منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

طب العطور بين الرفض والقبول

الدكتور محمد السقا عيد

0

طب العطور بين الرفض والقبول

الدكتور محمد السقا عيد

للعطر لغته الخاصة ومفرداته التي تليق بحضوره الراقي في حياتنا على الدوام، وله أسراره الكثيرة التي ربما تساعدنا على فك رموز مشاعرنا حيناً وعلى التخلص من الكثير من المشاكل والهموم والسلبية التي تصيبنا أحياناً أخرى، ولكن المعلومات الجديدة التي يقدمها الأروما ثيرابي (طب الروائح) تعنى باستخدامات الروائح العطرية في علاج بعض الأعراض الجسدية والكثير من الحالات النفسية التي سوف نتعرف إليها من خلال السطور التالية…

يمثل العلاج بالزيوت العطرية احدى الطرق الشائعة منذ قديم الأزل لعلاج أنواع مختلفة من الأعراض النفسية والجسدية، ويركز العلاج بالزيوت العطرية على مبدأ الأثر العلاجي للزيوت النباتية الأساسية بعد امتصاصها عن طريق الجلد. ويوجد أكثر من 300 نوع مختلف من الزيوت العطرية التي يمكن ان تستخدم بمفردها أو ممزوجة، ويقوم كل نوع من هذه الزيوت بإعطاء تأثير مختلف.

تاريخ العلاج بالروائح

يُعَد العلاج العطري تقنية طبية عريقة، وحقيقة علمية وطبية لها جذور تاريخية، حيث يرجع تاريخه إلى العصر الفرعوني؛ حيث شاع استخدام الروائح والزيوت العطرية ضمن الطقوس الدينية والمعالجات الروحانية، ولم يقتصر استخدام هذا العلاج في مصر القديمة، بل انتشر في معظم الحضارات القديمة في الصين والهند واليونان وغيرها من العصور التاريخية. فاليونانيون القدماء استخدموا الزيوت والعطور للتداوي والزينة، واستخدم زيت اللافندر في تعطير حمامات الرومان ولأكثر من مائة عام مضت في العلاجات العشبية، كما استخدمها الطب الهندي للتدليك العطري، واستعمل هنود أمريكا الشمالية الزيوت العطرية للعلاجات الشعبية.

والعلاج بالروائح هو نوع من العلاج المعتمد على الروائح والذي يكون الأنف والجلد والدماغ هم الأساس فيه، وهو فن قديم تستخدم فيه العطور أو الزيوت الأساسية والمطلقة وغيرها من المواد لتحقيق فوائد بدنية ونفسية، ولكل رائحة أو زيت قوته العلاجية الخاصة مثل تخفيف التوتر ومقاومة العدوى الميكروبية وزيادة الإنتاجية، أو كمنشط جنسي.

وقد أكدت الكثير من التجارب على صحة هذا العلاج، فمن خلال استخدام تقنية التخطيط الموجي للدماغ، أمكن تحديد فعالية الكثير من الروائح والعطور على تغير أو إلغاء موجة ألفا Alpha wave. وقد قسمت الروائح تبعا لهذه الدراسة إلى روائح مستثيرة لكونها تغلق هذه الموجة، وروائح مهدئة لكونها تزيد من قوة وطول هذه الموجة.

وقد اكتشف الباحثون أنه عندما ترتبط بمستقبلات خاصة تنتج شحنات كهربائية تصعد من خلال أعصاب الشم إلى المخ والهدف النهائي هو الجهاز الطرفي بالمخ، والذي يقوم بمعالجة مشاعرك وذاكرتك.

