مقاصد الشريعة: درجاتها واهمية ترتيبها
مقاصد الشريعة: درجاتها واهمية ترتيبها/حفيظة اسماعيلي
مقاصد الشريعة: درجاتها واهمية ترتيبها
حفيظة اسماعيلي
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي قال فابلغ، و أنعم فأسبغ، شرع لعباده الأحكام، و جعلها مناطة بجليل المقاصد و الأسرار، الحمد لله رب العالمين حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه و الصّلاة و السّلام على عبده و رسوله و خليله و صفوته من خلقه نبينا و إمامنا و سيدنا محمد بن عبد الله، و على آله و صحبه، و من سلك سبيله و اهتدى بهديه، و تمسّك بشريعته إلى يوم الدين.
التمييز بين المقاصد الضرورية والحاجية والتحسينية ومُكَمّلاتها
بين القرآن الكريم مقاصد الشريعة و المعاني المطلوبة من التكليف بأحكامها ومن استقرأ أحكام القرآن وجد أن الله سبحانه وتعالى ما شرع حكما إلا لمصلحة عباده، و أن هذه المصلحة إما لجلب نفع أو دفع ضرر عنهم، سواء بورود نص صريح أو بالاستنباط من دلالات النصوص و مفاهمها. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: “إن الشريعة الإسلامية جاءت بتحصييل المصالح و تكميلها و تعطيل المفاسد و تقليلها، و ترجيح خير الخيرين إذا لم يمكن أن يجتمعا، و دفع شرّ الشرين إذا لم يمكن أن يندفعا، و من مقاصد الشريعة الإسلامية المحافظة على الكليات الخمس التي تواترت رسل الله تعالى على وجوب المحافظة عليها، وهي: الدين، و النفس، و العقل،و النسب، و المال، و العرض، و منها اليسر، و رفع الحرج و المشقة “[1].
و تنقسم مقاصد الشريعة باعتبار قوتها و أثرها في قوام النظام والانتظام إلى ضروريات، و حاجيات، و تحسينات. وقد نال هذا التقسيم شهرة، و يعد أبو إسحاق الشاطبي شيخ المقاصد بلا منازع
القسم الأول: المقاصد الضرورية أوالضروريات:
هي المصالح التي لا بد منها لاستقامة أحوال العالم، بحيث إذا فُقِدَت أدى ذلك إلى فساد نظام العام و أصبح حال النّاس أشيه ما يكون بحال البهائم و الأنعام، و حصل لهم الضلال في الحياة الدنيا و حصل لهم الخسران المبين في الحياة الآخرة
أو هي كما قال محمد الطاهر بن عاشور: “التي تكون الأمة بمجموعها و آحادها في ضرورة إلى تحصيلها، بحيث لا يستقيم النظام باختلالها، بحيث إذا انخرمت تؤول حالة الأمة إلى فساد و تلاش”[2]:و قد حصرها العلماء في حفظ خمسة أشياء و هي مرتبة بالاستقراء من الأعلى إلى الأدنى
القسم الأول: حفظ الدين
القسم الثاني: حفظ النفس
القسم الثالث: حفظ العقل
القسم الرابع: حفظ النسل
القسم الخامس:حفظ المال
يصف الإمام الغزالي رحمه الله و هو من أوائل من تحدّث عن هذه الضروريات الخمسة بأنها أصول المقاصد التي جاءت الشريعة لرعايتها، كما يصفها بأنها واقعة في رتبة الضرورات، و يقول: “و مقصود الشرع من الخلق خمسة: و هو أن يحفظ عليهم دينهم، و نفسهم، و عقلهم، و نسلهم، و مالهم،فكل ما يتضمن حفظ هذه الأصول فهو مصلحة، و كل ما يًفوّت هذه الأصول فهو مفسدة، و دفعها مصلحة”[3]
و قد عرفها الإمام الشاطبي رحمه الله بأنها: “ما لا بد منها في القيام بمصالح الدين و الدنيا بحيث إذا فقدت لم تجر مصالح الدنيا على استقامة بل على فساد و تهارج و فوت حياة و في الأخرى فوت النجاة و النعيم و الرجوع بالخسران المبين” .[4]
و نجد الإمام الشاطبي يعبّر عنها بالضروريات، و أحيانا أخرى بالأصول الكلية فيقول: “الأصول الكلية التي جاءت الشريعة بحفظها بخمسة، و هي: الدين و النفس، و العقل، و النسل، و المال” [5].
