لا والله.. الأصل ماذا بعد اسرائيل، وليس ماذا بعد حماس؟
لا والله.. الأصل ماذا بعد اسرائيل، وليس ماذا بعد حماس؟
لا والله.. الأصل ماذا بعد اسرائيل، وليس ماذا بعد حماس؟
المهدي اليونسي
في انكسار واضح للجيش الجبان الذي يتوهم أنه الذي لا يقهر، الذي لم يستطيع وللشهر الثاني على التوالي أن يزيد توغله في غزة إلا بضع كلمترات وعلى أجساد الأطفال الخدج والنساء والشيوخ الرتع، يضرب بحجر الهزيمة الى أبعد مدى تمنيا، أن غزة حتما بعد الحرب ستكون بلا حماس ولا القسام ولا فصائل المقاومة، ولئن كان هذا الخطاب موجها في أساسه إلى الداخل الصهيوني، فإنه ينم عن هزيمة مدوية في المعركة العسكرية داخل غزة، ويؤشر عن قَضْم استراتيجي لمؤخرة اسرائيل، ففخر الصناعة الصهيونية: “الميركافا” أصبحت خردة بضربات الياسين، تفجرها بمن فيها، والقبة الحديدية التي روجت لها “اسرائيل” على أنها الصفيحة التي تتكسر عليها جميع الصواريخ، والتي وَقَّعت عدة عقود لبيعها بأثمان باهظة، فَضَحت ضعفَها ووهنَها كتائبُ القسام، مما استدعت أسلحة وعتادا من الغرب وأمريكا وألمانيا خصيصا خشية الانكشاف والاندحار..
في ظل هذا تفكر اسرائيل في وضع غزة بعد انتهاء الحرب بالقضاء على حماس، هذا التمني الذي تحلم به لن يقع لعدة أسباب أهمها:
- دورة التاريخ في كون أن الأصل ثابت والاستثناء زائل: صاحب الأرض المتشبث بأرضه، لا ينهزم ما دام يقاوم حتى ولو احتلوا أرضه، وتصفح التاريخ كله، تجد أن المحتل الغاصب مهما كانت قوته ومهما علا بطشه، تضعف قوته مع طول احتلاله، ثم يخرج ذليلا صاغرا، وكل المقاومات تبدأ ضعيفة، ثم تتقوى شيئا فشيئا حتى تقلب كل المعادلات، وتفند كل نظريات قوى المحتل، خرجت أمريكا رغم كبريائها الإجرامي صاغرة من الفيتنام، وتقهقر الإتحاد السوفياتي البائد، كما أمريكا تحت ضربات الأفغان…، لكن ما يميز مواجهة حماس والمقاومة الفلسطينية عموما مع الصهاينة، هي الآفاق الاستراتيجية لهذا الصراع المتمثلة فيما يلي:
- الاعتماد على الذات: بعد تخاذل الأنظمة العربية، وهرولتها نحو التطبيع المخزي، وتوقيع اتفاقيات العار بدءً من كامب ديفيد مرورا بقاصمة الظهر التي وقعها الراحل ياسر عرفات باعترافه بالكيان في أوسلو وما بعدها، ومرورا أيضا بوادي عربة مع الأردن، وأخيرا وليس آخرا بهرولة جل الأنظمة العربية الى فتح السفارات وعقد اتفاقات اقتصادية وعسكرية معه، وفشل كل الحوارات والمفاوضات جراء التعنت الصهيوني، تَشكَّل وعي حقيقي لدى الفلسطينيين، أنه ما حك جلدك مثل ظفرك، وعي راهن على الذات وعلى الذات فقط، لكن طريقة التفكير فيه والمسار المُتَّخَذِ تجاهه، اختلف حوله الفلسطينيون تفسيرا وتضاريسا إلى فريقين: فريق السلطة المنزوعة الأنياب في رام الله بقيادة فتح وعميلها عباس القائم على المقاومة الشعبية، والتساكن الاقتصادي والتنسيق الأمني مع الصهاينة والقطع مع كل مقاومة مسلحة، وقد أثبت الوقت خيار هذا الفريق فشله بل ووفاته، وفريق المقاومة المسلحة الذي تزعمته حماس في غزة، وهذا الخيار استعدى عليها الصهاينة، وسلطة عباس، وجل الأنظمة العربية، والتي ساعدت الصهاينة في كل المواجهات السابقة مع حماس، إما بالدعم المادي والمعنوي السري والعلني، أو بالسكوت المخزي أو بالحصار المطبق برا وجوا وبحرا كما تفعل مصر حاليا، مع هذا الواقع تسلحت حماس بإرادة الأقوياء، والتوكل على ربها، فأسست البنية التحتية للمقاومة فكرا وتنشئة تربوية وسياسية واجتماعية، أفرزت جناحا عسكريا يملك عقيدة صلبة وتدريبا قويا، اعتمد على نفسه في صناعة وتطوير سلاحه، وأصبح يشكل الخطر الوجودي “لإسرائيل”، والنموذج الفريد للمقاوم المسلم الفذ المتشبع بعقيدة وأخلاق دينه، والطريق الصحيح لتحرير فلسطين، وهذا الذي يفسر هذا التداعي الهمجي النادر في التاريخ من كل قوى الاستكبار العالمي، وعملائها من الأنظمة العربية على هذه الثلة القليلة العدة، المحشورة في زاوية ترابية، المحاصرة من كل جانب ومن كل شيء باستثناء الهواء الذي لم يجدوا طريقة لمنعه..