تحضير الزيوت العطرية

لا شك أن الحصول على الزيوت العطرية عملية معقدة تتطلب الكثير من الإجراءات من أجل الحصول عليها وتحضيرها للأغراض الطبية. وعادة ما تكون مصادر هذه الزيوت هي النباتات العشبية المختلفة حيث يتم استخراجها عن طريق التقطير أو العصر البارد، وذلك من أجل الوصول إلى أعلى درجة من التركيز والنقاء. وهناك أيضًا بعض الخطوات التي ينبغي اتباعها عند الحفظ والتخزين أهمها هي عزل هذه الزيوت عن الضوء والاحتفاظ بها في حاويات معتمة وأقبية مظلمة حتى لا تفسد وتفقد فعاليتها من خلال التفاعل الضوئي أو التطاير. وبالإضافة إلى المصادر النباتية، هناك أيضًا بعض الزيوت الشهيرة مثل العنبر والتي تستخرج من الحوت الأزرق في صورته الخام، ومن ثم تتم معالجته حتى يستحضر في صورة صالحة للاستخدام. وهناك أيضًا المسك الذي يستخرج من بطن الغزلان حيث يجفف وينقع في الزيت من أجل معالجته.

أشهر الزيوت المستخدمة في العلاج العطري

هناك مجموعة كبيرة من الزيوت العطرية المستخدمة في العلاج العطري من أجل الاستشفاء من الأمراض المختلفة، منها:

زيت النعناع: من أشهر الزيوت المستخدمة في العلاج العطري حيث توضع بضع قطرات منه على كمية مناسبة من الماء الساخن في كوب صغير ثم يُستنشق البخار المتصاعد منه حاملاً العبق المتطاير لينفذ داخل الأنف ومعالجًا لمشاكل القصبة الهوائبة والرئتين؛ لذلك يُنصَح به للمدخنين الراغبين في التخفيف من أثر التبغ أو المقلعين حديثًا عن التدخين لإزالة آثار الدخان في المجاري التنفسية.

زيت الكافور: عادة ما يُستخدم أيضًا زيت الكافور عن طريق الاستنشاق إلا أنه من الأفضل أن يتم ذلك عن طريق الفم من أجل تطهير الحلق وعلاج اضطرابات الحنجرة، وغالبًا ما يستخدم بنفس طريقة زيت النعناع.

زيت حبة البركة: يعد من أفضل أنواع الزيوت المستخدمة لعلاج أمراض الجهاز الهضمي والبولي والتخفيف من الأعراض المؤلمة التي قد تصيب أعضاء هذين الجهازين. وغالبًا ما يُنصَح بوضع قطرات قليلة من هذا الزيت على مشروب عشبي مثل الينسون أو النعناع وتحليته بعسل النحل ثم تناول المشروب على الريق يوميًا من أجل التخفيف من ألم المعدة والأمعاء والقولون وطرد الغازات والمساعدة على التخلص من الحصوات المرارية، فضلاً عن دوره في التحفيف من التهابات المثانة والبروستاتا وإدرار البول. كما أن زيت حبة البركة مفيد للغاية في تعزيز المناعة ومقاومة الميكروبات ما يجعله عنصرًا مميزًا للغاية في مجال العلاج العطري بسبب فوائده العديدة.

زيت بذرة الخس: عادة ما يستخدم هذا النوع من الزيوت في العلاج العطري نظرًا لاحتوائه العناصر المضادة للأكسدة مثل فيتامين هـ ما يساعد على حماية الخلايا من التلف وصيانتها ضد الشوارد الحرة. وعادة ما يتم تناول بعض قطرات هذا الزيت مع مشروب ساخن.

زيت بذرة الجرجير: يمكن تناول هذا الزيت في صورة بضع قطرات أيضًا مع مشروب ساخن أو إضافته إلى بعض الأطعمة عند إعدادها وطهيها وذلك لفائدته العظيمة لا سيما في تعزيز الطاقة وتدعيم القدرة الجنسية عند الرجال.

زيت القرنفل: يحتوي هذا الزيت على مسكنات طبيعية لآلام الأسنان فضلاً عن قدرته على معالجة التهابات اللثة والإسراع في التئام جروحها. ويفضل تخفيف الزيت في ماء دافئ ثم غسل الفم من الداخل عن طريق المضمضة مع تكرار هذه العملية حسب درجة الألم.

زيت الصبار: يتم تحضير هلام الصبار من عصارة الصبار بطريقة طبيعية ثم يوضع على المواضع المصابة من البشرة ويترك لفترة مناسبة حتى تمتصه البشرة جيدًا. ويعالج الصبار التهابات البشرة المختلفة ويمكن وضعه على الوجه كقناع من أجل شد البشرة وإزالة آثار التجاعيد والهالات السوداء أسفل العينين.

