أمم أمثالنا
يوسف العلوي السليماني
يقول الله عز وجل: ﴿وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُم مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾[1]
سمعتُ آباءً ينادون أبناءهم بالكلاب، ويصيحون عليهم بالحمير، يوجهون إليهم إهانات أمام الملأ. سمعت يوما أحدهم يشتم ابنه قائلا له” الحمار بوك” أي “الحمار أبوك”، إنها روعة الفصاحة. عينُ الهمزِ واللمزِ الأسرة، ومنها يتسرب المرض إلى دوائر أخرى، حسب منصات التواصل الاِجتماعي التي تفضح مسؤولين رفيعي المستوى في مؤسسات عمومية محترمة، يتنابزون بالألقاب، ويكأن الإنسان يهين الحيوان ويحيد عَنِ الصواب.
عاينت الهمز واللمز، وقرأت، وشاهدت، وَيقنت، فخشيتُ خشية افتضاح أن تلجأ الكلاب يوما والحمير إلى القضاء، لرفع الضرر الناتج عن إهانتها، إذ شُبِّهَت بالإنسان، والدفاع عن حقوقها، ومواصلة بناء عالم يسوده العدل والإنصاف، عالم الحمير والكلاب الديمقراطي، عالم حقوق الحيوان، عالم حرية تعبير الحيوان، عالم الصحافة المستقلة، والإعلام الحيواني البديل، عالم العيش معًا في سلام، عالم تهيمن عليه مكارم أخلاق الحيوان.
خشيتُ خشية افتضاح أن تنضم الحيوانات المختبرية إلى الحمير والكلاب، للدفاع عن حقوقها هي كذلك، لتكريس أخلاقيات التعامل معها في مختبرات التجارب، وحيوانات المجازر التي تندد بسوء المعاملة قبل الذبح، وعنده، وعند السلخ، والفِيَلة التي تُقنص لعاجها، هواية شغفت بها بعض ملوك البشر، والتماسيح التي تُسلب جِلدَها، والذباب الذي يباد مع بيوضه بعشرات الآلاف، بمبيد فتاك بالحشرات الحقيرة، زعم الإنسان أن الذباب يهدد طمَأنينته، وَالقطاط السائبة الضالة، لا وطن لها، تشكو من سوء المعاملة وَسوء التغذية، تقتات بما تجود به قمامات البشر، وحولها تنام، وفي أحسن الأحوال تحشر في ملاجئ لا تتوفر فيها أدنى ظروف العيش الكريم، والديكة التي تصيح فتُذبح، ذنبها رفع الأذان، وَالنمل التي تداس بأحذية البشر، وكأنها دبابات، تحطم النمل وبيوتها، وإنك لتسمع أنين النملة من تحت الأنقاض ولا تفقه أنه صراخ مهموس: “واسُليماناه”، هكذا عبرت النملة أمام العالم عن حنينها إلى نبي الله، وإلى ابتسامته، ومن تحت الأنقاض، إذ أدركت أن ابن آدم وجنوده حطموا قرية النمل بالكامل، وهم يشعرون.
خشيتُ خشية افتضاح أن تقضي المحكمة الجنائية الدولية للحيوانات بفرض عقوبات على الإنسان، مع إلغاء السيرك الجوال، وإيصاد حديقة الحيوان، وإغلاق مسبح الدلافين، يلطخون سمعة الحيوان، خشيتُ خشية افتضاح أن يُقصف مقر قناة ناشيونال جيوغرافيك أبوظبي، ويُقصَفَ المراسلون الهَدَاهِيد، لأنها تبث مجازر ترتكب في الغابات والأدغال، على مدار الساعة، كما خشيتُ أن تسعى الحيوانات يوما إلى اللجوء السياسي، وإلى الهجرة، هجرة العقول إلى براري أكثر جَذبا، خشيتُ خشية افتضاح أن تسعى الحيوانات إلى إذكاء ربيع حيواني يسببه إذلال الحيوان بتشبيهه بالإنسان، فتأكدت من احتمال تدخل الجمعية العالمية لحماية الإنسان، وتدخل الجمعية العالمية للرفق بالإنسان، وغلب على ظني تضعضع مفهوم اليوم العالمي للحيوان[2]، وَاليوم العالمي للغابات[3]، فشقّ علي الأمر وأضجرني فتأملته، فجال في نفسي الجمع بين أهداف اليوم العالمي للحيوان وَأهداف اليوم العالمي للغابات، قصد إرساء برنامج التنمية المستدامة الحيواني، إزاء الآخر الإنساني، ثم توطيد التعاون فيما بين حيوان الجنوب والتعاون الثلاثي، ثم إعلان سنة دولية للتعاون فيما بين الحيوان، يحتفى بها، فلا بدع من التعايش معا في سلم وَسلام وَإيلاف، وسرعان ما أدركت صعوبة الأمر ما دام العتو قائما، عتو الأسد ومَن حوله، ومَن دونه من الحيوانات المفترسة.
على سبيل المثال نذكر الهدهد، هدهد الأمس وَهدهد اليوم، ذَكَرَ القرآنُ الهدهد في سورة النمل، ذكره كمراسل صحافي يتحرى أخبار مملكة سبأ، وَينقلها كما هي إلى مدينة القدس، جَرُؤَ الهدهد على نبي ملك، وما جرأه على سليمانَ عليه الصلاة والسلام إلا النبأ اليقين، الذي جاءه به، فقلت في نفسي: لقد مضى زمن الأنبياء والرسل فلا شك أن الصقور سوف تلاحق هدهد العصر ومعه اجتهاده، ثم يُتَّهم ويُنهش عرضه بلا رحمة، يُتَّهم بالسعي وراء إثارة الرأي العام الحيواني، فينقضّ المفترَس على المفترِس، وينقلب حكم الغابة، فإن رأيتَ يوما هدهدا وَثُقَ من خبر الاِفتراس والاِختلاس، وغزو الغابات واحتلالها وكأنها أرض بلا شعب، وكأن الشعب بلا أرض، فاعلم يرحمك الله أن باب التطهير العرقي قد فُتح بمصراعيه، باب إبادة الحيوان الجماعية.
انقرضت حيوانات وأخرى مهددة بالانقراض، ما تبقى منها نادر جدا، تجده في محميات، أو في حدائق الحيوانات، على سبيل المثال، لا الحصر، أسود الأطلس، فلن ترى الهدهد إذاً إلا وهو يُقنص، أو في قفص، مثله مثل أسد الأطلس. قد يَقتل النبأُ اليقين صاحبه، أو يُدخله السجن، وكذلك كلمة حق عند أسد جائر، وما يحدثك عن سجن الهدهدِ مثل جرذ، وفي المقابل، ندرك جليا أن من الطير من تنهج سياسة الأمر الواقع، فتقوم للببغاء تفيه التبجيل، حتى قيل: “خذ الطير فصره إليك ثم اجعله مع الببغاء ثم ادعه للتبويق يأتيك سعيا”.
صدق الله العظيم.
[1] الأنعام 38
[2] في الرابع من أكتوبر من كل عام، قرار المؤتمر الدولي لحركة حماية الطبيعة، فلورنسا، إيطاليا 1931.
[3] في الواحد والعشرين من مارس من كل عام، قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة 2012.