و لرعاية هذه المقاصد، وضع الشارع طريقين أساسيين:
,أولا: وضع الأحكام الشرعية التي تؤمّن وجود هذه المصالح، و تقيم اركانها، و توفر تحقيق المنافع منها، و ذلك في حالة وجودها .
ثانيا: وضع الأحكام الشرعية التي تحفظ هذه المصالح، و تصونها من الضياع أو الإخلال بها، و ذلك في حالة العدم، لدفع المفاسد عن الناس.
1-حفظ الدين يكون بأمرين:
- مراعاة حفظه من جهة الوجود بتوحيد الله تعالى، و إقامة أركان الإسلام، و إقامة حد الردة، والإتيان بالصلاة يقول ابن راشد القفصي عن الحكمة في الصلاة: “التذلل والخضوع لله تعالى المستحق للتعظيم و مناعمة القلب بذكره”[6].
ثم الزكاة وسائر أركان الإسلام ونحو ذلك مما يثبت به الدين ويزداد.
ب- مراعاة حفظه من جهة العدم، بأن لا يفعل ما ينافيه من الشرك بالله والوقوع في ناقض من نواقض الدين أو فيما يؤدي إلى نقص الإيمان وضعفه.
يقول ابن تيمية: “فالمقصود أن يكون الدين كله لله، أن تكون كلمة الله هي العليا و كلمة الله إسم جامع لكلماته التي تضمنها كتابه” [7].
2- حفظ النفس: يكون بأمرين:
أ- حفظها من جانب الوجود، بتناول الطعام و الشراب و اتخاذ الملبس و المسكن، مما يترتب عليه بقاء الحياة و صون الأبدان .
ب – حفظها من جانب العدم، بإقامة العقوبات على من سوّلت له نفسه المساس بها، و لذا شرع القصاص لأنه يحصل به حفظ النفوس مصداقا لقول الله تعالى: “و لكم في القصاص حياة يا أولي الألباب لعلكم تتقون”[8].
و قد عبّر ابن عاشور عن هذا المقصد بالتأديب الراجع إلى إصلاح الفرد [9]
3- حفظ العقل: يكون بأمرين:
أ-حفظه من جانب الوجود، بتوجيهه إلى النظر و التفكير و الاستنتاج، لقوله تعالى: “أفلا ينظرون”[10] “أفلا يعقلون”[11] “لعلهم يتفكرون” [12]:
- حفظه من جانب العدم، بالبعد عن الشبهات و الآراء الفكرية المنحرفة، و بتحريم المسكرات و إقامة حد شرب الخمر .
قال الدكتور القرضاوي: “وهناك بعض الملاحظات على استدلال الأصوليين على بعض الضروريات و الكليات، مثل استدلالهم على حفظ العقل بتحريم الخمر و فرض العقوبة على شاربها . و أرى أن حفظ العقل يتم في الإسلام بوسائل و أمور كثيرة، منها: فرض العلم على كل مسلم و مسلمة، و الرحلة في طلب العلم، و الاستمرار في طلب العلم من المهد إلى اللحد، و فرض كل علم تحتاج إليه الأمة في دينها أو دنياها فرض كفاية، و إنشاء العقلية العلمية التي تلتمس اليقين و ترفض اتباع الهوى، كما ترفض التقليد للآباء و للسادة الكبراء، أو لعوام الناس، شأن الإمعة، و الدعوة إلى النظر و التفكر في ملكوت السماوات و الأرض و ما خلق الله من شيء” [13]
4- حفظ النسل: يكون بأمرين:
أ- من جهة الوجود، بإباحة ما فطرت عليه النفس البشرية، فشرع النكاح، و أحكام الحضانة، و النفقات، و ما إلى ذلك
ب- حفظه من جهة العدم، بمحاربة و عقوبة من يساهم في اختلاطه و إضعافه و انحلاله، لذا شرع حد الزنا و القذف .