زيت الصندل: يمكن استخدام زيت الصندل في عملية التدليك لعضلات الجسم المرهقة أو المفاصل التي تعاني من الالتهابات والخشونة. ويمكن استخدامه في تدليك مناطق الرقبة والكتفين والظهر والركبتين، لكن تجدر الإشارة إلى ضرورة استشارة الطبيب المتخصص قبل البدء في هذا العلاج لا سيما في حالة الإصابة بالأمراض المزمنة حتى لا يتعارض ذلك من العلاج الأصلي للمرض.
يتم العلاج بالروائح العطرية عن طريق ما يأتي:

الاستنشاق، يمكن استنشاق الزيوت العطرية بتبخيرها في الهواء باستخدام وعاء ناشر، أو رذاذ قطرات زيت، أو نفثها في حمام بخار على سبيل المثال.

التطبيقات الموضعية، يمكنكَ تطبيقه بتدليك نفسكَ بالزيوت ومنتجات الاستحمام والعناية بالبشرة التي تُمتص من خلال الجلد، إذ يمكن أن يعزز تدليك المنطقة التي ستستخدم فيها الزيت العطري، الدورة الدموية، كما أنّ البعض يقول بأنّ المناطق في الغدد العرقية وبصيلات الشعر، مثل؛ الرأس أو راحتي اليد، قد تمتص الزيوت بفعالية أكبر.


آلية عمل العلاج بالروائح العطرية


يرى الخبراء أن العلاج بالروائح العطرية يقوم بتنشيط مناطق في الأنف تعرف بمستقبلات الشم، والتي ترسل الرسائل للدماغ من خلال الجهاز العصبي. تقوم هذه الزيوت بتنشيط مناطق معينة من الدماغ منها الجهاز الحافي، والذي يلعب دورا في المشاعر. كما وأنه قد يكون لها تأثير على منطقة ما تحت المهاد، والتي قد تستجيب لهذه الزيوت من خلال إنشاء مواد كيميائية في الدماغ تساعد على الشعور الجيد، منها السيروتونين. ويرى بعض الخبراء أنه عندما يضع الشخص الزيوت الأساسية على جلده، فإنها تسبب استجابة في الجلد وفي مناطق أخرى من الجسم كالمفاصل.

مخاطر العلاج بالروائح العطرية

 

يعد العلاج بالروائح العطرية علاجا آمنا بشكل عام، غير أنه قد يسبب بعض الآثار الجانبية، منها تهييج العينين والجلد والأغشية المخاطية في الأنف. كما وقد يسبب رد فعل تحسسي طفيف. فضلاً عن ذلك، هناك حاجة إلى مزيد من البحوث لتحديد كيفية تأثير الزيوت العطرية على الأطفال وعلى النساء الحوامل أو المرضعات، وكذلك كيفية تفاعلها مع بعض الأدوية وطرق العلاج الأخرى.

بين الرفض والقبول

على الرغم من الشعبية التي تتمتع بها علاجات الزيوت العطرية، فهناك الكثير من الناس الذين يعارضونها. ويدعي المشككون أن الآثار المفيدة للزيوت العطرية هي في الواقع بسبب تأثير الدواء الوهمي، أي أن الاشخاص الذين يخضعون للعلاج بالزيوت العطرية يقنعون أنفسهم بأنهم يشعرون باسترخاء وهدوء أكثر، وبالتالي فانهم يعتقدون أن العلاج مفيد. كذلك يرى المعارضون أن هناك أدلة علمية قليلة جدا على فعالية الزيوت العطرية في علاج الألم، الاصابات وتقوية جهاز المناعة.

