لا للتطبيع؟| سلسلة معراج الروح:
الأستاذ رشيد كريم
بين يدي الموضوع
كثير منا عندما يسمع مصطلح التطبيع، يذهب ذهنه الى التطبيع بحمولته السياسية على اعتبار أنه جوهر السلام وشعاره، وقاعدته وأساسه، أما مقتضياته ومتطلباته فحقيقتها الهوان السياسي، والانسلاخ الثقافي، والاختراق الأمني، والارتهان الاقتصادي، والمراد منه ببساطة ووضوح أن نعتبر الأعداء أصدقاء، وننسى تاريخهم العدواني، ونغض الطرف عن واقعهم الإجرامي… لئلا يكون هناك ما يثير حفيظتهم أو يكشف حقيقتهم، ولمزيد من إثبات إنهاء العداء فعلينا أن نفتح لهم أسواقنا ومصانعنا لينتجوا، وأراضينا حقولنا.. بل ومدارسنا ومعاهدنا … كل هذا ليمسخوا هويتنا، ويتحكموا في رقابنا
هذا على المستوى السياسي
أترك هذا التطبيع بكل هذه الحمولة السياسية و الاقتصادية لأهل الاختصاص و أحدثكم عن تطبيع من نوع آخر، تطبيع أخطر من التطبيع مع العدو المحتل، إنه التطبيع مع الشيطان، التطبيع مع المعاصي.
التطبيع مع المعاصي خطير المطبع معها، بهذا الفعل الشنيع لا تبقى له مقاومة للمعصية، بل ربما تجرأ على معصية أخرى، بل ربما استهان بها و هذا لا قدر الله يجعلها كبيرة من الكبائر، وقد حذرنا رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم من خطر استصغار الذنوب والاستهانة بها فقال صلى الله عليه وسلم: ﴿إياكم ومحقرات الذنوب، فإنما مثل محقرات الذنوب كمثل قوم نزلوا بطن واد، فجاء ذا بعود، وجاء ذا بعود، حتى حملوا ما أنضجوا به خبزهم، وإن محقرات الذنوب متى يؤخذ بها صاحبها تهلكه﴾، وفي رواية: ﴿إياكم ومحقرات الذنوب فإنهن يجتمعن على الرجل حتى يهلكنه﴾، وإنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ضرَبَ لهنَّ مَثلًا: ﴿كمَثلِ قَومٍ نزَلوا أرضَ فَلاةٍ، فحضَرَ صَنيعُ القَومِ، فجعَلَ الرَّجُلُ ينطلِقُ، فيَجيءُ بالعودِ، والرُّجُلُ يَجيءُ بالعودِ، حتى جمَعوا سَوادًا، فأجَّجوا نارًا، وأنضَجوا ما قذَفوا فيها﴾
التطبيع مع المعصية يؤدي إلى كل ذلك، يقول مولانا رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿أوصيكُم بأصحابي، ثمَّ الَّذينَ يلونَهم، ثمَّ الَّذينَ يلونَهم ثمَّ يفشو الكذبُ حتَّى يحلِفَ الرَّجلُ ولا يُستَحلَفُ، ويشهدَ الشَّاهدُ ولا يُستَشهَدُ، ألا لا يخلوَنَّ رجلٌ بامرأةٍ إلَّا كانَ ثالثَهما الشَّيطانُ، علَيكُم بالجماعةِ، وإيَّاكم والفُرقةَ؛ فإنَّ الشَّيطانَ معَ الواحدِ، وَهوَ منَ الاثنَينِ أبعدُ، مَن أرادَ بَحبوحةَ الجنَّةِ فلْيلزَمِ الجماعةَ. مَن سرَّتهُ حسنتُهُ وساءتْهُ سَيِّئتُهُ فذلِكم المؤمنُ﴾
الراوي: عمر بن الخطاب – المحدث: الألباني – المصدر: صحيح الترمذي- خلاصة حكم المحدث: صحيح
التخريج: أخرجه الترمذي واللفظ له، وأحمد باختلاف يسير
الشاهد عندنا في الحديث ﴿مَن سرَّتْه حسنَتُه وساءَتْه سيِّئتُه فذلكم المؤمِنُ﴾ أي: مِن علاماتِ الإيمانِ إذا أذنَبَ العبْدُ أنْ يَسوءَه ذلك الذَّنبُ، ويظلَّ نادِمًا يلومُ نفسَه على ارتِكابِه ذلك الذَّنبَ، وإذا فعَل قُرْبةً للهِ عزَّ وجلَّ يظَلُّ مَسرورًا بتوفِيقِ اللهِ له، وشاكِرًا للهِ على تثبيتِه وتوفِيقِه وهدايَتِه.
أحبتي لنرفع هذا الشعار: لا للتطبيع مع المعصية، يجب أن يبقى في قلب العبد السالك الى الله، الراغب فيما عند الله، كره و بغض للمعصية سواء وفقه الله تعالى لتركها أم لم يوفق بعد لذلك.
كيف نطبق شعار: لا للتطبيع مع المعصية ؟
السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح أمام العبد: كيف نطبق هذا الشعار – لا للتطبيع -؟
أول خطوة، لابد أن نتعرف على أضرار المعصية وشؤمها، ويمكن إجمالها فيما يلي:
- المعصية تأتي بأختها، فالمعاصي كالسلاسل ومن عقوبة الذنب ذنب بعده.
- المعصية تسبب الهم والغم في القلب ﴿ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا﴾ سورة طه الآية 122
- المعصية سبب ذهاب البركة
- المعصية سبب لتنغيص الآخرة …
أخي الكريم تذكر دائما أضرار المعصية، حتى لا يكون بينك وبينها أي تطبيع.
