محمد العلوي السليماني “من درب القباج إلى درب مولاي الشريف”
يوسف العلوي السليماني
محمد العلوي السليماني
من درب القباج إلى درب مولاي الشريف
يوسف العلوي السليماني
محمد العلوي السليماني من سلالة السلطان مولاي سليمان، إنما سَبَقَ عَلِيٌّ سُلَيْمَانَ إلى الإنجاب، وإلى الفضل، والعدل، وبالخلافة ترقى، والترتيبُ مع التفضيلِ يستدعيان الإشارة إلى الصدر قبل الفرع، ورَضِيَ الله عن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي والصحابة أجمعين.
النَّسَب
هو علوي أولًا، وحسني ثانيًا، ثم سليماني في منتهى الألقاب، جده الثالث مولاي عبد العزيز فرع من فروع مولاي سليمان، الذي استوطن مراكش قادمًا إليها من فاس، حسب صاحب ‘الدرر البهية والجواهر النبوية في الفروع الحسنية والحسينية’، وحسب صاحب ‘مصابيح البشرية في أبناء خير البرية’.
هو محمد ابنُ مولاي عبد الرحمان ابنِ مولاي مَحمد ابنِ سيدي مُحمد ابنِ مولاي عبد العزيز ابنِ مولاي سليمان…إلى أن يصل نسبه إلى الإمام محمد النفسُ الزكيةُ ابنُ عبد الله الكامل ابنِ الحسن المثنى ابنِ الحسن السبط ابنِ مولانا علي ومولاتنا فاطمة الزهراء رضي الله عنهما بِنتُ مولانا رسول الله صلى الله عليه وسلم.
الغلام
وُلِدَ محمد العلوي السليماني سنة 1932[1] داخل أسوار مراكش بحي بن صالح وبدرب الكُدْيَة المعروف بدرب القَبَّاج، نِسْبَةً لأسرة جَدِّهِ العريضة، التي استقرت بالمكان.
نشَأ الصبي نشأة حسنة في ‘الدار الكبيرة’ دار جده الحسين القباج رحمه الله، تاجر من تجار المدينة، ثم توجه إلى الكُتَّاب وحفظ ما تيسر من القرآن الكريم بحي سيدي بولعبادة[2] على يد فقيه يعرف بالشيخ الكحيلي، رحمه الله، ثم انتقل إلى مدرسة الأعيان[3] بحي باب اغمات ليتابع دراسته الاِبتدائية والإعدادية، هكذا كانت تسمى في بَدْءِ الأمر، أما الآن فتعرف بثانوية محمد الخامس، وبعد نيل شهادة السلك الإعدادي أُصِيبَ والده بمرض، ثم بدأ الضعفُ يتسلل إلى مفاصِلِه، فصار طريح الفراش، لا يقوى على شيء.
غَادَرَ الفتى المؤسسة التربوية والحال أَرغَبُ بِهِ عن ذلك، ويرجع الأمر إلى السنة الدراسية 1948-1949 حَسَبَ التَحْقِيق ومُقَارَنَةِ الْمَعْلُومَات، إذ علّق الدراسة أمام سقم الوالد، ليعتكف على الِاكتداح للأسرة، بإلقاء دروس الدعم في مادة اللغة الفرنسية قبل أن يُقبِلَ رسميا على التعليم العمومي. غلام سَنَدَ للعشرين من العمر لَمَّا توفي والده، رحمه الله، تاركًا له مسؤولية والدته وأَشِقَّاءه. عِندما لاحظ مولاي عبد الرحمان أنه قارب النهاية وقد شُلَّ لِسَانُهُ، يُومئُ آمِرًا بِكْرَهُ بِمصاهرة سيدي محمد ابنُ مولاي الطاهر البلغيثي الحسني[4] رحمه الله وهو ابنُ عمومته، يجتمع معه عند مولاي يوسف ابنُ مولاي علي الشريف ابنِ مولاي الحسن، وأَسْتَحْضِرُ قُدُمًا مصاهرة تَقَدَّمَت قِدَمًا بين الجَدَّيْنِ، أنَّ حماة سيدي محمد ابنُ مولاي الطاهر هي خالة مولاي عبد الرحمان ابن مولاي محمد (فتحا).
