السرقة الدعوية
بقلم: الأستاذ المهدي اليونسي
يروي الإمام الذهبي رحمه الله في كتابه تاريخ الإسلام قصة طريفة حيث يقول: ” رُوي عن السَّرِي بن مُغَلِّس السَّقَطي أنَّ لصًّا دخَل بيت مالك بن دينار، فما وجَد شيئًا، فجاء ليخرجَ، فناداه مالك: سلام عليكم، فقال: وعليكم السلام، قال: ما حصَل لكم شيء من الدنيا، فترغَب في شيءٍ من الآخرة، قال: نعم، قال: توضَّأ من هذا المِرْكَن وصَلِّ ركعتين، واستغفرِ الله، ففعَل، ثم قال: يا سيِّدي، أجْلس إلى الصبح؟ قال: فلمَّا خرَج مالك إلى المسجد، قال أصحابه: *مَن هذا معك؟ قال: جاء يَسْرقنا فسرقناه*.، جاء هذا اللص ليسرق للدنيا فسرقه مالك بن دينار رحمه الله للآخرة، وهذا لعمري فن بديع في السرقة، فالسرقة على الرغم من أنها جريمة حرام، فهي تحمل في كنهها عبر وأحكام، والحكمة ضالة المسلم أنى وجدها فهو أحق بها، والعبر للعمل لا للأمل، وما أحوجنا في زماننا هذا من استلهام النجاح من الدواب والحجر والجمادات حتى نتبصر به في حلك الليل المظلم التي تعيشه الأمة، وتعيشه الدعوة الإسلامية من فاعلية الميدان رغم انتشارها العاطفي، وتماهي دعاتها- إلا من رحم الله – مع جحافل السلطان، أو مع تصلب الفكر الوهابي والمدخلي، أو مع ترهل العمل الفاقد للبوصلة، وهاتيك بعض ما وفقني الله فيه من عبر تنثرها السرقة لنحاول استعمالها في دعوة الله:
فالسرقة تقتضي صناعة السارق: السارق عادة ما يمتلك ملكة الاستمالة، ويحسب خطواته بدقة، ويملك دقة لحظة الانقضاض ما بين فرث الافتضاح وما بين دم ضياع الفرص، وكذلك الداعية عليه أن يمتلك ملكة استمالة المدعو حتى يُخلعه من شراك النفس وهواها ومن براثن التزويق الشيطاني..
السرقة عادة ما تنتظر لحظة الفراغ لتنفذ خطتها: إحدى لحظات الضعف التي تصيب الضحية أثناء السرقة خلو المكان من أي سند، فتجد نفسها مجردة من قواطع الشد فتهوي على وجهها غير لاوية على شيء، وكذلك الدعوة عليها أن تقتنص لحظة صفاء فطرة المدعو من مشوشات الشيطنة والتزويق النفسي، والمثبطات الأيديولوجية…، وما أحلى لحظة الفتوة والشباب وما أعظم السبق لها إن وُجه بالبناء الحقيقي في بناء الغائية وتفعيل السببية، فالغاية والمقصد الله، والسبب تلمس طريق الله في النفس وفي الأفعال والأقوال وفي خلق الله جميعهم..
السرقة تختار ضحاياها من ذوي الامتياز النفيس: فالسرقة تركز في تنفيذ خططها على ذوي الذخائر ليعود عليها بالثمار والفوائد، فالدعوة أحوج ما تكون إلى مثلها في اختيار المدعوين البناة الذين لهم تأثير في محيطهم وفي الناس، فنجباء الدعوة وجهابذتها تجار لهم القدرة على فتح أسواق جديدة، وتحصيل أرباح ترجع بالنفع على الدعوة؛ ” اللهم أعز الإسلام بأحب هذين الرجلين إليك بأبي جهل أو بعمر بن الخطاب فكان أحبهما إلى الله عمر بن الخطاب”، وهؤلاء دعوتهم مرحلية للتربية والتنظيم، أما الزحف فيقتضي دعوة الكل، لأن الرهط يثير في الأعداء الرعب خارجيا ويثير الاعتزاز بالبناء نفسيا وداخليا.
