالسوء، والإفساد في الأرض، إلى درجة لوم صاحبها دائماً، تلومه إذا أحسن ألا يكون ازداد إحسانا،ً وتلومه إذا أساء ألا يكون رجع عن إساءته. والنفس اللوامة، نفس مؤمنة، وقد أقسم الله تعالى بها قائلاً في سورة القيامة: ﴿ لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ * وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ… ﴾  [القيامة: 1، 2]، قال الحسن البصري رحمه الله في شأن النفس اللوامة والأمارة بالسوء: (إن المؤمن – والله –، ما تراه إلا يلوم نفسه على كل حالاته، يستقصرها في كل ما يفعل، فيندم ويلوم نفسه، وإن الفاجر ليمضي قُدُماً لا يعاتب نفسه )، وصاحب هذه النفس اللوامة، قد يَلحقه أذى من نفسه، وقد يُلحقه بغيره، ولكنه يرجع ويعترف ويتوب، ويرد المظالم إلى أهلها، ويصلح ما أفسد.

3 – النفس الأمارة بالسوء: هي النفس التي تأمر صاحبها بما تهواه من شهوات الغي، واتباع الباطل، وهى الأصل، كما قال تعالى في سورة يوسف: ﴿ إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ [يوسف: 53].[ بتصرف واختصار من إغاثة اللهفان لابن القيم].

إن النفس البشرية عموماً، خلقها الله تعالى أمارة بالسوء، ميّالة إلى الشر، فَرّارة من الخير، إلا من رحمه الله تعالى، ووّفقه إلى تزكيتها وتطهيرها بالأعمال الصالحة، ودوام المحاسبة والمجاهدة، حتى تتحول هذه النفس الأمارة بالسوء، إلى نفس لوّامة، تلوم صاحبها على الشر، ثم إلى نفس مطمئنة، لا تأمر صاحبها إلا بطاعة الله، فإن زلّت نفسه، لأن كل بني خطاء، سرعان ما يعود إلى الله، ويستغفره ويتوب إليه، وهؤلاء هم المتقون الذين تخرجوا من مدرسة رمضان بميزة ممتازة، وقد قال تعالى فيهم في سورة آل عمران: (سَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ * وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ * أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ) [آل عمران: 133 – 136]. 

صفات الإنسان مجردا عن التربية في القرآن

قال تعالى في سورة إبراهيم: ﴿ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ ﴾ [إبراهيم:34].، وقال تعالى في سورة الكهف: ﴿ وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا ﴾ [الكهف 54]، وقال تعالى في سورة الأحزاب: ﴿ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا ﴾ [الأحزاب:72]، وقال تعالى في سورة المعارج: ﴿ إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا ﴾ [المعارج: 19 – 21]، وقال تعالى في سورة العلق: ﴿ كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآَهُ اسْتَغْنَى ﴾ [العلق: 6 – 7]، وقال تعالى في سورة العاديات: ﴿ إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ ﴾ [العاديات:6]، أي جحود لنعمة الله، ﴿ وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ * وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ ﴾ والخير: هو المال، وقال تعالى في سورة القيامة: ﴿ بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ ﴾ [القيامة:5] أي يملأ الأرض فجوراً ﴿ يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ ﴾ سؤال استنكار! هذه بعض صفات الإنسان، ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم وهو يريد أن ينبهنا لخطورة النفس على الفرد، وأننا يجب أن نستعين بالله عليها، كان إذا خطب، قدّم بين يدي خطبته فقال:” إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا..”[ خطبة الحاجة: محمد ناصر الدين الألباني، ص 5]، وروى أحمد في مسنده وغيره، أن أبا بكر رضي الله عنه يوماً قال للرسول صلى الله عليه وسلم: (يا رسول الله، مرني بكلمات أقولهن إذا أصبحت وإذا أمسيت، ” قال: قل: ” اللهم فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة، رب كل شيء ومليكه، أشهد ألا إله إلا أنت، أعوذ بك من شر نفسي، وشر الشيطان وشركه، وأن أقترف على نفسي سوءاً، أو أجرَّه إلى مسلم، قله إذا أصحبت وإذا أمسيت وإذا أخذت مضجعك ) [رواه أحمد وأبو داود والترمذي وانظر صحيح الجامع].

