منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

“أومن كان ميتا فأحييناه”    

"أومن كان ميتا فأحييناه" / عبد الصمد بن محمد احسيسن

0

“أومن كان ميتا فأحييناه”    

عبد الصمد بن محمد احسيسن

باحث في العلوم الشرعية – المغرب

كثير هم الموتى الذين عاشوا وهم موتى، وماتوا وهم موتى، فلم تبكِ على فقدهم أرض ولا سماء، كانوا يظنون أنفسهم أحياء، كانوا يخططون، ويصرخون، ويتكلمون، وينادون ولكنهم في الحقيقة كانوا موتى، الآية الكريمة تلفت أنظارنا إلى هذا المعنى الدقيق للحياة، الحياة ليس أن تكون ممن يشعر بالحياة برؤيته ونظره، وأن تأكل وتشرب، وتمشي في الأسواق، هذا معنى يشترك فيه كل الكائنات، لكن الإنسان؛ كائن مكرم ومشرف {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ} الإسراء: 70، الإنسان كائن خلق لمهمة عظيمة وجسيمة، خلق للاستخلاف في الأرض {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً} البقرة: 30، خلق لإعمار هذه الأرض بكل معاني الإعمار {هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا} هود: 61، استعمركم فيها لتعمروها بالتوبة والاستغفار والرحمة والود { فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ} وتلك هي العبادة التي لأجلها خلق هذا الكائن أساسا { وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ} الذاريات: 56.

هذه المعاني والاعتبارات جعلت حياة الإنسان لا تقاس بنفس مقاييس الكائنات الأخرى، بل جعلت الإنسان مخالفا تماما، وفي درجات أعلى منها، وإن القرآن يشبه من سفلت همته، وانحطت مكانته، ونزلت مرتبته عن أن يكون إنسانا كاملا يرتقي لمقام التكريم الذي أعطاه الله تعالى إلى درجة الكائنات الأخرى سواه { وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ} محمد: 12، فحين لم يقوموا بوظيفة الإعمار التي خلقوا لها كما أراد لهم خالقهم، شبهوا بالأنعام، ذلك لأنهم عطلوا آلة الفهم والإدراك، ولم يدركوا بها ما خلقوا من أجله، ولذلك لم تنفعهم هذه الحواس، ومن ثم كان التشبيه في آية أخرى يربط أساسا بين تعطيلهم لهذه القوى العقلية والإدراكية، وبين تلك الكائنات التي لم تنل هذا التكريم الرباني { وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا} الأعراف: 179. فهم كالأنعام لأنهم عطلوا قلوبهم فلم يفقهوا بها ما يجب فقهه، وعطلوا أعينهم وأبصارهم فلم يبصروا بها ما يجب إبصاره، وعطلوا آذانهم، وقد أوتوا القدرة على ذلك كله، ولهذا لم تكن مقارنتهم بالأنعام منصفة لأن للأنعام عذرا لما ميزوا به من العقل والإدراك، ولهذا؛ ونفيا لكل اعتراض كانت هذه الالتفاتة { أُولَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ} الأعراف: 179، فهم أضل من الأنعام.

إن هذه الاعتبارات تدفعنا للسؤال عن معنى الحياة، وكيف يكون الإنسان –الحي في نظره ونظر الناس من حوله- حيا حقيقة بمعايير القرآن؟ فما شروط الحياة؟ وما ضوابطها ومظاهرها؟

إن الآية الكريمة تفتح لنا آفاق التفكير في معنى الحياة التي يريد لنا الله تعالى أن نحياها، وأن يكون أحياء بها، وبمقاييسها، ذلك أن الآية تنص بوضوح على أن هناك طائفتين وفئتين من الناس، إحداهما حلت فيها الحياة، فأحييت، وصارت حية، وطائفة أخرى بقيت في ظلمات الموت، وليس في ظلمات العدم الحسي، فهي من جهة الحس حية موجودة، ولكن وجودها المعنوي غير حاصل (أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) [الأنعام : 122]، إذن؛ الطائفتان معا موجودتان وجودا حسيا، لكن إحداهما  لا تفقه ولا تسمع ولا تبصر، ولذلك كانت في الظلمات، فهي في ميزان الله ميتة، كانت ميتة، وبقيت كذلك، وطائفة أخرى استجابت لدواعي الحياة، وشربت ماء الحياة، واستمعت لنداء الحياة الذي به تحيا {يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ} الأنفال: 24، إذن هؤلاء استجابوا لما يحييهم، وبتلك الاستجابة أحياهم الله تعالى فقال: { أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ}، وقبل الاستجابة كانوا مواتا، واستجابوا لنداء الحياة، وقبلوا روح الحياة الذي به تحيا القلوب {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا} الشورى: 52.