تأهل الشاب بتاريخ 29 رجب عام 1370 موافق 6 مايو عام 1951 وتزوج الهاشمية بِنتُ سيدي محمد ابنِ مولاي الطاهر البلغيثي الحسني[5] المزدادة بمراكش سنة 1932[6] بدرب عبد الحميد، قاع المشرع، بالحي المتنامي حول ضريح أبي العباس السبتي، وأبو العباس السبتي من أشهر رجالات مراكش السبعة، رحمه الله، ويعرف الحي بالزاوية العباسية.
وقد يطول بنا الحديث عن الأبوين، لا سيما سيدي محمد ابن مولاي الطاهر، ويخرجنا عن الموضوع الأساس، أقتصر على الضروري. هذا الجد من خريجي جامعة القرويين، أصله من فاس التي استوطنها أسلافه، التحق بمحمد بن عبد الكريم الخطابي، رحمه الله، ثم حُكم عليه بالإعدام ليشفع في الأمر باشا مراكش، التهامي الكلاوي[7]، فخفض الاِحتلال الفرنسي الحكم الأصلي إلى الإقامة الجبرية في مراكش ثم في تازناقنت، والده مولاي الطاهر “ومولاي الطاهر هذا، كان من خيرة العلماء، ممن يعتبرون مفخرة الزمان، وعلى درجة كبيرة من الذكاء، الشيء الذي أهله لأن يكون الكاتب الخاص للملكين: المولى الحسن الأول والمولى عبد العزيز”.[8]
تكفل الشاب العلوي بأُخْتَيْهِ حتى تزوجتا وبأخيه حتى أَصْبَحَ أستاذًا متميزًا، وصاحبَ والدته حتى توفاها الله رحمها الله، قام مقام الأب، وكان محل الأسوة والقدوة.
والدته هي خديجة بِنتُ الحسين ابنِ المدني القباج، أسرة عريضة البِطان، من تجار مراكش الحاذقين والنشطاء، خلال النصف الأول من القرن العشرين.
رَءُوفٌ بأُمِّهِ وبَارّ، ساكَنها في غضون التجوال، حتى عاد أدراجه بعد عشر حجج قضاها في غربة التعليم، ليستقر بمدرسة الإمام الجزولي، بالحي الحسني بمراكش. بنفس الحي غير بعيد أقام لأمه بيتًا مع أخيه، وهو حديث التخرج من الجامعة، ثم ألحق بِهِمَا أخته زينب، مع وَحِيدَتِهَا فاطمة الزهراء البوكيلي، إذ تَرَمَّلَتِ الأم وتَيَتَّمَتِ الصَّبِيَّة.
كان محمد العلوي وَدُودا بخالِهِ وخَالَاتِه، وعَمَّيْهِ وَعَمَّتَيْه، يَصِلُ رَحِمَهُ على الدَّوام، ليس له موسم جافٌّ ولا جافٍ. حَدَثُ السِّنِّ لَمْ أَزَل أَتَلَهَّى، إِذْ يَأخُذُ بِيَدِي لِزِيَارَةِ عمه، وهو رَجُلٌ أَبكم، كُنتُ أُبصِرُ تَحاوُرَهُمَا وَلِسَانِي مُنعَقِدٌ عَنِ الكَلَام، وَعقلي عاجزٌ عَنِ الاِسْتِدلَال، فَأَظَلُّ مَكتُوفَ اليَدَينِ أمَامَ أَيَادِي تُحَلِّقُ بِلِسَانٍ مَخَارِجُ حُروفِهِ يَدَوِيّة، تَعَلَّمَ الرَّجُلُ لُغَةَ الإِشَارَةِ احتراما لِصِنوِ أبيه، وما تَطَبَّعَ بِهَا إلَّا تَطَبُّعَ فقيه. حَافَظَ عَلَى صِلَةِ ذَوِي القُربَى، وهو أَبْقَى على قومه حَتَّى قُبَيْلَ وَفَاتِهِ، مَا فَتِئَ يُجِلُّهَا وَهُوَ تَحتَ الرِّعَايَة الطِّبِّية، مُتَحَمِّسًا لَهَا، هذا ما أخبرني به شقيقي مولاي أحمد الذي صاحبه طيلة مرضه، من المشفى كان يحمله إلى زيارة ذوي القربى.