استحضر ضرر المعاصي وشؤم عاقبتها في دينك، ودنياك، وآخرتك يهن عليك البعد عنها و التطبيع معها، فإن للمعاصي عقوبات معجلة في الدنيا، سوى ما ينتظر العاصي في الآخرة، ومن ذلك ما ذكره ابن القيم في الفوائد بقوله: ( قلة التوفيق، وفساد الرأي، وخفاء الحق، وفساد القلب، وخمول الذكر، وإضاعة الوقت، ونفرة الخلق، والوحشة بين العبد وبين ربه، ومنع إجابة الدعاء، وقسوة القلب، ومحق البركة في الرزق والعمر، وحرمان العلم، ولباس الذل، وإهانة العدو، وضيق الصدر، والابتلاء بقرناء السوء الذين يفسدون القلب ويضيعون الوقت، وطول الهم والغم، وضنك المعيشة، وكسف البال، تتولد من المعصية، والغفلة عن ذكر الله، كما يتولد الزرع عن الماء، والإحراق عن النار).
هل من سبيل آخر لعدم التطبيع مع المعصية؟
نعم أخي الكريم أختي الكريمة، الله تعالى أرشدنا إلى السبيل فقال عز من قائل:
﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ ۚ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ۚ ذَٰلِكَ ذِكْرَىٰ لِلذَّاكِرِينَ﴾ سورة هود الآية 114
﴿وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَٰئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ﴾ سورة الرعد الآية 24
﴿أُولَٰئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ سورة القصص الآية 54
ودلنا رسول الله ﷺ فقال ﴿اتَّقِ اللهَ حيثُما كنتَ، وأتبِعِ السَّيِّئةَ الحسَنةَ تَمْحُهَا، وخالِقِ النَّاسَ بخُلُقٍ حَسنٍ﴾ الراوي: أبو ذر الغفاري – المحدث: الألباني – المصدر: صحيح الترغيب – خلاصة حكم المحدث: حسن لغيره – التخريج: أخرجه الترمذي وأحمد
وفي هذا الحَديثِ يقولُ الرَّسولُ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم: ﴿اتَّقِ اللهَ﴾، والتَّقوى هي الخوفُ مِن اللهِ ومُراقبتُه وأنْ تَجعَلَ بينَك وبينَ عَذابِ اللهِ وِقايةً، وتَكونُ بالإتيانِ بالواجباتِ، والامتِناعِ عَن المُحرَّماتِ
﴿حيث ما كُنتَ﴾، أي: في كلِّ مكانٍ وجِهَةٍ، وفي سِرِّك وعَلانِيَتِك، وفي بَلائِك ورَخائِك، وفي كلِّ أحوالِك،
﴿وأَتبِعِ السَّيِّئةَ الحسَنةَ تَمحُها﴾، أي: إن وقَعتَ في سيِّئةٍ، فافعَلْ وَراءَها حسَنةً مِن صلاةٍ وصَدقةٍ، وسائرِ ما يُوصَفُ بالحسَنةِ؛ فإنَّ ذلك يَرفَعُ، ويَمْحو تلك السَّيِّئةَ،
﴿وخالِقِ النَّاسَ بخُلقٍ حسَنٍ﴾، أي: خالِطِ النَّاسَ بأخلاقٍ حسَنةٍ، فأحسِنْ مُعامَلاتِهم، مِن تَبسُّمٍ في وُجوهِهم، ورِفقٍ ولينٍ في التَّعامُلِ معَهم؛ فمَن فعَل ذلك حاز الدُّنيا والآخِرةَ.
أخي الكريم أختي الكريمة، اجتهد في ترك المعصية والتطبيع معها.
اجتهد في عمل الصالحات تكون سببا في مغفرة هذا الذنب المنغص.
رسولنا الكريم ﷺ شبه المعصية بدرع ثقيل على الصدر، هذا الدرع فيه حلقات تمسك به، كلما قمت بحسنة، جزء من هذه الحلقات ينفك حتى إذا انفكت كل الحلقات سقط ذاك الدرع الثقيل، إنه درع المعاصي و إليكم الحديث ﴿إنَّ مَثلَ الذي يعملُ السيئاتِ ثم يعملُ الحسناتِ، كمثلِ رجلٍ كانت عليه درِعٌ ضَيِّقةٌ قد خنَقَتْه ثم عملَ حسنةً فانفكَّت حَلْقةٌ، ثم عمل حسنةً أخرى فانفكَّت أُخرى، حتى يخرجَ إلى الأرضِ ﴾
الدرع: قميص من زر والحديد يلبس وقاية من سلاح العدو، أما و قوله ﷺ حتى يخرج إلى الأرض كناية عن سقوط الدرع
الراوي: عقبة بن عامر – المحدث: الألباني – المصدر: صحيح الترغيب- خلاصة حكم المحدث: صحيح
والمقصود من الحديث أن عمل السيئات يضيق صدر عاملها، ويحيره في أمره ويعسره عليه فلا تيسر له أموره ويسود قلبه ويضيق عليه رزقه ويبغضه إلى الناس، وإذا عمل الحسنات تذهب حسناته سيئاته كما قال الله عز وجل﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ هود: ١١٤، فإذا زالت سيئاته انشرح صدره وتوسع رزقه وطاب قلبه وتيسر له أموره وصار محبوبًا في قلوب الناس فالحديث تمثيل وبيان لقوله تعالى﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ سورة هود الآية 114
بعبارة أخرى حتى نسقط هذا التطبيع المذل: أشعل الجبهات على الشيطان الرجيم.
أشعل جبهات الطاعات والحسنات.
- إذا غلبك في سيئة النظر إلى الحرام وسعى لتطبع معها، افتح عليه جبهة النظر إلى القرآن الكريم.
- إذا غلبك في آفة اللسان من تلفظ بالفحش وغيره، افتح عليه جبهة ذكر الله الكثير في كل وقت وحين.