إذن؛ هذا هو الفرق بين حياة وحياة، وبين موت وحياة، بل إن هؤلاء الذين يستجيبون لنداء هذه الحياة  ويضحون بأنفسهم وأموالهم في سبيلها لا يموتون أبدا، بل يحظون بحياة أبدية مستمرة لا تنقطع، إن هم ضحوا في سبيلها، وماتوا من أجلها { وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ} آل عمران: 169-170، فهم أحياء وإن غابوا عن الناس، وإن دفنوا تحت التراب، فمادة تلك الحياة التي حلت فيهم مستمرة، لا تعرف العدم والانقطاع.

وإننا إذا نظرنا في تاريخنا نرى نماذج كثيرة تجلي التطبيق العملي لهذه الآية الكرمة، نماذج كانت ميتة فأحييت، صارت حية بعد استجابتها، من منا يعرف شيئا عن حياة عمر بن الخطاب قبل إسلامه، أي عن حياته وميلاده، كان عمر معروفا بقوته وشدته، لكن: هل يعرف أحد تفاصيل حياته؟ وكيف كان؟ وما ذا صنع؟ لا شيء من ذلك، -وإن كان فشيء نادر لا يكاد يذكر- لأنه كان في عداد الموتى، وعندما جاء الإسلام، واستجاب لنداء الإسلام، وحلت فيه روح الحياة الدائمة صارت حياة عمر لها معنى واعتبار، وحفظت أقواله، ودونت أفعاله، وسجلت مواقفه، وصار حيا حياة حقيقية، وصار رمزا من رموز الحياة، واحتفظ التاريخ بتفاصيل سيرته ومواقفه، لا لشيء؛ إلا لأنه كان حيا حقيقة.

وكذلك بلال الحبشي رصي الله عنه، كان عبدا أسود لا يأبه له أحد، ولا يعيره اهتماما أي أحد؟ ومن عساه يهتم لعبد؟ ويتفطن لوجوده؟ ولا يذكر التاريخ شيئا عن حياته إذا ما استثني عن كون اسم أبيه (رباح)، واسم أمه (حمامة)، وأنه ينسب للحبشة، عدا هذا فلا شيء يذكر، لأنه كان في سجلات الموتى، لكنه حين شرب ماء الحياة، وارتوى من معينها، صار بلال بلالاً، وعرف حينها بلال، وصار له بين الناس اعتبار، وقل أن يعرف الناس شيئا عن –حياته الأولى- قبل أن تحل فيه الحياة الحقيقية، ولكنه بعد ذلك، عرف الناس خبره، وعرفوا مواقفه؛ مواقف التعذيب والتنكيل التي تلقاها في سبيل هذه الحياة، يوم كان في رمضاء مكة والحجر يعلو صدره ليرغم على النطاق بالكفر، وهو يردد: أحد، أحد، ومواقف التشريف والتكريم يوم علا الكعبة أشرف مكان في الدنيا ليصدح باسم الله مكبرا له ومعظما، وقد كان قبل سنوات فقط يجرجر غير بعيد عن هذا البيت لينطق بكلمة كفر بالله تعالى، فالفرق بين الموقفين كبير، والسر في ذلك تلك الحياة التي حلت فيه، وصار بها حيا يعرف، وتحفظ أخباره، وتدون سيرته.

والنماذج كثيرة، فسيف الله خالد كان بطلا كبيرا قبل إسلامه، وللقارئ أن يتعب نفسه ليجد وصفا لبطولاته وأمجاده قبل الإسلام ليظفر بنتفة هنا وهناك في أحسن الأحوال، لأنه كان ميتا، فلم تكن بطولاته مما يثير اهتمام الناس، ولا كان لها معنى، ولا كان ثمت ما يدعو لتسجيلها وحفظها، لكنه بعد أن أحياه الله وأخرجه من ظلماته التي كان فيها صار سيفا من سيوف الله،  فكتبت آثاره، وحفظت أخباره، ورويت للناس بطولاته، وظل خالد خالدا على ألسنة الناس في مجالسهم ونواديهم، وطابق الاسم المسمى، وصار الاسم وصفا لصاحبه، ولأمجاده، وتاريخه، وبالمقابل؛ فربما كان مع خالد وبلال من هم أقوى منهما، وأشد صلابة منهما، وأشد جرأة وشجاعة، لكن أين هم الآن؟ ومن يعرفهم أو يعرف أسماءهم؟ أو يذكرهم؟ ذهبوا وانقطعت أخبارهم، لا لشيء إلا لأنهم بقوا في الظلمات، لم يعرفوا الحياة، ولم يشربوا ماءها، ولم يستجيبوا لندائها حين ناداهم، ولذلك ماتوا وعاش غيرهم، وصدق الله: {إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ} الأنعام: 36.

وخلاصة القول؛ فإن العاقل من يعيش ليحيا، ويموت وهو حي، حي بين الناس، بأقواله، بأفعاله، بمواقفه، بتربيته، هذا هو العاقل، لا من يعيش بين الناس دهرا، وهو ميت، فتلك ليست حياة، وإن سماها حياة، أو عيشا، أو ما شاء.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.