المرأة الفلسطينية
صفات الشخصية وأسرار الثبات
فاطمة صربون
بعد الملاحم البطولية، التي سطرتها المرأة الفلسطينية على مدى عقود من احتلال أرض الأقصى المبارك من قبل العدو الصهيوني، وآخرها ملحمة طوفان الأقصى المجيدة، والتي أظهرت فيها المرأة الفلسطينية أنها بحق نموذج من زمن الصحابيات الجليلات المؤمنات الصادقات الصابرات المجاهدات، وبينت فيها أنها تختلف عن باقي نساء العالم وتكاد لا تنتمي لفصيلتهن.
وعلى إثر انتشار المشاهد والصور الخالدة التي شهدها العالم بأسره عن هذه البطولات؛ تزاحمت على عقول الناس أسئلة كثيرة خصوصا من النساء المسلمات وكذا من باقي نساء العالم، يتساءلن عن الطينة التي صنعت منها هذه المرأة، وكيف اكتسبت هذه الصفات التي جعلت العالم كله؛ العدو منه والصديق يقف إجلالا وإكبارا لصنيعها وجهادها وصمودها في وجه الترسانة العالمية من الإجرام والظلم.
وقد تجلت للعيان عدة صفات لشخصية المرأة الفلسطينية من خلال ما شاهده العالم من صور الجهاد والثبات التي سطرتها في الفترة السابقة، وأسرار استشفها العقلاء على مدى عام ونصف من الابتلاء الشديد لهذه المرأة والتي وقفت له بالمرصاد حتى انتصرت وخاب وخسر الاحتلال وأعوانه.
الصفات الذاتية للمرأة الفلسطينية
تتميز المرأة الفلسطينية عن باقي نساء الكون بصفات أهلتها لتحتل مكانة مرموقة بينهن، وترفع لها قبة الاحترام والتقدير من العالم كله، ومنها:
1- القدرة على التكيف مع الظروف الصعبة
رغم كل ما تتعرض له المرأة الفلسطينية من احتلال لأرضها، وحصار وتشريد، وتضييق على كل مجالات الحياة الإنسانية في المجتمع الفلسطيني، فإنها استطاعت التكيف مع قساوة الظروف، وتحملت كل أنواع التغيرات في حياتها مهما كانت صعبة، واستمرت في حياتها بكل أمل وإصرار وتخطت الصعاب، مما جعلها نموذجا رفيعا في الصمود والثبات.
2- الشجاعة والإقدام
المرأة الفلسطينية تحمل في صدرها قلبا شجاعا، فهي تواجه الاحتلال بكل جسارة، لا تخشى الاعتقال أو التهديد، بل تتحدى القوة الصهيونية بكل جرأة وقوة، وتصر على الدفاع عن وطنها وحقوق شعبها، حتى وإن أدى ذلك لاعتقالها أو حتى استشهادها، وهي التي تقف في الصفوف الأمامية في المظاهرات، وتشارك في النضال السياسي والاجتماعي، مما يجعلها مثالا يُحتذى به في الجرأة والقوة.
3-الصبر والتحمل
من أهم صفات هذه المرأة النموذج؛ قدرتها الهائلة على الصبر في مواجهة المحن والشدائد، مهما تعاظمت أمامها المصائب؛ سواء فقدت زوجها، أو ابنها، أو منزلها، لكنها تظل واقفة شامخة، مستمدة قوتها من إيمانها بقضيتها العادلة، لا تهزمها الظروف القاسية، ولا المحن العاتية، بل تصبر وتحوّل الألم إلى طاقة للنضال والاستمرار.
إذ لا يوجد شيء قادر على كسر إرادتها، فهي تواجه الاحتلال، الحصار، والتهجير، لكنها ترفض الاستسلام، لأنها تؤمن أن الحرية قادمة لا محالة، ولذلك تستمر في نضالها مهما كانت التحديات والعقبات، مما أهلها لتكون بحق رمزا للصبر والجلد في طريق حريتها.
4-التضحية ونكران الذات
المرأة الفلسطينية مستعدة للتضحية من أجل وطنها، سواء بالتنازل عن راحة حياتها الشخصية، أو بتحمل معاناة الأسر والاعتقال، أو حتى بالشهادة في سبيل الحرية والعزة، تنشئ أبناءها على حب الوطن والاستعداد للتضحية من أجله، مما يعزز استمرار النضال الفلسطيني جيلاً بعد جيل، ويجعل جذوة المقاومة مشتعلة لا تنطفأ مهما تغولت الآلة الصهيونية البغيضة في التنكيل والتدمير.