5- حفظ المال: يكون بأمرين:
أ- حفظه من جانب الوجود، بتنميته تنمية مشروعة، و لذا شرع المولى عز وجل طرقا لكسبه، و إنفاقه، و تنميته .
ب- حفظه من جانب العدم، بتحريم السرقة والغش، و الرشوة، بل إن الشارع أقام عليها عقوبات مقدرة و غير مقدرة، قال الله تعالى:”و السّارق و السّارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من الله و الله عزيز حكيم”[14]
و ترك العقوبات الغير مقدرة للحاكم يتصرف فيها، وٍفْق ما تقتضيه المصلحة.
و قد دعا الأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله إلى مُراجعات في مجال المقاصد على مستوى الصياغة و على مستوى ترتيب الكليات و تصنيفها، حيث قرر أن المقصد الأسمى المقرر قرآنا الملح واقعا أن يكون الدين كله لله، يقول الأستاذ عبد السلام ياسين: ” الدين هو المركز و الكل هو الأصل، و الكل يخدم الدين” [15]. فأضاف حفظ وحدة الامة كما أن أم بقية المقاصد وحدة شتات الأمة، و هما مقصديان شرطيان لبقية المقاصد . فالأمة حين تتوحد يعني أنها تولد من جديد ولادة فاعلة بانية .
القسم الثاني: الحاجيات، أوالمقاصد الحاجية::
عرفها الإمام الشاطبي بقوله: ” و أما الحاجيات، فمعناها أنها مفتقر إليها من حيث التوسعة ورفع الضيق المؤدي في الغالب إلى الحرج و المشقة بفوت المطلوب، فإذا لم تراع، دخل على المكلفين على الجملة الحرج و المشقة، و لكنه لا يبلغ مبلغ الفساد العادي المتوقع في المصالح العامة “[16].
و عرفها العلامة ابن عاشور بقوله: “و لننتقل إلى صنف الحاجي، و هو ما تحتاج الأمة إليه لاقتناء مصالحها و انتظام أمورها على وجه حسن، بحيث لولا مراعاته لما فسد النظام، و لكنه كان على حالة غير منتظمة فلذلك كان يبلغ مبلغ الضروري “[17] .
المقاصد الحاجية هي: المصالح التي يُفْتَقَرُ إليها لرفع الحرج و المشقّة عن المكَلّفين. و من أمثلة ذلك، رخص السفر و المرض، و كذلك كل ما يتعلق بأمورالمعاملات كالبيوع و القِراض و الشركات و القرض و نحو ذلك من أمور المعاملات .
و هي الأمور التي احتاجها الناس لتأمين شؤون الحياة بيسر و سهولة، و تدفع عنهم المشقّة، فإذا فُقِدت هذه الأمور لا يختل نظام حياتهم، و لا يتهدّد وجودهم، و لكن يلحقهم الحرج و الضيق، لذلك تأتي الأحكام التي تُحقّق هذه المصالح الحاجية للناس، لتساعدهم على صيانة مصالحهم الضرورية و تاْدِيتِها و هي جارية في العبادات و العادات، و المعاملات، و الجنايات .
في العبادات: شرعت الرخص المخففة للمشقّة المرتبة على السفر و المرض.
في العادات: أبيح الصيد و التمتع بالطيبات مما هو حلال مأْكلا و مشربا ً وملبساً ومركباً و ما إليه.
في المعاملات: شرعت القسامة، و ضرب الدّية على العاقلة، و تضمين الصًنّاع، و ما أشبه ذلك .