- أغرق سيئاتك في بحر حسناتك واستمر في فتح الجبهات.
- اجعل الشيطان يندم على أنه فتح عليك باب سيئة.
أخي الكريم، أختي الكريمة، ونفسي أعني:
وظف ذنوبك، لا تيأس إذا كان الشيطان قد استزلك، و تعلم من ذنوبك، و استخدمها في بناء صرح إيمانك، فالإخفاق أساس النجاح، و ربما كان الذنب سببا في العودة إلى الله تعالى و تصحيح المسيرة، مثلما حدث مع الكثيرين، و منهم الخليفة عمر بن عبد العزيز الذي روى عنه ابن كثير في البداية و النهاية أنه ( ضرب خبيب بن عبد الله بن الزبير خمسين سوطا بأمر الوليد له، و صب فوق رأسه قربة من ماء بارد في يوم شتاء بارد، و أقامه على باب المسجد يومها، فمات رحمه الله، و كان عمر بن عبد العزيز بعد موت خبيب شديد الخوف لا يأمن، و كان إذا بُشِّر بشيء من أمر الآخرة يقول: كيف و خبيب لي بالطريق ؟ ثم يصيح صياح المرأة الثكلى، وكان إذا أُثني عليه يقول: خبيب وما خبيب؟ إن نجوت منه فأنا بخير، وركبه الحزن والخوف من حينها، وأخذ في الاجتهاد في العبادة والبكاء، وكانت تلك هفوة منه و زلة، و لكن حصل له بسببها خير كثير من عبادة و بكاء و حزن و خوف و إحسان و عدل و صدقة و بر و عتق و غير ذلك)
فكان له من وراء هذا الذنب الخير الوفير وكان بمثابة القشة التي قصمت ظهر الشيطان والفتيل الذي أحرق كيده حتى صار سيدنا عمر بن عبد العزيز (خامس الخلفاء الراشدين)، ووعى رضي الله عنه الدرس فكان إذا أراد أن يعاقب رجلا حبسه ثلاثة أيام، ثم عاقبه كراهية أن يعجل في أول غضبه كما ورد في تاريخ الخلفاء.
وهذا ما يجعلنا نقسم الذنوب إلى قسمين: عائقة وسائقة
فالذنوب العوائق هي التي تقعِد صاحبها عن السير إلى الله بعد أن ألقته في بئر اليأس وجلد الذات
أما الذنوب السوائق فهي التي تضاعف سير صاحبها إلى الله وتدفعه إلى استدراك الخطأ ومحاولة التعويض كما حدث في التوبة العمرية.
تنبيهات بين يدي الموضوع
حتى نوفق في مقاطعتنا للمعصية، هناك بعض المفاهيم التي ينبغي التنبيه عليها، نذكر منها:
التنبيه الأول: من التلبيس الشيطاني أنه يأتي عبدا يعمل معصية في السر و له صحبة صالحة، فيلبس عليه أن هذا عين النفاق ؟
نقول و بالله التوفيق
أن صحبة الصالحين تجعل العبد أقرب إلى رحمة الله تعالى ومغفرته، قال رسولنا الكريم في الحديث ﴿إنَّ لِلَّهِ مَلائِكَةً يَطُوفُونَ في الطُّرُقِ يَلْتَمِسُونَ أهْلَ الذِّكْرِ، فإذا وجَدُوا قَوْمًا يَذْكُرُونَ اللَّهَ تَنادَوْا: هَلُمُّوا إلى حاجَتِكُمْ قالَ: فَيَحُفُّونَهُمْ بأَجْنِحَتِهِمْ إلى السَّماءِ الدُّنْيا، قالَ: فَيَسْأَلُهُمْ رَبُّهُمْ -وهو أعْلَمُ منهمْ- ما يَقولُ عِبادِي؟ قالوا: يَقولونَ: يُسَبِّحُونَكَ ويُكَبِّرُونَكَ، ويَحْمَدُونَكَ ويُمَجِّدُونَكَ، قالَ: فيَقولُ: هلْ رَأَوْنِي؟ قالَ: فيَقولونَ: لا واللَّهِ ما رَأَوْكَ، قالَ: فيَقولُ: وكيفَ لو رَأَوْنِي؟ قالَ: يقولونَ: لو رَأَوْكَ كانُوا أشَدَّ لكَ عِبادَةً، وأَشَدَّ لكَ تَمْجِيدًا وتَحْمِيدًا، وأَكْثَرَ لكَ تَسْبِيحًا، قالَ: يقولُ: فَما يَسْأَلُونِي؟ قالَ: يَسْأَلُونَكَ الجَنَّةَ، قالَ: يقولُ: وهلْ رَأَوْها؟ قالَ: يقولونَ: لا واللَّهِ يا رَبِّ ما رَأَوْها، قالَ: يقولُ: فَكيفَ لو أنَّهُمْ رَأَوْها؟ قالَ: يقولونَ: لو أنَّهُمْ رَأَوْها كانُوا أشَدَّ عليها حِرْصًا، وأَشَدَّ لها طَلَبًا، وأَعْظَمَ فيها رَغْبَةً، قالَ: فَمِمَّ يَتَعَوَّذُونَ؟ قالَ: يقولونَ: مِنَ النَّارِ قالَ: يقولُ: وهلْ رَأَوْها؟ قالَ: يقولونَ: لا واللَّهِ يا رَبِّ ما رَأَوْها، قالَ: يقولُ: فَكيفَ لو رَأَوْها؟ قالَ: يقولونَ: لو رَأَوْها كانُوا أشَدَّ مِنْها فِرارًا، وأَشَدَّ لها مَخافَةً، قالَ: فيَقولُ: فَأُشْهِدُكُمْ أنِّي قدْ غَفَرْتُ لهمْ، قالَ: يقولُ مَلَكٌ مِنَ المَلائِكَةِ: فيهم فُلانٌ ليسَ منهمْ، إنَّما جاءَ لِحاجَةٍ، قالَ: هُمُ الجُلَساءُ لا يَشْقَى بهِمْ جَلِيسُهُمْ﴾.