أما أنصار طريقة العلاج بالزيوت العطرية فيدعون أنها فعالة لعلاج الاضطرابات العضلية، أمراض الجلد، مشاكل الجهاز الهضمي والتوتر النفسي… فعلى سبيل المثال: أظهرت الدراسات أن بعض الزيوت العطرية مثل زيت شجرة الشاي لها تأثير المضادات الحيوية (مضادة للبكتيريا)، ولكن لا توجد أدلة حول تأثيراتها المضادة للفيروسات أو الفطريات وفقا لموقع ويب طب. ولا يعد العلاج بالروائح العطرية بديلا عن العلاجات الطبية، لكن الأبحاث قد وجدت أن هذا العلاج ينفع في حالات معينة، إذ أنه- بحسب موقع ويب ميديا- يقوم بالآتي: تعزيز الشعور بالاسترخاء وتحسين جودة النوم، التخفيف من القلق والاكتئاب والضغط، و تحسين جودة الحياة لمصابي أمراض مزمنة كالخرف،والتخفيف من آلام معينة منها آلام الفصال العظمي وآلام حصى الكلى وآلام الركبة، محاربة البكتيريا عند وضع الزيوت على الجلد، التخفيف من أعراض جانبية لعلاج السرطان، منها الغثيان.

دراسات وأبحاث تبين فعالية العلاج العطري

درست عدد من المراجعات المنهجية الفعالية السريرية للعلاج بالروائح فيما يتعلق بإدارة الألم أثناء المخاض، علاج الغثيان والقيء بعد الجراحة، إدارة السلوكيات الصعبة لدى الأشخاص المصابين بالخرف، وتخفيف أعراض السرطان، وتوصلت بعض هذه الدراسات إلى استنتاج مفاده أنه في حين أنه يحسن مزاج المريض، فانه لا يوجد دليل قاطع على كيفية عمله مع إدارة الألم. ومع ذلك، فقد أظهرت بعض الدراسات أن العلاج بالروائح العطرية قد ينطوي على فوائد صحية، وهذه نظرة على بعض النتائج المتاحة:

وفقًا لتقرير نشر في العلاجات التكميلية في الممارسة السريرية في عام 2017، قام الباحثون بتحليل التجارب السريرية المنشورة سابقًا، ووجدوا أن التدليك بالروائح يحسّن من آلام الدورة الشهرية مقارنةً بالتدليك بدون العلاج بالروائح.

في دراسة نشرت في Worldviews لدى النساء اللواتي يخضعن لخزعة الثدي، حيث أعطيت النساء مزيج الخزامى، وخشب الصندل، ومزيج النعناع البرتقالي للاستنشاق، ووجد أن هناك انخفاض في القلق مع استنشاق مزيج خشب الصندل والخزامى.

وفقًا لدراسة عام 2013 نُشرت في قسم التخدير والإنزيم. ووجد الباحثون أن الغثيان انخفض بشكل كبير بعد العلاج بالروائح مع زيت الزنجبيل الأساسي أو مزيج من الزيوت الأساسية من الزنجبيل والنعناع والنعناع والهيل.

قيمت دراسة نشرت في العلاجات التكميلية في الممارسة السريرية في عام 2016 فعالية العلاج العطري على الألم والقلق قبل الجراحة. استخدم المشاركون إما زيت اللافندر الأساسي أو دواء وهمي، وكانت النتيجة أن قل الألم والقلق بعد العملية عند أولئك الذين استخدموا زيت اللافندر أكثر من أولئك الذين استخدموا الدواء الوهمي.

الخلاصة

يسهم العلاج بالعطور في الشعور بالاسترخاء ويخفف من القلق والتوتر، فضلًا عن أنه يساعد في علاج عدد كبير من الأمراض النفسية والعضوية كالحروق والالتهابات والاكتئاب والأرق وارتفاع ضغط الدم، ولكن لم يوجد حتى الآن سوى أدلة علمية محدودة تبثت أن طب العطور يمنع أو يشفي بعض الأمراض. كما يساعد طب العطور في تحسين المزاج العام وخاصة بعض الزيوت العطرية كاللافندر والورد والبرتقال والليمون والبرغموت وخشب الصندل.

كما كشف العديد من الدراسات الطبية أن الزيوت العطرية التي كانت تستخدمها المولّدة “الداية” تقلل الشعور بالخوف والتوتر لدى المرأة الحامل، كما أنها قد تصبح أقل احتياجًا للأدوية المسكنة للألم أثناء عملية الولادة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.