الفرق بين الضروريات و الحاجيات:
هو أن الضروريات يترتب على فقدها و اختلالها فساد العالم و اضطرابه، فإذا فسد الدين فسد حال العالم وأصبح الناس أشبه ما يكونون بحال البهائم و الأنعام، كما قال الله عز وجل ” إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا”[18]إ
ذا فسدت النفوس بالتهارج و التساهل في الدماء اضطرب نظام العالم و حصل الفساد و اختل نظامه، و كذلك إذا فسدت العقول بالشبهات و المسكرات أو فسدت بالأنساب أو فسدت الأموال بالربا و الغصب و السرقة، فإن نظام العالم يضطرب و يختل، لكن الحاجيات إذا فقدت لا يترتب على فقدها اختلال نظام العالم و اضطرابه، و إنما يترتب على فقدها وقوع الناس في الحرج و المشقة، فهذا هو وجه الفرق .
القسم الثالث: المقاصد التحسينية:
تأتي في المرتبة الثالثة بعد الضروري و الحاجي، و قد عرفها الإمام الغزالي بقوله: ” الرتبة الثالثة: ما لا يرجع إلى ضرورة و لا إلى حاجة، و لكن يقع موقع التحسين و التزيين و التيسيرللمزايا و المزائد، و رعاية أحسن المناهج في العادات و المعاملات .[19]
و عرفها الإمام الشاطبي بقوله: ” الأخذ بما يليق من محاسن العادات، و تجنب الأحوال المدنسات التي تأنفها العقول الراجحات، و يجمع ذلك قسم مكارم الأخلاق”[20]
و عرفها الدكتور البوطي بقوله:” و أما التحسينات: ىفإن تركها لا يؤدي إلى ضيق، و لكن مراعاتها متفقة مع مبدأ الأخذ بما يليق، و تجنب ما لا يليق، و متمشية مع مكارم الأخلاق و محاسن العادات”:[21]
وهي الأمور التي تتطلبها المروءة و الآداب و مكارم الأخلاق، و يحتاج الناس إليها لتسير شؤون حياتهم على أكمل وجه، وإذا فقدت لا تختل شؤون الحياة، و لا ينتاب الناس الحرج و المشقة، و لكن يحسّون بالخجل وتستنكر عقولهم و تأنف فطرتهم من فقدها. و من أمثلة ذلك ما يلي:
فيما يتعلق بالعبادات: شرعت الطهارات كلها، و ستر العورة، و أخذ الزينة، و التقرب بنوافل الخيرات ….
فيما يتعلق بالعادات: كآداب الأكل و الشّرب، و مجانبة المآكل و النّجِسات، و المشارب المًسْتخْبُات، و الإسراف و الإقتار في المتناولات.
فيما يتعلق بالمعاملات: كالمنع من بيع النجاسات، و فضل الماء و الكلإ، و ما أشبه ذلك.
فيما يتعلق بالجهاد: كمنع قتل النساء و الصبان و الرهبان، و ما إلى ذلك.
فيما يتعلق بحفظ النسب: شرعت أحكام الكفاءة في اختيار الزوجين، و آداب المعاشرة بينهما .
أهمية ترتيب هذه المقاصد:
تبرز أهمية المقاصد الضرورية بالصورة المتقدمة: الضرورية ثم الحاجية ثم التحسينية فيما يلي:
أولا: إن معرفة مقصد الشارع من الحكم الشرعي يعين على فهم النص على وجهه الصحيح، و من ثم تساعد على حسن تنزيله على الوقائع سواء من جهة الاهتداء بفهم المقصد العام في تنزيل الحكم الكلي على الجزئيات، أو الترجيح بين ما ظاهره التعارض .
ثانيا: إن هذا التقسيم يحدد مراتب الأحكام الشرعية بحسب المقصود منها، فالضروريات مقدمة على التحسينيات، و النازل مكمل للعالي، فلا يراعي الحكم النازل كالتحسيني مثلا إذا عاد على الحاجي أو الضروري بالإخلال، أما الضروري فلا يجوز الإخلال به إلا إذا أخل بكلي أهم منه كالتضحية بالنفس في الجهاد للحفاظ على الدين
الأحكام المكملة للمصالح:
اقتضت الحكمة الإلهية أن تضع أحكاما تشريعية إضافية مكمّلة للأحكام التي شرعت لحفظ كل نوع من أقسام المصالح، لتصبح أماناً احتياطيًّا، و سياجً واقيًا، لتكون لشريعة تامّة و كاملة، كما ارتضاها لنا المولى عز وجل .