أسرار ثبات المرأة الفلسطينية وصمودها
استطاعت المرأة الفلسطينية أن تبقى ثابتة وصامدة في وجه عواصف الظلم والطغيان الذي يمارسه الاحتلال الصهيوني وأعوانه عليها وعلى مجتمعها بفضل عدد من الأمور التي تعتبر أركانا لشخصيتها المقاومة المناضلة.
1- الوعي (الشرعي والثقافي والسياسي والتاريخي…)
تمتلك المرأة الفلسطينية وعيا عميقا بكل جوانب قضيتها المركزية؛ سواء من الجانب الايماني الشرعي، أو من الجانب الثقافي الحضاري، أو من الجانب السياسي التدافعي، أو من الجانب التاريخي التراكمي…، فهي ليست فقط مقاومة في الميدان، بل أيضا ناشطة في الدعوة والإعلام، والتعليم، والسياسة، حيث تعمل على نشر الوعي بالقضية الفلسطينية في الداخل والخارج، وتفضح جرائم الاحتلال أمام العالم.
وتلعب المرأة الفلسطينية دورا قياديا في عائلتها ومجتمعها، فهي ليست فقط أما وزوجة، بل أيضا مناضلة، وصانعة قرار، تقود المبادرات المجتمعية، وتشارك في الحراك الوطني، مما يجعلها جزءا رئيسيا في مسيرة النصر والتحرير.
2- طلب العلم
من أهم ما ساهم في تحرير الشعوب عبر التاريخ؛ التعليم الجيد وتكوين كوادر علمية ترتقي بالمجتمع وتساهم في رفع الوعي والتغيير، وهذا ما فطن له المجاهدون في فلسطين المحتلة، حيث أولو أهمية كبيرة للتعليم، واهتموا به أيما اهتمام، حتى أضحت فلسطين الأولى عربيا في نسبة الأمية.
فلا تكاد تجد أميا سواء من الذكور أو الإناث، إذ أن التعليم يساعد الأشخاص على فهم تاريخهم، وثقافتهم، وحقهم، مما يخلق الوعي بالقضية، فعندما يكون الشعب مثقفا وواعيا، يصبح أكثر قدرة على الدفاع عن حقوقه المشروعة، ويصعب على أي قوة مهما عظمت هزيمته أو تركيعه.
والمرأة المتعلمة هي التي تربي أجيالا واعية قادرة على فهم القضية بكل أبعادها، وعازمة على مواصلة النضال حتى التحرير، والمرأة الفلسطينية من النساء الأكثر تعلما وترقيا في مدارج العلم في عالمنا العربي رغم المعاناة اليومية والصعوبات التي تتعرض لها.
3- التمسك بالقيم والهوية الوطنية والدينية
رغم كل الظروف، لم تتنازل المرأة الفلسطينية عن هويتها الدينية والوطنية، بل ظلت تعتز بتراثها، وتحافظ على لغتها، ودينها، وتتمثل القيم السامية في تفاصيل حياتها، فها هي ذي محجبة ساترة عفيفة حافظة للقرآن طاعة لأمر ربها، وها هي ذي فصيحة اللسان قوية الخطاب تبرز عزة لغتها العربية، وها هي ذي بلباسها الفلسطيني المميز تحافظ على تراثها وتفخر به.
وبالتمسك بهذه القيم ساهمت في إبقاء الهوية الفلسطينية حية، سواء من خلال الفن، أو الأدب، أو التعليم، أو النضال الميداني، فهي ليست فقط نصف المجتمع، بل هي قلب النضال وروحه، تقف بصلابة في وجه الاحتلال، وتصنع المجد لشعبها بوحدتها وعزيمتها وإيمانها بعدالة قضيتها، وتسخر لذلك كل ما وهبها ﷲ من إمكانيات ومواهب ونِعم.
وختاما لما سبق فإن صفات المرأة الفلسطينية التي أهلتها لتحتل هذه المكانة بين نساء العالمين في المقاومة والصمود والثبات عديدة ويصعب حصرها، إذ هي تشكل نواة شخصيتها، وتمتد لتشمل كل كيانها ومجتمعها المحيط بها، وهي بحق نموذج للمرأة المسلمة الملتزمة المجاهدة، التي على بقية نساء المسلمين التأسي بها واقتفاء أثرها في التزامها بشرائع دينها وتربيتها لأبنائها، وتحصيلها العلمي ومشاركتها في تحرير وطنها، حتى تتحرر جميع أوطاننا من درن التخلف والتبعية والوهن.