منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

المقاومة الفلسطينية اليوم هي مقام بين “الكرامة و”المعجزة”

عبد الهادي المهادي

0

المقاومة الفلسطينية اليوم هي مقام بين “الكرامة و”المعجزة”

بقلم: عبد الهادي المهادي

انتبه بعض المعاصرين لمفهوم “ختم النّبوّة” واسْتَوْلَدوهُ معنى كان غائبا عن بال كلّ القدماء؛ فقَبْل نبينا محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان الله عزّ وجل “يتدخل” ـ جلّ شأنه ـ بشكل مباشر لمعاقبة الكفار والظّلمة، فيخسف بهذا ويُطبق الأرض على ذاك ويرسل الطوفان على أولئك، وغير ذلك من تجليات الغضب الإلهي الماديّ الظاهر المباشر، وكانت البشرية تفهم ذلك، بل وتطلبه، لأنّه كان جزءا من تشكيل ذهنيتها. ولكن الأمر اختلف الآن، ومنذ قرون، خاصة بعدما انفجرت قدرات الإنسان العلمية والتقنية؛ فالبشرية لم تعد “تقبل” أن تحدث تحولات كبيرة في حياتها بشكل حدّيّ ومن خارج منطقها العقلي، أي أنها غدت “راشدة” عقليا، ومن ثمّ فلا مقبولية لديها للمعجزات وما هو من جنسها، فـ”ختم النبوة” هنا جاء ليسدّ بابا ويفتح آخر، وكلّ ذلك بأمر الله؛ والكلمة المفتاح هنا هي “السّببيّة”.

ما تجترحه البشرية اليوم من منكرات وعظائم تُخرجها لا شكّ من جلد “البشرية”، فما اقترفته الأمم السابقة متفرّقا يُقتَرف اليوم مجموعا وبـ”إبداعية” عالية. وما يجري اليوم للمستضعفين في العالم، والفلسطينيين على رأسهم، لا يخرج على هذا الإطار. لقد بلغ الظلم مداه، واستُهزئ بكلّ القيم الإنسانية وأطيح بها، وغدا الفلسطيني، صغيرا أو كبيرا، حالة نموذجية لتجريب كل أنواع الأمراض النفسية الشوفينية.

تساءل الشاعر الفلسطيني محمود درويش ذات قصيدة، وكان هو الصّوت المعبّر العالي عن توجّه فكري وإيديولوجي كان يقود حينئذ المقاومة الفلسطينية، تساءل: “أينك يا أالله… جربناك جربناك”، كان “الدّرويش” ينتظر “تدخّلا” مباشرا من ربّ لم يستقم له يوما ولا اهتمّ بشأنّه… وفي الحقيقة كان يستهزئ، وكانت “موضة القول” حينئذ تُشجّع على ذلك!

الفلسطيني اليوم يعي أنّ الأمر هو “مُدافعة”، وأنّ حركيته تدخل ضمن سنّة الله وقانونه القائمة على التّدرج والسّببية، دون أن يغفل ـ طبعا ـ عن “الغيب” الذي يأتي ليُسهل ويدفع ويبشّر.
والمتابع النبيه يدرك جيدا أن الأمور تغيّرت منذ انفجار الصراع الأخير، فمؤشرات كثيرة تبيّن أن تحولات عميقة تعتمل في الدّاخل، وأنها تظهر على وجه التاريخ بشكل لا يكاد يراها سوى ذاك النّبيه.

ما تفعله المقاومة الفلسطينية اليوم هو بحدّ ذاته، وبكل المعايير المنطقية والعقلية، أمر خارق، هو مقام بين “الكرامة” و”المعجزة”، ولكن ـ للأسف ـ لا كلمة لدينا تعبّر عن فعلهم الفريد في التّاريخ. كنّا نقرأ بعض ما يشبهه في كتب السّير والمناقب والبطولات، ولكنّ ما نشاهده بالصوت والصورة فاق كلّ ذلك.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.