أيتها السنة لا عليك
بقلم: حسناء ادويشي
السنة تمر تنفلت كالماء من بين الأصابع، ومعها يتصرم العمر، تنقضي حصيلة الأيام شيئا فشيئا. فماذا أقول لك أيتها السنة؟ وماذا أحكي لك؟ أنت خلق من خلق الله، وقدر من قدره، نعيش بين لياليك وأيامك في حيز زمني ومكاني مقدر سلفا، فهل أشكرك على ما تم فيك من جميل المناسبات، وعظيم الإنجازات، أو ما تركت من خالد الذكريات، ولحظات الوصال والقرب من رب الأرض والسماوات، في لياليك الساكنة، حيث تحلو المناجاة، وتصفو الروح، وتعرج بدعائها إلى أعلى المقامات قربا من سميع قريب مجيب، باسط كفيه لعبد كثير الإلحاح في الطلب، قليل الصبر على انتظار الإجابة؟ أعظم اللحظات فيك تلك التي صغرت فيها النفس، وتذللت أمام المنعم عليها بالخيرات، تطلب العفو وغفران الزلات، وترجو الحظوة بمكانة تسمو فيها الروح وتتطهر وتصفو، فتهون عليها ساعتها عقبات الحياة. حبل الوصال الممدود في لياليك وأيامك هو كرم من الله على عبد قد تأخذه أيامك في عجلاتها الدائرة المسرعة خطوا، المتلهفة -طبعا- إلى فتنها المتنوعة، ومغرياتها المدهشة، فيتيه عن الوجهة والقصد.
لحظات من أيامك ماتعة جمعت الإخوة والأهل والأحباب في وداد ومرحمة، وسجلت في دفترها أعذب اللحظات وأروع الابتسامات،ولحظات أخرى أرّخت لكد وسعي ومكابدة ونجاح وتتويج، وأخرى عانقت الروح فيها معاني التسامح والعفو والحلم، وسويعات طالت منك في الترقب والانتظار قبل أن تطلي علينا بخبر البشارة والانتصار. فما أحلى أيامك الثمينة، التي هي أجمل ما يمكن أن نعتز بأن يدون في أيامك التي هي الكتاب.
وهل أحاسبك على ساعات وليال وأيام منك، ذقنا ألوان المشقة والضنك والألم والعذاب؟ ألم هو الإحساس بانفلات هذه الأيام من العمر بخسارات نحسبها، أو هزائم تؤرخ، أو جهل بالنفس التي تتنكر، فتنشأ الغربة بينها وبين صاحبها، تجافيه، وتدنو به إلى أحط الدرجات، فتسيطر الحياة فيك ويغفل القلب عن هاذم اللذات. هل أحاسبك على حروب أشعلها الإنسان، نتذوق لظاها، ونكتوي بنيرانها، وتتقطع أوصال الإنسانية فيها، حيث ينقسم العالم، وتطمس معالم القيم، ويعلو صوت المدفع والرصاص، ويبح صوت الصبية من الجوع والمرض والفقد والألم، يعلو صوت الظلم على صوت الأرملة والثكلى واليتيم والفاقد والمفقود والأسير والمعتقل وهم ينادون أين الحقوق وأين المبادئ والأخلاق والقيم؟
أيام منك طالت؛ رسخت في الأذهان صورا بشعة، لم تبددها محاولات الإعلام اليائسة للتطبيع معها أو نسيانها أو حتى اختراع القصص لتكذيب بعضها أو تشكيك الناس فيما لم يعد يقبله العقل، أما القلب فقد عاف ومرض وأصابه الوهن، وأوشك على إعلان يأسه من هبة تفيق الضمير الإنساني، لينتشل الإنسانية من وديان الدم.
لا عليك أيتها السنة، فأيامك كانت مثختة بجروح، ملطخة بالدماء، مقيدة بسلاسل السجين والمعتقل، لا عليك فالندوب حفرت في قلوبنا قبل الأجسام، وأصبحت وشما يذكرنا دائما بك، وبما عشنا فيك من أسى، غطى على لحظات الحلم والأمل. لا عليك، فلن نلومك لأننا نحن من نكتب على دفاترك الأحداث، ونحن من نفني سويعاتك في الصراع والحقد، فالعيب فينا، فهل تدول الأيام وتسعف الحروف لترحل بنا الدقائق المتبقية فيك إلى لحظات جمال و حب وتآخ ونصر على الفساد والظلم. حتما لن يطول ليل القهر فالفجر مؤذن بفرح ونصر لكل الإنسانية، وحتما ثغرك مشتاق لبسمة تجملك،
وكلمة حلوة تكون مسك ختامك.