الراوي: أبو هريرة – المحدث: البخاري – المصدر: صحيح البخاري-خلاصة حكم المحدث: [أورده في صحيحه] وقال: رواه شعبة عن الأعمش ولم يرفعه ورواه سهيل عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم
﴿قالَ: فيَقولونَ: رَبِّ فيهم فُلَانٌ عَبْدٌ خَطَّاءٌ، إنَّما مَرَّ فَجَلَسَ معهُمْ، قالَ: فيَقولُ: وَلَهُ غَفَرْتُ هُمُ القَوْمُ لا يَشْقَى بهِمْ جَلِيسُهُمْ.﴾
الراوي: أبو هريرة – المحدث: مسلم – المصدر: صحيح مسلم – خلاصة حكم المحدث: صحيح
مجرد مجالسة الصالحين غفران للذنب.
أن صحبة الصالحين تجعل العبد في مأمن من أن يستفرد به الشيطان، قال رسولنا الكريم في الحديث ﴿ما مِن ثلاثةٍ في قريةٍ ولا بدوٍ لا تقامُ فيهمُ الصَّلاةُ إلَّا قدِ استحوذَ عليْهمُ الشَّيطانُ فعليْكم بالجماعةِ فإنَّما يأْكلُ الذِّئبُ القاصيةَ﴾
الراوي: أبو الدرداء – المحدث: النووي – المصدر: رياض الصالحين – خلاصة حكم المحدث: إسناده حسن – التخريج: أخرجه أبو داود، والنسائي وأحمد باختلاف يسير
﴿فإنَّما يَأكُلُ الذِّئبُ القاصيَةَ﴾، أي: الشَّاةَ البَعيدةَ مِن الأغنامِ؛ لِبُعدِها عن راعيها، والمرادُ: أنَّ الشَّيطانَ يتَسلَّطُ على تارِكِ الجَماعةِ، كما يتَسلَّطُ الذِّئبُ على الشَّاةِ المنفرِدةِ عن قَطيعِ الغنَمِ.
﴿أوصيكُم بأصحابي، ثمَّ الَّذينَ يلونَهم، ثمَّ الَّذينَ يلونَهم ثمَّ يفشو الكذبُ حتَّى يحلِفَ الرَّجلُ ولا يُستَحلَفُ، ويشهدَ الشَّاهدُ ولا يُستَشهَدُ، ألا لا يخلوَنَّ رجلٌ بامرأةٍ إلَّا كانَ ثالثَهما الشَّيطانُ، علَيكُم بالجماعةِ، وإيَّاكم والفُرقةَ؛ فإنَّ الشَّيطانَ معَ الواحدِ، وَهوَ منَ الاثنَينِ أبعدُ، مَن أرادَ بَحبوحةَ الجنَّةِ فلْيلزَمِ الجماعةَ. مَن سرَّتهُ حسنتُهُ وساءتْهُ سَيِّئتُهُ فذلِكم المؤمنُ﴾
الراوي: عمر بن الخطاب – المحدث: الألباني – المصدر: صحيح الترمذي- خلاصة حكم المحدث: صحيح
التخريج: أخرجه الترمذي واللفظ له، وأحمد باختلاف يسير
﴿فإنَّ الشَّيطانَ مع الواحِدِ، وهو مِن الاثنَينِ أبعَدُ﴾، أي: ينفرِدُ الشَّيطانُ بالَّذين يُفارِقون الجماعَةَ ويَكونون فُرادى مُتفرِّقين، ويكونُ تأثِيرُه عليهم أشَدَّ، ووسوسَتُه عليهم أقوى، أمَّا الجماعَةُ فهو منهم أبعَدُ، ولا يستطِيعُ أنْ يؤثِّرَ فيهم كما يؤثِّرُ على الفُرادى البَعِيدين عن الجماعَةِ، ﴿مَن أراد بُحْبوحَةَ الجنَّةِ فليلْزَمِ الجماعةَ﴾، أي: مَن أراد أنْ يَدخُلَ الجنَّةَ ويكونَ في وسَطِ الجنَّةِ ويَظفَرَ بنعِيمِها فَلْيتمَسَّكْ بجماعَةِ المسلِمين ولا يبتعِدْ عنها ولا يخرُجْ مِن مُحيطِها، والبُحْبوحَةُ هي الوسَطُ، فبُحْبوحَةُ الدَّارِ وسَطُها وبُحْبوحَةُ الجنَّةِ وسَطُها،
فمَن صاحب أهل الخير نال مِن بركتهم؛ هذا المعنى الطيب ظاهر بوضوحٍ في قصة أصحاب الكهف حيث نال حيوان بهيم (وهو كلب الفتية) بركة صحبتهم، قال الله -تعالى-: ﴿وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ﴾ الكهف الآية 18.
قال أبو الفضل الجوهري -رحمه الله-: ان من أحب أهل الخير نال مِن بركتهم، كلب أحب أهل فضل وصحبهم، فذكره الله في محكم تنزيله.
وقال القرطبي -رحمه الله- في تفسيره: فما ظنك بالمؤمنين الموحدين المخالطين المحبين للأولياء والصالحين، بل في هذا تسلية وأنس للمؤمنين المقصِّرين عن درجات الكمال، المحبين للنبي -صلى الله عليه وسلم وآله.
وقال ابن كثير -رحمه الله- في تفسير القرآن العظيم: شملت كلبهم بركتهم، فأصابه ما أصابهم مِن القوم على تلك الحال، وهذه فائدة صحبة الأخيار.