السرقة عادة ما تصنع لنفسها فريق عمل لتجويد عملها وتمهيره: السٌّراق تنظيم محكم لا رخاوة فيه، وحشد جماعي للقوة، وتحرير استراتيجي للمبادرات، وتحفيز مستمر للإبداع، أرآيتك هذا الذي تملكه السرقة وهو في الباطل، أليست الدعوة أحق به وهي عين الحق؟، ألا يجب أن يكون للدعوة تنظيم؟، وللتنظيم تخطيط؟، وللتخطيط فرق عمل؟، تتحرر فيها الطاقات، وتُحفز فيها المبادرات، وتتجدد فيها العزائم عملا مع الله تعالى ونصرا ونشرا لدينه سبحانه، في زمن يشع فيه الباطل ويتكتل ويستوي تنظيمه، ويسابق الزمن ليفرض سيطرته، بينما تبقى الدعوة باهتة مخنوقة بيد البطش الفرعوني من داخل محاضنها، وبيد الباطل الذي ألصق بها التهم وقزم مجالها وفتنها بنفسها، ومخنوقة أيضا بيد أبنائها الذين ركنوا لأنفسهم وعفسوا الأموال والأولاد، وتراخت في أنفسهم روابط قيامتها..
السرقة تُرَمِّز السارق ويصبح محط أنظار الناس: الترميز بعد استراتيجي في صناعة رجال السرقة حتى يُشار إليهم بالبنان، لتتحدد لديهم دوائر النفوذ، وتتسع لهم مساحة العمل، ويضرب لهم أعداؤهم الحساب الكبير، والدعوة أحوج ما تكون إلى دعاة بررة، يستثمرون زرعهم في الولد الصالح، الذي يتأبد نفعه بديمومة الوصال الدعوي ويدوم الأجر والثواب للداعية ولو من تحت الثرى، يضاهون بدعوتهم أصحاب الجاه والمال والسلطة، لكن بنياشين الآخرة،. إن المُعوَّل عليه في ساحة الدعوة هو قدرة الدعاة المتمرسين على تغيير القابليات في شباب الأمة حتى يلجوا إلى الفطر المطمرة حتى ران الهوى والغرائزية والتفاهة..
السرقة تغير أمكنتها وأساليبها إن ظهر لها أن المكان والزمان والآليات لم تعد تجدي نفعا: في عرف القاعدين الجالس لا يسقط، لكنه في الآن نفسه لا يتحرك ولا يتغير، بل ويقعد اِثقالا إلى غلس الشيطان، وفي دوران الحياة دعوة إلى الدوران معها ومدارتها تغليبا للآخرة عليها، فالرسول ﷺ أقام ثلاث عشرة سنة في مكة يمارس الدعوة السلمية حتى استنفذت أغراضها، ولم تعد تنفع هذه السلمية مع أشرس الصناديد عداوة لها، فكان لزاما عليه ﷺ أن يغير الوسيلة، فلا ينقاد الحديد عادة إلا بمعاول المطارق، فأسس الدولة وأسس لها جيشا ليحمي الدعوة، فسار لهذه الدعوة زئيرا ورهبة ورعبا في قلوب كل أولئك الصناديد فقٌتل من قُتل وأسلم من أسلم، فتغيير الوسائل إذاً عامل من عوامل التسييل والتلقيح الدعوي، وتشبيك لمقابضها حتى تتمكن من تجاوز زلق الزمان والمكان والأعداء..
إن الاعتبار بالسرقة ليس تمجيد لها، ولكن تظهر الحقائق بالأضداد، والسرقة في الدعوة ترمز إلى أن ضحايا الافتراس الشيطاني كثر، لكثرة تزويقاته، وتمظهراته البراقة، ولكثرة أتباعه المدججين بكل أسلحة الإغراء والإغواء وتمجيد التفاهة وترميز التخنث والسفاهة..