تكفل فاقد أبيه باليتيم أخيه، اعتنى سيدي محمد العلوي بمولاي عبد الله حتى أتم دراسته، الاِبتدائية والثانوية بمراكش، والعليا بالرباط، بكلية الآداب بجامعة محمد الخامس، بداية ستينيات القرن الماضي، ثم بالمملكة المتحدة، وقضى سنة كاملة في الولايات المتحدة الأمريكية، ليصبح أستاذًا للغة الإنجليزية، بعاصمة النخيل، بثانوية محمد الخامس، وبعدها بثانوية ابن عباد، ثم مفتشًا للتعليم الثانوي، ومدرسًا بمركز اللُّغة الأميركي بنفس المدينة. تتلمذْتُ له في نفس الصف مع نجل سيدي علي سقراط خليل، رحمهما الله، وتَتَلمذَت على يده أجيال، وكانت له عِندِي رحمه الله مكانة خاصة.
أما لالة زينب رحمها الله فتكبر سيدي محمد العلوي سِنًّا، يكن لها المحبة والتقدير والاِحترام، يزورها بِلاَ انقطاع، وهكذا كان يتعامل مع أخته الثانية لالة جميلة، بارك الله في عمرها.
وَدِيعُ الطَّبْع، ذو رأفة ورحمة ولطف، شَدِيدٌ وشُجَاعٌ عندما يتعلق الأمر بالدفاع عن حامته، أو نصرة المظلوم. كان سريع البكاء، ولا صوت مع البكاء، رَهيفَ الإِحْساسِ، وما من مرة هَمَلَتِ العَيْنُ بدون سبب مشهود، حالةٌ عاينْتُها، سَاغَهَا أحمد شوقي، رحمه الله:
وَكُنتُ إِذا سَأَلتُ القَلبَ يَومًا *** تَوَلّى الدَمعُ عَن قَلبي الجَوابا
ومِمَّا أثَّرَ في سيدي محمد العلوي تأثيراً بالغًا وهو شاب، سَجَّادَةُ والده المُبْتَلَّةُ مَوْضِعَ السُّجود بالدموع، سمعته منه، أما الشدة فقميص رجالي تَلَبَّسَهُ الفتى، لإخفاء دماثة في صدره، إذ قد إن المروءة عَارٌ في بيئة خارجية، وسوق تنافسية، كان بها يحتك، وكانت بصماته عليها تُترَك.
المُعَلِّمُ والمُدِيرُ
التحق المُدَرِّس الشَاب، لِمَادَّةِ اللُّغة الفرنسية، بمدرسة عرصة بانِّي، بحي باب اغمات بمراكش، مكث بها أربع سنوات ليترقى، على أساس الكفاية ورأي الإدارة، دفعة واحدة إلى درجة مدير، خلال السنة التي عاد فيها محمد الخامس من المنفى، رحمه الله.
طفق المحتلون يغادرون البلاد، أمام خطوات استرجاع استقلالها، ومنهم أصحاب التعليم. في هذا السياق تَمَّ تنصيبه مديرًا بثلاث مدارس على التوالي، الأولى بالجماعة القروية هسكورة بإقليم ورزازات، ثم التي تَلَتْهَا بالجماعة القروية حد حرارة بإقليم أسفي، والثالثة بالجماعة القروية أمزميز بإقليم مراكش، التحق بها سنة 1959، ثم عاد إلى مسقط رأسه سنة 1964، فَقَرَّ بمدرسة اختار لها اسم مدرسة الإمام الجزولي، قر بها حتى أُحِيلَ على التقاعد سنة 1992.
بعد تعيينه مديرًا سَهِرَ على غرس أشجار الزيتون في ساحة المؤسسة التربوية، كما سَهِرَ على تحويل اسمها إلى ‘مدرسة الإمام الجزولي’ تقديرا لمحمد بنُ سليمان الجزولي، أحد رجالات مراكش السبعة رحمه الله، إلاَّ أنها عُرِفَت بمدرسة العلوي، كيف لا والرجل يديرها بنجاح، وعلاقته طيبة مع أصحابها، حتى ما إن سَمِعْتَ نبرة صوته فإنك تنصرف إلى الصرامة والتربية، مَهيبٌ ومُحَبَّب. ما كان ربع مُدرس ولا نِصف مدرس، وما كان ربع مدير ولا نصف مدير، بل مدرس وزيادة ومدير وزيادة، ولله در شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله عندما قال قولته الرائعة – إنما يفسد الدنيا ثلاثة أنصاف، نصف فقيه ونصف طبيب ونصف نحوي، فنصف الفقيه يفسد الدين، ونصف الطبيب يفسد الأبدان، ونصف النحوي يفسد اللسان.