أقسام الناس مع أنفسهم:

قسم رجال التربية الناس في تعاملهم مع أنفسهم إلى قسمين:

القسم الأول: قسم ظفرت به نفسه، فملكته وأهلكته، وصار طوعاً لها، وتحت أوامرها.

القسم الثاني: قسم ظفروا بأنفسهم فقهروها، فصارت طوعاً لهم، منفذة لأوامرهم، فمن ظفر بنفسه أفلح ونجح، ومن ظفرت به نفسه خسر وهلك، قال تعالى في سورة النازعات: ﴿ فَأَمَّا مَنْ طَغَى * وَآَثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى ﴾ [النازعات: 37 – 39].

فالنفس تدعو إلى الطغيان، وإيثار الحياة الدنيا، والرب تعالى يدعو عبده إلى خوفه، ونهي النفس عن الهوى، وهذا موضع الامتحان والابتلاء.[ جهاد النفس: على محمد الدهامي نقلاً عن إغاثة اللهفان ص بتصرف.]

قال ابن القيم رحمه الله في مدارج السالكين: (ففي النفس ثلاثة دواعي متجاذبة: داعٍ يدعوها إلى الاتصاف بأخلاق الشيطان من الكبر والحسد والعلو والبغي والشر والأذى والفساد والغش، وداع يدعوها إلى أخلاق الحيوان وهو داعي الشهوة، وداع يدعوها إلى أخلاق المَلَك من الإحسان والنصح والبر والعلم والطاعة ) [ مدارج السالكين، ابن القيم ج2]، وهنا يأتي دور المجاهدة.

لماذا خلق الله النفس أمارة بالسوء؟

خلق الله تعالى النفس أمارة بالسوء، امتحاناً وابتلاءً، ليقوم الإنسان بمهمته في هذه الحياة، وليُظهر مدى امتثاله لأمر ربه، هل سيُهمل نفسه وينساها؟ أم سيعمل جاهداً على تزكيتها وتطهيرها، وهنا أقسم الله تعالى بالنفس قائلاً في سورة الشمس: (ونفس وما سواها فألهما فجورها وتقواها قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها )، قد أفلح من حاسبها وجاهدها ودفعها إلى الطاعة دفعاً، وقد خاب وخسر من نسيها وأهملها [أما آن لقلبك أن يعبد؟ د. شريف فوزي سلطان.]