أن صحبة الصالحين تبقي في قلب المصحوب إنكار المنكر، فلا تطبيع مع المعصية ما دمت مع الصالحين.
أن صحبة الصالحين تذكير بالصالحات وتنفير من المعاصي الموبقات
أخي الكريم، أختي الكريمة
اعلم أن صحبة الأولياء ومحبة المؤمنين سلم عروجك إلى محبة الله، وأن السير إليه يحتاج إلى مرشد يدلك على الطريق.
إنه سلوك إلى الله، ومسافات تقطع، ملتفت فيه لا يصل، ووحيد يتعب وقد يحيد،، السير فيها وحيدا قد يثبط عزمك، وعين الذئب فيها تترصد من الغنم القاصية الشاردة، الشيطان يشهر فيها كل سلاح.
صحبة الأخيار جنة الدنيا ومفتاح باب رحمة الله ومحبته،
صحبة الأبرار تحملك وتحمل عنك، بهم تدرك ما أبطأ به عملك، ألم يبشرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن المرء مع من يحب؟ اصحب أرباب القلوب يكن لك قلب، أليس الصاحب ساحبا؟، الزم بائع المسك، واترك نافخ الكير، تخل قبل أن تتحلى، واترك قبل أن تأتي، واهجر قبل أن تلزم،
صحبة الصالحين ذخر الآخرة، من يدلك على الله عز وجل، ويرشدك، ومن تتخلق بأخلاقه، وتتنافس معه في سباق الخيرات، أول درجاتك على سلم السلوك
التنبيه الثاني: من تلبيس إبليس اللعين أنه يأتي عبدا فيشككه في توبته قائلا له أن توبته كاذبة؟
يقع المرء في معصية فيندم ويتوب ويعزم على عدم العودة، لكنه يضعف فيعود لنفس المعصية، وقد يتكرر معه الأمر مرات ومرات، حتى تنطلي عليه الحيلة الشيطانية، فيقع في اليأس معتقدا أن توبته كاذبة وهنا الطامة الكبرى و الضربة القاصمة.
نؤكد أن التوبة إذا كان فيها ترك العمل القبيح وندم وعزم ونية على عدم الرجعة، هذه توبة صادقة.
- أخي الحبيب واجه الإدمان بالإدمان
- واجه إدمان المعصية بإدمان التوبة
- واجه إدمان الذنب بإدمان الأوبة
امسح ذنوبك أولا بأول واستمر ولا تطبع معها ولا تلتفت للشيطان وتذكر بشارة نبيك ﴿تُعرَضُ الفِتَنُ على القُلوبِ عَرْضَ الحَصِيرِ عُودًا عُودًا، فأيُّ قلبٍ أُشْرِبَها نُكِتَتْ فيه نُكتةٌ سَوداءُ، وأيُّ قلبٍ أنْكَرَها نُكِتَتْ فيه نُكتةٌ بيضاءُ، حتى يصِيرَ القلبُ أبيضَ مثلَ الصَّفا، لا تَضُرُّه فِتنةٌ ما دامَتِ السمواتُ والأرضُ، والآخَرُ أسودَ مُربَدًّا كالكُوزِ مُجَخِّيًا، لا يَعرِفُ مَعروفًا، ولا يُنكِرُ مُنكَرًا، إلا ما أُشْرِبَ من هَواه﴾
الراوي: حذيفة بن اليمان -المحدث: الألباني – المصدر: صحيح الجامع-خلاصة حكم المحدث: صحيح
التخريج: أخرجه مسلم والبزار بنحوه مطولا، وأحمد بنحوه
في هذا الحديثِ يقولُ النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: ﴿تُعرَضُ الفِتَنُ﴾ تُوضَعُ وتُبسَطُ وتَلتصِقُ، ﴿على القلوبِ عَرْضَ الحصيرِ عُودًا عُودًا﴾؛ قيل: عُودًا: بضمِّ العينِ؛ بمعنى أنَّ الفِتنَ تُلصَقُ بعَرْضِ القلوبِ؛ أيْ: بجانبِها، كما يَلصَقُ الحصيرُ بجنبِ النائمِ ويُؤثِّرُ فيه بشدَّةِ لصقِه به، وقيل: بفتحِ العينِ؛ ومعناه: تُعادُ الفِتنُ على القلبِ وتُكرَّرُ، والعَوْدُ: تَكرارُ الشيءِ، ﴿فأيُّ قلبٍ أُشرِبَها﴾ استجابَ لها وخالَطَها، واستقَرَّتْ في قلبِه، وحلَّتْ فيه محلَّ الشرابِ كما يَستقِرُّ الماءُ بالأمعاءِ، ﴿نُكِتتْ فيه نُكْتةٌ سوداءُ﴾ تُرِكُ في قَلبِ صاحِبِها نُقطةٌ وعلامةٌ سوداءُ مِن أثَرِ تلك الفتنةِ، فلا يزالُ هكذا حتى يَسْوَدَّ قلبُه كلُّه مِن جميعِ جوانبِه، ﴿وأيُّ قلبٍ أنكَرَها﴾ فلم يَستجِبْ لها، وعَمِل على إنكارِها و لم يطبع معها، ﴿نُكِتتْ فيه نُكْتةٌ بيضاءُ﴾ تُرِكَ في قلبِ صاحِبِها نُقطةٌ وعلامةٌ بيضاءُ أثرًا لهذا الإنكارِ؛ ﴿حتى يصيرَ القلبُ أبيضَ﴾ وهو