~ شرع الإسلام الصلاة لحفظ الدين، و شرع للصلاة أحكاما تكميلية، كالآذان لإعلالها، و صلاة الجمعة في المسجد، و خطبة الجمعة و العيدين لتعليم الناس أمور دينهم .
* شرع القصاص لحفظ النفوس، و شرع لإكماله التماثل في النفس و العضو والجروح .
* شرع النكاح لحفظ النسل و النسب، و شرع لإكمال المقصد منه الاعفاف، و القيام بحقوق الزوجية .
و حسن المعاشرة، و السعي لكسب الحلال، و القيام بشؤون البيت .
* حرّم الإسلام الزنا لحفظ العرض و صَوْن النسل، و شرع لإكماله غضّ البصر، و الاستئذان عند دخول البيت، و حرّم التبرّج و إبداء الزنة، و حرّم الخلوة بالمرأة الأجنبية.
* حرّم الإسلام الخمر لحفظ العقل، و شرع لإكماله تحريم القليل منه، و لو لم يُسْكِر، كما طلب الشارع التورُّع عن الشبهات .
* شرع الإسلام لتكميل الحاجيات الشروط في العقود، و نهى عن الغرر و الجهالة المُفْضِيات إلى التخاصم .
* و في التحسينات بيّن الشارع شروط الطهارة، و الإنفاق من الكسب الطيب، و أن يحسن المسلم الأضحية و العقيقة، و نهى عن الإسراف و التقتير.
و قد شرط الشاطبي في كل تكملة ألا يعود اعتبارها على الأصل بالإبطال، فإن أفضى اعتبارُها إلى هدم أصلها، فلا يلتفت إليها و ذلك لوجهين:
أحدهما: أن في إبطال الأصل إبطال التكملة، لأن التكملة مع ما كمّلتْه كالصفة مع الموصوف .
و الثاني: لو قدّر قديرًا أن المصلحة التكميلية تحصل مع فوات المصلحة الأصلية، لكان حصول المصلحة الأصلية أولى، لما بينهما من التفاوت.ضص
و لقد وضع الشاطبي خمس قواعد أوضح فيها ما تكون عليه المقاصد الضرورية إذا تعرضت للاختلال، وهي:
1 – أنّ الضّرر يُؤصل لما سواه من الحاجي و التكميلي ..
2– أنّ اختلال الضروري يلزم منه اختلال الباقيين بإطلاق أي اختلالا تاما .
3– أنه لا يلزم من اختلال الباقيين اختلال الضروري .
4 – أنه قد يلزم من اختلال التحسين بإطلاق أو الحاجي بإطلاق اختلال الضروري بوجه ما .
5 – أنه ينبغي المحافظة على الحاجي و على التحسيني لحفظ الضروري .
و نتيجة لهذا على المرء أن يعتني بهذه المكمّلات، حتى يأتي بالضروري كاملا و متينا و محصنا.
يقول الإمام الشاطبي رحمه الله: “الصلاة – مثلا- إذا تقدمتها الطهارة أشعرت بتأهُب عظيم، فإذا استقبل القبلة أشعر التوجُّه بحضور المتوجّه اليه، فإذا أَحضرنية التعبّد أثمر الخضوع و السكون، ثم يدخل فيها على نسقها بزيادة السورة خدمة لفرض أمّ القرآن، لأن الجميع كلام الرب المتوجَّه إليه، و إذا كبَّر وسبّح و تشهَّد،فذلك كله تنبيه للقلب و إيقاظ له أن يغفل عما هو فيه من مناجاة ربهم و الوقوف بين يديه، و هكذا إلى آخرها، فلو قدّم قبلها نافلة كان ذلك تدريجيا للمصلّي و استدعاء للحضور، و لو أتبعها نافلة أيضا لكان خليقا باستصحاب الحضور في الفريضة”[22].