أبواب الجهاد في سبيل الله

قال تعالى في سورة العنكبوت: ﴿ وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ ﴾ [العنكبوت:69]، إذا كنا سبع عشرة مرة، في صلوات الفرض دون النافلة، نسأل الله دائما ويوميا الهداية، من خلال سورة الفاتحة، فإن الاستجابة لا تكون إلا بالأخذ بالأسباب، والتي هي العمل الصالح، مصداقا لقوله تعالى من سورة آل عمران: (فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ، فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ)، [آل عمران: 195]، من هنا نفهم لماذا علق سبحانه الهداية بالجهاد، في آية العنكبوت. وللجهاد أحد عشر بابا، كما ذكرها الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله في المنهاج النبوي تربية وتنظيما وزحفا، بعضها تربوي، يُهم المؤمن في نفسه وفي علاقته بالله، وبأمته وبالناس جميعا، وبعضها يُهم الجماعة الطليعية في تأهبها وزحفها، وبعضها يُهم جند الله قبل الوصول إلى الحكم، وأثناء الزحف، وبعد تولي مقاليد السلطان. ولا بد لنا من ولوج كل أبواب الجهاد الإحدى عشر، والتي هي جهاد النفس، وجهاد المال، وجهاد التعليم، وجهاد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وجهاد الكلمة والحجة، وجهاد التعبئة والبناء، والجهاد السياسي، وجهاد التنفيذ، وجهاد الكفر، وجهاد النموذج الناجح، وجهاد التوحيد، [ ص 382 – 432، الشركة العربية الإفريقية للنشر والتوزيع]، وكل الأنواع العشرة من أبواب الجهاد تعتبر من نوع الجهاد الأصغر، أمام جهاد النفس، الذي هو أول أبواب الجهاد، وأكبر جهاد، من نجح فيه نجح بتوفيق الله وقدرته  في سائر أبواب الجهاد العشرة، ومن لم يوفق فيه أتعب نفسه في الأبواب الأخرى دون فائدة، وأكمل الناس هداية أعظمهم جهاداً، قال ابن القيم رحمه الله في “زاد المعاد”: (كَانَ جِهَادُ النَّفْسِ مُقَدَّمًا عَلَى جِهَادِ الْعَدُوِّ فِي الْخَارِجِ، وَأَصْلًا لَهُ، فَإِنَّهُ مَا لَمْ يُجَاهِدْ نَفْسَهُ أَوَّلًا، لِتَفْعَلَ مَا أُمِرَتْ بِهِ، وَتَتْرُكَ مَا نُهِيَتْ عَنْهُ، وَيُحَارِبهَا فِي اللَّهِ: لَمْ يُمْكِنْهُ جِهَادُ عَدُوِّهِ فِي الْخَارِجِ؛ فَكَيْفَ يُمْكِنُهُ جِهَادُ عَدُوِّهِ، وَالِانْتِصَافُ مِنْهُ: وَعَدُوُّهُ الَّذِي بَيْنَ جَنْبَيْهِ قَاهِرٌ لَهُ، مُتَسَلِّطٌ عَلَيْهِ، لَمْ يُجَاهِدْهُ، وَلَمْ يُحَارِبْهُ فِي اللَّهِ؛ بَلْ لَا يُمْكِنُهُ الْخُرُوجُ إِلَى عَدُوِّهِ، حَتّى يُجَاهِدَ نَفْسَهُ عَلَى الْخُرُوجِ)[3/ 6]. لهذا (كان أفرض الجهاد: جهاد النفس، وجهاد الهوى، وجهاد الشيطان، وجهاد الدنيا، فمن جاهد هذه الأربعة في الله، هداه الله سبل رضاه الموصلة إلى جنته..)،[ الفوائد لابن القيم.]، وقال الإمام الغزالي – في الإحياء: (فالمجاهدة مفتاح الهداية لا مفتاح لها سواها).

معنى مجاهدة النفس:

إذا كان جهاد النفس هو الجهاد الأكبر، فإن المقصود بمجاهدة النفس، هو حملها على اتباع أوامر الله، واجتناب نواهيه ، وهذه هي التقوى، وإذا قوي الفرد على نفسه، قوي على جهاد أعداء الدين. قال المناوي رحمه الله: (المجاهدة: حمل النفس على المشاقّ البدنية، ومخالفة الهوى)، وقيل في مجاهدة النفس: (هي بذل المستطاع، في أمر المطاع)، [نضرة النعيم نقلاً عن التعريفات ص204]، والمقصود بالمطاع هو الله جل جلاله. قال القشيري رحمه الله: (أصل مجاهدة النفس، فطمها عن المألوفات، وحملها على غير هواها). [نضرة النعيم نقلاً عن فتح الباري]