الذي كثُرتْ فيه العلاماتُ البيضاءُ مِن أثرِ تكرُّرِ إنكارِه لتلك الفِتنِ، ﴿مِثلَ الصَّفَا﴾ وهو الحَجَرُ المَرْمَرُ الأملَسُ الذي هو في غايةِ البياضِ والصَّفاءِ، مِن شِدَّتِه على عَقْدِ الإيمانِ، وسلامتِه مِن الخَلَلِ، وأنَّ الفِتنَ لم تَلصَقْ به، ولم تُؤثِّرْ فيه كالصَّفا، ﴿لا تضُرُّه فتنةٌ ما دامتِ السمواتُ والأرضُ﴾جعَلَ اللهُ لهذا القلبِ بصيرةً يَرى فيها بنورِ اللهِ فلا يَختلِطُ عليه الحقُّ والباطلُ، ﴿والآخَرُ أَسْوَدُ﴾ وهو القلبُ الذي كثُرتْ فيه العلاماتُ السوداءُ مِن أثرِ تكرُّرِ استجابتِه لتلك الفتنِ، ﴿مُرْبَدًّا كالكُوزِ مُجَخِّيًا﴾ والرُّبْدةُ لونٌ بينَ السَّوادِ والغُبْرةِ، فأصبَحَ القلبُ أسْودَ كالرَّمادِ، وكالإناءِ المائلِ المنكوسِ لا يَستقِرُّ فيه شيءٌ، ولا يَعلَقُ به خيرٌ ولا حِكمةٌ، فيَخْلو ويَفرَغُ عمَّا أُودِعَ فيه مِن المعارفِ ومحاسنِ الأخلاقِ والآدابِ، ﴿لا يَعرِفُ معروفًا، ولا يُنكِرُ منكَرًا﴾ لا يُميِّزُ بينَ المعروفِ والمنكَرِ، ويَخلِطُ بينَهما قصدًا وعمدًا، ﴿إلَّا ما أُشرِبَ مِن هواهُ﴾ إلَّا ما يَتَّبِعُ فيه هواهُ أنْ يَجعَلَ هذا معروفًا فيَفعَلَه، وهذا منكَرًا فيُنكِرَه، وإن خالَفَ تمييزُه هذا القواعدَ التي يَنطلِقُ منها الحقُّ والباطلُ.
وهذه بشارة ثانية في قول نبينا ﴿وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَذَهَبَ اللَّهُ بِكُمْ، وَلَجَاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ، فَيَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ، فَيَغْفِرُ لهمْ.﴾
الراوي: أبو هريرة – المحدث: مسلم – المصدر: صحيح مسلم-خلاصة حكم المحدث: صحيح
التخريج: أخرجه مسلم
اللهُ يُحِبُّ التَّائبينَ ويَدعو عِبادَه إلى التَّوبةِ ويُرَغِّبُهم فيها، فيَتوبُ على مَن تابَ ويَغفِرُ الذَّنْبَ، ويَصبِرُ على العُصاةِ حتَّى يَتوبوا بالنَّدمِ على الذُّنوبِ والمَعاصي، مع الرُّجوعِ إلى اللهِ وطَلَبِ العفوِ والمغفِرةِ منه سُبحانه، مع النِّيَّةِ الصَّادقةِ لعَدَمِ العودةِ إلى الذُّنوبِ والمَعاصي.
وفي هذا الحديثِ يَقولُ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: ﴿والَّذي نَفْسِي بيَدِه﴾ وهو قَسمٌ كان رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ كَثيرًا ما يُقسِمُ به، ﴿لوْ لمْ تُذْنِبوا﴾ أي: لوْلا وُقوعُكم في الذُّنوبِ، لَخِفْتُ عَليكُم ما هُو أكبَرُ مِن ذلكَ، أَلا وهُو العُجْبُ، وإذا وقَعَ ذلك لَأذْهَبَكم اللهُ وأفْناكم، ﴿ولَجاءَ بقَوْمٍ يُذْنِبونَ﴾، وفي رِوايةٍ أُخرى لمسْلمٍ: ﴿لَخَلَقَ اللهُ خَلقًا يُذْنِبونَ﴾ أي: أتى اللهُ بخَلقٍ جَديدٍ غيْرِكم مِن جِنسِكم، أو مِن غَيرِكم يَقَعون في الذَّنْبِ؛ فيَستغْفِرونه ويَتوبون، فيَغفِرُ لهم ذُنوبَهم لِأجلِ تَوبتِهم تلك.
وحاصلُ هذا الحديثِ أنَّ اللهَ تَعالَى سَبَق في عِلمِه أنَّه يَخلُقُ مَن يَعصِيه، فيَتوبُ، فيَغفِرُ له؛ وذَلكَ لأنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ يُحِبُّ مِن عَبدِه مَقامَ العُبوديَّةِ الَّذي هُو مُنتَهى الذُّلِّ مَع مُنتَهى الحُبِّ، وَليسَ في الحَديثِ مُواساةٌ لِلمُنْهَمكينَ في الذُّنوبِ، وإنَّما فيه بَيانُ عَفوِ اللهِ تَعالَى وتَجاوزِه عنِ المُذنبينَ التَّائبينَ؛ ليَرغَبوا فِي التَّوبةِ إلى اللهِ فيَتُوبوا، وليُبَيِّنَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنَّ اللهَ سُبحانَه كَما يُجازي الُمحسنينَ بِإحسانِهم فإنَّه يَعفو ويَصفَحُ عنِ المُذنِبينَ.