و يقول أيضا: “:فأنت ترى هذه المكمّلات الدائرة حول حمى الضروري خادمةً له و مقوية لجانبه، فلو خَلت عن ذلك أو عن أكثره، لكان خللا فيها، و على هذا الترتيب يجري سائر الضروريات مع مكملاتها لمن اعتبرها “[23].
أهمّية التقسيم
تظهر أهمية التقسيم في مسائل الترجيح بين المصالح، و ذلك علي الترتيب التالي:
1 – الضروري
2 – الحاجي
3– مكمّل للحاجي
4 – التحسيني
5– مكمل للتحسيني
فإذن معرفة المراتب، و معرفة الدرجات،و معرفة الأهمية، هذا التقسيم يفيدنا في فهم أيها يراعى أولا ؟ أيها يقدم عند التعارض ؟ أيها تصرف له الجهود الأكثر في مراعاته و حفظه ؟ و هذا ما يظهر ترتيب هذه المقاصد
فإذا حصل تعارضٌ بين مصلحتين نتج عن هذه المراتب الست عدة حالات، نذكر بعضها:
1 – أن تكون كلا المصلحتين في رتبة الضروري، إلا أن الأولى تتعلق بحفظ النفس و ما دونها، فتًرجَّح الأولى على الثانية .
مثال ذلك: قتل أسرى المسلمين الذين تترسَ بهم الكفار ليداهموا أرض المسلمين، فيقتلوهم و يفتنون من بقي منهم عن دينه، لأن في قتلهم كسرًا لشوكة الكفار، وينتج عنه المحافظة على الدين،و هي أقوى من مصلحة المحافظة على النفس، فرجحت عليها .
2 – أن تكون الأولى في رتبة الضروري، و الثانية في رتبة المكمِّل له، فترجح الأولى على الثانية .
مثال ذلك: الجهاد وراء الإمام الفاسق، لما جاء في سنن أبي داود: ” الجهاد واجب عليكم مع أمير، برًّا كان أو فاجرا” . فجهاد الكفار من أجل حفظ الدين ضروري، و توفر العدالة في الإمام الذي نجاهد خلفه مكمّل لهذا الضروري، لذا رُجِّح ما هو في رتبة الضروري على ما هو مكمّل له، فجاز أن نجاهد وراء الفاسق .
3 – أن تكون الأولى في رتبة الضروري و الثانية في رتبة الحاجي، فترجح الأولى عِلَلِي الثانية.
مثال ذلك: من أشرف على الهلاك، و لا يوجد أمامه إلا الحرام كالميتة، فإن ترك الميتةَ حافظ على الضروري و أهلك نفسه، وإن تناول الميتة حافظ على الضروري على حساب الحاجي المتمثل في تناول الخلال، فيجب عليه أن يتناول الميتة بالقدر الذي يحافظ فيه على حياته,
4 –أن تكون الأولى حاجية والثانية تحسينية، فترجح الأولى على الثانية.
مثال ذلك: الصلاة خلف الإمام الفاسق، لما جاء في الحديث: “و الصلاة واجبة عليكم خلف كل مسلم، برًّا كان أو فاجرا وإن عمل الكبائر”, رواه أبو داود .
فصلاة الجماعة من شعائر الإسلام، و هي في رتبة الحاجي، و أداؤها وراء الإمام الصالح من التحسينات فإذا انعدم الصالح و حلَّ محله الفاسق، تعيَّنت صلاة الجماعة وراءه، و إقامة لهذه الشعيرة، ترجيحا للحاجي على التحسيني .
ولقد وضع علماء الفقه و الأصول لترجيح أحد الأحكام و المصالح على الآخر وهي:
- الضرورات تبيح المحظورات .
- يتحمّل الضرر الخاص لدفع الضرر العام .
- يختار أهون الشرين .
- يرتكب أخفّ الضررين لاتقاء أشدهما .