وقال الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله في المنهاج النبوي: (وقد ورد في الحث على صبر النفس وكفها ونهيها وتزكيتها، الكثير في القرآن والحديث النبوي، إذ الدائرة حول محور جهاد النفس، وإقامتها في الاتجاه السليم صعدا في عقبة الإيمان، فهي قوام الجهاد، وقاعدته، وأساسه. والواجهة الأولى في الجهاد، هي واجهة التربية، نعني تربية الإيمان بمفهومه اقتحاما للعقبة، وبكل شعبه السبع والسبعين. فالتربية أولا ووسطا وآخرا، ولا آخر، ودائما. بحيث يجب أن لا نفرغ من تقويم أنفسنا. ومتى ظنّنا أننا أتممنا وتهذبنا ووصلنا المبتغى، فذلك نزغ الغرور، وغرة بالله، وطيش في ميزان الرجولة. كيف والله عز وجل يأمر رسوله المصطفى الكامل صلى الله عليه وسلم بالاستقامة إذ يقول في سورة هود: (فاستقم كما أمرت ومن تاب معك ولا تطغوا) [هود، 112]، وإشارة إلى هذا الأمر يقول الحبيب صلى الله عليه وسلم : فيما رواه الترمذي: (شيبتني هود والواقعة) [رواه الترمذي]، الغاية أن يعرف العبد ربه، بأن يتقرب إليه حتى يحبه سبحانه، ويكرمه بما يكرم به أولياءه. وكل القربات من أقوال، وأفعال، وأحوال، وأخلاق، في جوف هذه الغاية وفي طريقها ومن شروطها. بضابط الكتاب والسنة والاتباع. وكل ما يسميه لسان الاصطلاح تربية، دون أن يحقق هذه الغاية، فليس التربية التي نقصدها. والمسلمون والناس أجمعون، متفاوتون استعدادا للسمو الإيماني وقابليات الكمال، وهي «قدم صدق» حسب التعبير القرآني. أي ما سبق في علم الله لكل فرد من أسباب السعادة. و كل خلل في أبواب الجهاد الأخرى العشرة، هو نتيجة الخلل في التربية، وفي كل حال، يجب أن نجدد التوبة، ونصحح النيات، ونذكر الله كيلا ينسينا أنفسنا. فإننا إن نسيناها ولم نتعهدها بالتزكية، وننورها بالعبادات، ونروضها بالعمل الصالح، هلكنا أفرادا وتنظيما وأمة. ورجعنا إلى حالة الغثائية ومرض الوهن) [المنهاج النبوي، عبد السلام ياسين، ص 382]،  والوهن هو حب الدنيا وكراهية الموت.

المجاهدة للنفس طريق الهداية:

قال تعالى في سورة الحجر: ﴿ وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِه﴾ [الحجر:78]، قال ابن المبارك في تفسير هذه الآية: (الجهاد في الله، هو جهاد النفس والهوى )، وقال سيد قطب صاحب الظلال: (فالمسلم عندما يؤمر بالمجاهدة، لا يعني ذلك أن يبذل فوق طاقته، وأن يتحمل أكثر مما يقدر عليه، وإنما هو ضبط النفس، والتحكم فيها، لتسير في طريق صلاحها وسعادتها، وتعتصم بحبل ربها). وقال تعالى في سورة العنكبوت: ﴿ وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ ﴾ [العنكبوت:6]، والآية مكية على الصحيح، ما زال لم يفرض جهاد العدو، لهذا فالمراد جهاد النفس، فمن جاهد نفسه في طاعة الله، نفع ذلك يعود عليه. وروى أحمد في المسند، والحديث صحيح، أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (المجاهد من جاهد نفسه في طاعة الله، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه) [رواه أحمد وصححه الألباني في الصحيحة]. وقال صلى الله عليه وسلم: (أفضل الجهاد من جاهد نفسه في ذات الله ) (الصحيحة). وسأل رجل عبد الله بن عمر رضي الله عنهما عن الجهاد فقال: (ابدأ بنفسك فجاهدها….)[ جامع العلوم والحكم، ابن رجب]، وقال أبو بكر الصديق لعمر رضي الله عنهما حين استخلفه: (أول ما أحذرك نفسك التي بين جنبيك ) [جامع العلوم والحكم ابن رجب.]، وقال ابراهيم بن علقمة لقوم جاءوا من الغزو: (قد جئتم من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر، قالوا: وما الجهاد الأكبر؟ قال القلب ) [جامع العلوم والحكم ابن رجب.]، وجاء رجل لبعض العارفين بالله فقال: (قطعت إليك مسافة، فقال له: ليس هذا الأمر بقطع المسافات، فارق نفسك بخطوة، وقد حصل لك مقصودك ) [مجموعة رسائل ابن رجب ص128]، وقال ابن حزم رحمه الله: (واعلم أن رياضة الأنفس، أصعب من رياضة الأُسد، لأن الأُسد إذا سجنت في البيوت التي تتخذ لها أمن شرها، والنفس إذا سجنت لم يؤمن شرها) [الزهد للبيهقي.ص158]، وقال السُّرى رحمه الله: (أقوى القوة، غلبتك نفسك، ومن عجز عن أدب نفسه، كان عن أدب غيره أعجز ) [مداوة النفوس 154]

فمن ملك نفسه وقهرها ودانها عَزّ بذلك، لأنه انتصر على أشد أعدائه وقهره وأسره واكتفى شره، قال تعالى في سورة التغابن: ﴿ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾ [التغابن:16]

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.