التنبيه الثالث: من تلبيس إبليس اللعين أنه يأتي عبدا في معصية السر فيوسوس له ليجاهر بها بدعوى ﴿وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ﴾
نقول بأن قمة المؤامرة المجاهرة وذلك لما يلي:
أن المجاهر بالمعصية أبعد من رحمة الله تعالى، وهذا ما يريده الشيطان الرجيم، في الحديث
﴿كُلُّ أُمَّتي مُعافًى إلَّا المُجاهِرِينَ، وإنَّ مِنَ المُجاهَرَةِ أنْ يَعْمَلَ الرَّجُلُ باللَّيْلِ عَمَلًا، ثُمَّ يُصْبِحَ وقدْ سَتَرَهُ اللَّهُ عليه، فَيَقُولَ: يا فُلانُ، عَمِلْتُ البارِحَةَ كَذا وكَذا، وقدْ باتَ يَسْتُرُهُ رَبُّهُ، ويُصْبِحُ يَكْشِفُ سِتْرَ اللَّهِ عنْه﴾
حذَّرَنا النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في هذا الحديثِ عن الجَهرِ بالسُّوءِ، فقال: ﴿كلُّ أُمَّتي مُعافًى﴾، أي: كلُّ واحدٍ مِن هذه الأمَّةِ إذا ارتكَبَ مَعصيةً، يُرجى له عفْوُ اللهِ ومَغفرتُه، والنَّجاةُ مِن النَّارِ، ﴿إلَّا المجاهِرين﴾ بالمَعاصي، فلا يُعافَوْنَ، والمجاهِرُ: الفاسقُ المُعلِن بفسْقِه، الَّذي يَأتي بالفاحشةِ ثمَّ يُشيعُها بيْن النَّاسِ تَفاخُرًا وتَهوُّرًا ووَقاحةً.
ثمَّ أخبَرَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنَّ مِن المُجاهرةِ -أي: الوقاحةِ والاستهتارِ بالدِّينِ والاستخفافِ بحُدودِ الله- أنْ يَعمَلَ الرَّجلُ باللَّيلِ مَعصيةً، ثمَّ يُصبِحَ وقدْ ستَرَه اللهُ، فيُحدِّثَ إخوانَ السَّوءِ مِن أصدقائِه بأنَّه فعَلَ المعصيةَ الفلانيَّةَ أمسِ، وقدْ بات يَستُرُه ربُّه ويُصبِحُ يَكشِفُ سِترَ اللهِ عليه! وهذا المجاهِرُ لا يُريدُ السِّترَ، وإنَّما يُريدُ الفضيحةَ، حيث يَراها في نظَرِه مَفخرةً ومُباهاةً، والعياذُ بالله!
وفي الحَديثِ: أنَّ على مَن ابتُليَ بمَعصيةٍ أنْ يَستُرَ على نفْسِه.
وفيه: أنَّ ارتِكابَ المعصيةِ مع سَتْرِها أهونُ وأخفُّ مِن المجاهَرةِ بها.
وفيه: أنَّ المجاهرةَ بالسُّوءِ وَقاحةٌ وجُرأةٌ وانتهاكٌ لحدودِ اللهِ.
عزيزي القارئ
الشيطان يريد أن يصبح بيننا و بين المعصية تطبيع، فعند المجاهرة بالمعصية يصبح لدى العبد تبلد إيماني، بينما لو بقيت معصية سرية فهي تبقي بينه و بينها وحشة و نفور، و الشيطان لا يريد ذلك
المعصية السرية لازمة، لكن المعصية المعلنة متعدية الى الغير، وقد تصير سيئة جارية، وأنعم من غنيمة للشيطان
رسول الله ﷺ يقول ﴿اجْتَنِبوا هذه القاذوراتِ التي نَهى الله عنها، فمَن أَلَمَّ فلْيَستَتِرْ بسِترِ اللهِ، ولْيَتُبْ إلى اللهِ؛ فإنَّه مَن يُبدِ لنا صَفحَتَه، نُقِمْ عليه كتابَ اللهِ عزَّ وجلَّ.﴾
الراوي: عبد الله بن عمر – المحدث: الرباعي – المصدر: فتح الغفار – خلاصة حكم المحدث: [روي] مرسلاً [عن] زيد بن أسلم – التخريج: أخرجه الطحاوي في شرح مشكل الآثار، والحاكم باختلاف يسير، والبيهقي مختصرا.
أمَرَ اللهُ عزَّ وجلَّ بالسَّتْرِ على الذُّنوبِ والمَعايِبِ، ومن ذلك سَتْرُ العبْدِ على نفْسِهِ إذا أتَى مَعصيةً؛ عسَى اللهُ أن يَستُرَهُ في الدُّنْيا والآخِرةِ؛ ويَغْفِرَها له مع التَّوْبةِ، فإنَّ ارتكابَ المعصيةِ مع سَتْرِها أهْونُ وأخَفُّ من المجاهَرَةِ بها.
وفي هذا الحَديثِ يُخبِرُ عبدُ اللهِ بن عُمَرَ رضِيَ اللهُ عنهما: أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قام بعد أن رَجَمَ ماعِزُ بنُ مالكٍ الأسْلَميُّ، وكان رَسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أقامَ عليه حَدَّ الزاني المُحْصَنِ وهو الرَّجْمُ، وكان ماعزٌ قد أقرَّ لرَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بالزِّنا كما جاء في الرِّواياتِ الأُخرَى، ثم قال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: ﴿اجْتَنِبوا هذه القاذوراتِ التي نَهى اللهُ تعالى عنها﴾، والمُرادُ بالقاذوراتِ: الأفعالُ القَبيحةُ والسيِّئةُ التي نَهى عنها الشَّرْعُ، ومنها الزنا؛ ﴿فمَن ألمَّ بشَيءٍ منها﴾، أي: وَقَعَ فيها وفَعَلَها، ﴿فلْيَسْتَتِرْ بسِتْرِ اللهِ﴾، أي: يَمْتنعْ أنْ يَتحدَّثَ أو يُخبِرَ أحدًا، ﴿ولْيَتُبْ إلى اللهِ﴾، أي: ولْيُسارِعْ في التَّوبَةِ من ذَنْبِهِ الذي أذْنَبَهُ؛ ﴿فإنَّه مَن يُبْدِ لنا صَفْحَتَه﴾، بأنْ أظْهَرَ لنا وأَطْلَعَنا على فَعْلتِهِ وذَنْبِهِ، ﴿نُقِمْ عليه كِتابَ اللهِ﴾، أي: نَحكُمْ عليه بحُكْمِ اللهِ عزَّ وجلَّ، ونقم عليه الحَدَّ الذي ذَكرَه اللهُ تعالى في كِتابِه.