- المشقة تجلب التيسير .
- الخاجة تنزل منزلة الضرورة .
- الحرج مرفوع شرعا .
- الضرر يزال شرعا .
- الضرر لا يزال بالضرر .
- دفع المضار مقدّم على جلب المنافع .
- درء المفاسد أولى من جلب المصالح .
مسألة من المسائل التي ذكرها الشاطبي: المصالح المجتلبة و المفاسد المستدفعة إنما تعتبر من حيث تقام الحياة الدنيا للحياة الأخرى، لا من حيث أهواء أهواء النفوس في جلب مصالحها العادية، أو درء مفاسدها العادية، و الدليل على ذلك أمور:
أحدهما: أن الشريعة إنما جاءت لتُخرج المكلّفين عن دواعي أهوائهم، حتى يكونوا عبادا لله، و هذا المعنى إذا ثبت لا يجتمع مع فرض أن يكون وضعُ الشريعة على وِفْقَ أهواء النفوس، و طلب منافعها العاجلة كيف كانت .
و الثاني: أن المنافع الحاصلة للمكلّف مشُوبة بالمضارّ عادة، كما أن المضار محفوفة ببعض المنافع، كما جاء في جهاد الكفار، و قتل المرتد، و غير ذلك،
و كما إذا عارض إذا عارض إحياء نفس واحدة إماتة نفوس كثيرة في المحارب مثلا، كان إحياء نفوس كثيرة أولى
خاتمة
إن رعاية المقاصد الخمسة، الدين، و النفس، و العقل، و النسل، و المال، و المحافظة عليها في جوانبها الثلاثة الضرورية و الحاجية و التحسينية، هي في نظر الشارع وسيلة إلى تحقيق غاية كلية واحدة و هي: أن يكون المكلفون عبيدا لله تعالى في التصرف و الاختيار كما هم عبيد له عز و جل بالخلق و الاضطرار.
يقول الأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله ” أن أي شيء لم تعلم مقاصده، أو لم تراع و لم تتحر عند استعماله أو التعامل معه، فقد ضاغت حقيقته و قيمته و فائدته، و لو بقي منه ما بقي: و هنا نستحضر كلمة الشاطبي: “المقاصد أرواح الأعمال” .[24]
[2] -مقاصد الشريعة للإسلامية لإبن عاشور ص 200.
[3]-المستصفى للإمام الغزالي الجزء 1 ص 217.
[4] الموافقات للإمام الشاطبي ص202
[5]– الموافقات للإمم الشاطبي الجزء 3 ص 46-47.
[6]-لباب اللباب لابن راشد القفصي الجزء 1 ص 152.
[7]– مجموع الفتاوي لابن تيمية الجزء 28 ص 263.
[8]-سورة البقرة الأية 179.
[9]-مقاصد الشريعة الإسلامية للدكتور نعميم جغيم، المبحث الثالث المقاصد الخاصة للأحكام الشرعية ،المطلع الرابع مقاصد العقوبات في الإسلام ص 203.
[10]-سورة الغاشية الأية 17.
[11]-سورة ياسين الأية 68.
[12]-سورة الحشر الأية 21.
[13] دراسة في فقه مقاصد الشريعة، ص 29
[14]-سورة المائدة الأية 38.
[15] نظرات في الفقه و التارخ للاستاذ عبد السلام ياسين
[16] الموافقات للإمام الشاطبي، ص 203
[17] مقاصد الشريعة الإسلامية، ابن عاشور، ص 241
[18]-سورة الفرقان الأية 44.
[19] المستصفى، ج 2 ص 241
[20] الموافقات للإمام الشاطبي، ص 203
[21] ضوابط المصلحة في الشريعة الإسلامية، ص 111
[22]-الموافقات للإمام الشاطبي الجزء 2 ، ص 32.
الإمام الشاطبي، مرجع سابق.-[23]
[24] أحمد الريسوني، مقاصد المقاصد، الغايات العلمية و العملية لمقاصد الشريعة، ص 5