- طول النفس الاستراتيجي للمقاومة، وهذا بحد ذاته قاسم ظهر الصهاينة، وهذا النفس تجنيه المقاومة خصوصا في غزة من الحاضنة الشعبية لها، التي تمدها بالعتاد البشري المؤهل والمُنَشَّأ اجتماعيا والمُؤهل عقديا وأخلاقيا للدفاع عن أرضه، باعتباره ركنا من أركان عقيدته، وباعتبار الموت شهادةً لا يوازيه ربحا طولُ الحياة الفانية، وتستمدها أيضا من المحبة الحقيقية لها في قلوب الشعوب العربية والإسلامية وأحرار العالم، كما أن الحصار الذي فرضه الصهاينة على غزة، وفرضه أيضا النظام العسكري في مصر عليها، جعل حماس تبني استراتيجيتها على الذات وتحقيق اكتفائها الذاتي خصوصا في مجال الأسلحة والعتاد والاستخبارات، ليقينها أن المعركة يجب أن تكون مستنزفة للصهاينة، إذ في تاريخ حروب “اسرائيل” لا تستطيع مجاراة الحروب الطويلة، فكل حروبها مع الدول العربية الضعيفة آنذاك كانت حروبا خاطفة، وبدعم أخضري غربي وأمريكي على الخصوص، مما وَلَّدَ عندهم وهما بالتفوق، هذا الوهم أسقطته كتائب القسام بلكمة واحدة في السابع من اكتوبر..
وعليه، فإن المحتل رغم قوة بطشه، لا يستطيع أن يطلق عروق قيامة على أرض صلَّبتها المقاومة مهما طال مكوثه، وفي كل جولة حرب، إذا ما سقط قتلاه إلا ودب الرعب في كيانه، لأنه يحمل في شعوره فقرا في الانتماء إلى الأرض التي هو عليها، وتخيم عليه القابلية للهزيمة لأنه محتل، بينما تجذو في قلب المقاومة روحا عظيمة تجانس ثباتها على أرضها المحتلة، فتزداد مع الوقت عظمة وانتصارا..
- الفكرة شجرة عروقها متجذرة في أرض نباتها، فحماس ليست كيانا صنميا حتى يكسره الاحتلال الصهيوني بين عشية وضحاها، فحماس خرجت من عبق الوجدان وارتوت بالدماء الزكية لمن أسسها وأوجد روحها ولحمها، فهي فكرة استوطنت القلوب وسكرت العقول، وغرست في أرض الإباء عروقا لن تضمحل، حتى ولو قُطِّعت شجرتها، ستبقى هذه العرق تنبث جذوع أصلب بناء وأوسع أغصانا وأورف ظلالا، ولذلك فهي سيدة غزة، وواسطة عقدها، وسماد أرضها، سيندحر العدو وجمعه، منهزمون مُوَلُّونَ الدبر، وستبقى حماس على رغم أنوف العدا..
- فائض القوة يصبح سلبيا في معارك العصابات والأزقة، على الرغم مما يملكه الصهاينة من بطش السلاح وتلاوين العتاد، فإن أرض غزة، وجَلَد المقاومة أسقط التفوق الصهيوني، فحرب الشوارع والأزقة مع كتائب قد يكون في بعضها مسلح واحد أو اثنان أو ثلاثة، يصعب معه استعمال الأسلحة الثقيلة، سيما إذا كانت المسافة صفرا حقيقيا، والمقاوم شرسا، كما أن خِطَّة المقاومة في تشييد الأنفاق تحت الأرض بمئات الكيلومترات، يجعل من غزة بحرَ الظلمات الذي سيبتلع الصهاينة، ناهيك عن المعنويات المنهارة لجيش الكيان التي التي افترسها اليوم السابع من اكتوبر ، وتفترسها كل يوم قذائف “ألياسين” التي حولت الميركافا إلى قوارير، مما يعكس الجنون والهيستريا في الضربات الجوية التي تستهدف في جبن صارخ النساءَ والأطفال..
- اشتعال جذوة الوعي لدى الشعوب: إن الدعاية الصهيونة التي ما فتئ الصهاينة يرددونها عبر الآلة الإعلامية الجبارة التي يمتلكونها، بكونها الدولة الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط، التي يعاديها كل الجِوار المحيط بها، وأنها تتعرض للإرهاب الإسلامي والعربي والفلسطيني بالخصوص، بدأت تتكشف ويظهر الوجه الحقيقي لهذا الكيان المجرم النصاص لدماء الأطفال والنساء العابث بكل القرارات والمواثيق الدولية والأعراف والقيم الأخلاقية، وأصبح يشكل بتاريخه الإجرامي المتوحش عبئا على الشعوب الغربية، وعلى الإنسانية جمعاء على الرغم من النفاق المزدوج للأنظمة الرأسمالية المتوحشة، فخرجت في عقر أمريكا الحليفة الصلبة للصهاينة مسيراتٍ منددةً بالإجرام الصهيوني في غزة ومنددة بالتواطؤِ الحكومي، وكذلك الأمر في بريطانيا وألمانيا وفرنسا وغيرها من الدول الغربية…
إن استئصال حماس، الذي جعله “النتن ياهو” كأسمى هدف لهجومه على غزة، إنما هو رقصة ديك مذبوح يخفي انكسارا وانهزاما على ما وقع في السابع من اكتوبر، وتقدما عن الصف لئلا يكشف حسابه الفاشل فيما وقع للمطالب الداخلية، ويتمنى أن لا تكون هذه الأحداث فاتلة في لعنة الثمانين، التي يحسبونها هم كما نحن حقيقة الانهيار الكامل للكيان الغاصب، وبعدها تبقى حماس ولا تبقى ” اسرائيل”، وإن غدا لناظره لقريب إن شاء الله..