و لما في قصة ماعز بن مالك من دروس و عظات، نوردها كاملة:
ماعز بن مالك الأسلمي رضي الله عنه من صحابة الرسول صلى الله عليه وسلم، من أشهر مواقفه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم موقف اعترافه بجريمة الزنا وإقامة الحد عليه.
فقد روي أن رجلًا من الصحابة اسمه هزَّال هو الذي دفع ماعزًا إلى الاعتراف بجريمة الزنا، فلما أصرَّ ماعز على الاعتراف بالجريمة رجمه رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأن ماعزًا كان محصنًا، لكن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يَدَعِ الأمر يمرُّ دون أن ينصح لهزَّال -والأمة من بعده- قائلًا: ﴿وَاللهِ! يَا هَزَّالُ لَوْ كُنْتَ سَتَرْتَهُ بِثَوْبِكَ كَانَ خَيْرًا مِمَّا صَنَعْتَ بِهِ﴾. أي رحمة نبوية
يروي بريدة بن الحصيب رضي الله عنه فيقول: جاء ماعز بن مالكٍ إلى النبي صلى الله عليه وسلم؛ فقال: يا رسول الله طهِّرني، فقال: ﴿وَيْحَكَ! ارْجِعْ فَاسْتَغْفِرِ اللهَ وَتُبْ إِلَيْهِ﴾. قال: فرجع غير بعيدٍ، ثمَّ جاء؛ فقال: يا رسول الله طهِّرني، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ﴿وَيْحَكَ ارْجِعْ فَاسْتَغْفِرِ اللهَ وَتُبْ إِلَيْهِ﴾. قال: فرجع غير بعيدٍ ثمَّ جاء؛ فقال: يا رسول الله طهِّرني. فقال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم مِثْلَ ذلك حتى إذا كانت الرابعة، قال له رسول الله: ﴿فِيمَ أُطَهِّرُكَ؟﴾ فقال: من الزِّنا. فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم: ﴿أَبِهِ جُنُونٌ؟﴾ فَأُخْبِرَ أنَّه ليس بمجنونٍ فقال: ﴿أَشَرِبَ خَمْرًا؟﴾ فقام رجلٌ فَاسْتَنْكَهَهُ فَلَمْ يَجِدْ منه ريح خمرٍ. قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ﴿أَزَنَيْتَ؟﴾ فقال: نعم
يقول بُريدة رضي الله عنه عنه: فَكَانَ النَّاسُ فِيهِ فِرْقَتَيْنِ (أي في ماعز) قائلٌ يقول: لقد هلك لقد أحاطت به خطيئته. وقائلٌ يقول: ما توبةٌ أفضل من توبة ماعزٍ أنَّه جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فوضع يده في يده، ثمَّ قال: اقْتُلْنِي بالحجارة. قال: فَلَبِثُوا بذلك يومين أو ثلاثةً، ثمَّ جاء رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهم جلوسٌ فسلَّم، ثمَّ جلس فقال: ﴿اسْتَغْفِرُوا لِمَاعِزِ بْنِ مَالِكٍ﴾. قال: فقالوا: غفر الله لماعز بن مالك. قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ﴿لَقَدْ تَابَ تَوْبَةً لَوْ قُسِمَتْ بَيْنَ أُمَّةٍ لَوَسِعَتْهُمْ.﴾﴿لقد تاب توبة لو تابها طائفة من أمتي لأجزأت عنهم﴾
بل إن رسول الله صلى الله عليه وسلم في موقف آخر يُدافع عن ماعز دفاعًا كبيرًا رحمةً له ورأفةً به.. يقول أبو هريرة رضي الله عنه: سمع النبي صلى الله عليه وسلم رجلين من أصحابه يقول أحدهما لصاحبه: انظر إلى هذا الَّذي ستر الله عليه فَلَمْ تَدَعْهُ نفسه حتى رُجِمَ رَجْمَ الكلب. فسكت عنهما، ثمَّ سار ساعةً حتَّى مَرَّ بِجِيفَةِ حمارٍ شائلٍ برجله؛ فقال: ﴿أَيْنَ فُلَانٌ وَفُلَانٌ؟﴾ فقالا: نحن ذان يا رسول الله. قال: ﴿انْزِلَا فَكُلَا مِنْ جِيفَةِ هَذَا الحِمَارِ﴾. فقالا: يا نبيَّ الله مَنْ يأكل من هذا؟! قال: ﴿فَمَا نِلْتُمَا مِنْ عِرْضِ أَخِيكُمَا آنِفًا أَشَدُّ مِنْ أَكْلٍ مِنْهُ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ! إِنَّهُ الْآنَ لَفِي أَنْهَارِ الْجَنَّةِ يَنْقَمِسُ فِيهَا!﴾. ينقمس: ينغمس.
وللحديث بقية …
و في الختام، أستدعي حكمة عطائية يقول فيها رضي الله عنه: ( إذا علمت أن الشيطان لا يغفل عنك، فلا تغفل عمن ناصيتك بيده )
حتى لا نطبع مع العدو و المعصية، لنبسط الى الله كف التضرع و الرجاء، و لنقل ما قاله أحد الواقفين على الباب:
إني بُليت بأربع يرمينني ¯ بالنبل عن قوس لها توتير
إبليس والدنيا ونفسي والهوى ¯ يا رب أنت على الخلاص قدير
تنبيه: اعتمدت موقع الدرر السنية في تخريج الأحاديث وشرحها.
و صلى الله على سيدنا محمد و آله و صحبه و إخوانه و حزبه.