لم أقض إلا موسمًا دراسيًا واحدًا بمدرسة الإمام الجزولي، الموسم النهائي من سلك التعليم الاِبتدائي، لألتحق في شهر شتنبر 1965 بثانوية ابن عباد الإعدادية، والتي كان يديرها آنذاك صديقه الوفي ورفيقه الأستاذ محمد الطالبي رحمه الله، وصهر الأستاذ فتح الله أرسلان.
سَفِيرٌ فَوْقَ العَادَةِ
اهتم الشاب بالسياسة، والرياضة، والثقافة، وبِحُكْمِ اللُّزوم، الأناقة واللّباقة كذلك:
- السياسة: تَرَشَّحَ لانتخابات 1963، غَازَلَ السياسة فَرَفَضَتْه، إذ فَضَّلَت غَيْرَه، ولم يُدركه عليها حَنَق. في معمعة الاِنتخابات تَسَاءَلتُ لِمَ تَهْتِفُ الناس؟ بين مؤيد ومعارض؟ وما الدستور وما دَوْرُه؟ إشكالية طرحها أحمد رضا اكديرة وحسمها محمد أوفقير. اعتزل الشاب المُلَاكَمَة التلاحمية للأحزاب، بدون كَدْمَةٍ تُرى أو تُعاب.
- الرياضة: مِن أقدم ذكريات الطفولة والتي تعود إلى سن ثلاث سنوات، مِضْرَبٌ خشبي لرياضة التنس وسروال رسمي لرياضة الغولف، مهملين في زاوية من زوايا دولاب والدي، أثارا فضولي. وله مع كرة القدم قصة إذ انتخب عدة مرات عضوًا بعصبتها الجهوية، وأذكر أنني رافقته يومًا إلى ملعب الحارثي بمراكش واستشعرت عند تَوَجُّهِنَا رأسًا إلى المنصة الشرفية أنه شخصية نافذة، والرقي إلى المنصة الشرفية برهان لأي طفلٍ وابنٍ مثلي. كان يسابقنا ونسابقه.
- الثقافة: كان مولعًا بالموسيقى الكلاسيكية والشرقية والغربية، وباقتناء أساطينها، ومُحِبًّا للسينما والسياحة، يُفَضِّلُ قضاء العطل في المدن الساحلية والجبلية، أَذْكُرُ جولة عائلية، عبر مدن الأندلس الإسلامية، عَلِقَت بذهني، قمنا بها صيف 1962. لقد دخلنا الأندلس بجوازات سفر، ونحن أجانب.
كانت المساكن الإدارية والوظيفية التي سلكناها، طيلة مسار والدي المهني، فرنسية التصميم، أسسها الاِحتلال على نمطه، لإيواء المدير الفرنسي، وعائلته الفرنسية، والنَّمَط مُمَغْنَطٌ من الفولاذ، يُشير نحو الغرب إذا تُرِكَ طَلِيقًا. طليقًا تُرِكَ حتى أَكَّدَتِ الأرْصَادُ الظرفِيَّة أَنَّ حَالَةَ الغرب فِي تَحَسُّنٍ مُتَزَايِد. فُتِحَ تقليد النمط الغربي على مصراعيه، أمام الموظف العمومي المحترم والأنيق، لِيَلِجَهُ كسفير فوق العادة، بدرجة ممتاز، ممثلا أوربا الغربية، بالبذلة الرسمية الأوربية، واللغة الأوربية، والموسيقى الأوربية، والرياضة الأوربية، والسيارة الأوربية.
جَلِيسُ حَامِلِ المِسْكِ
استُؤصِلَت عِلَّةُ الأشياء الغربية لَمَّا اجتمع بسيدي عبد السلام ياسين رحمه الله، عام 1966 حسب التقويم الميلادي الأوربي، عدا السيارةَ إذ كانت تحمله لمجالسة الرجل الصالح.
خِلَالَ عطلة صيف نفس السنة، وعمري آنئذ عشر سنوات، آثرني والدي بمرافقته إلى الرباط، على متن سيارته الإيطالية، وأفردني بالسياحة، مَقْصِدُهُ من السفر زيارة سيدي عبد السلام، الذي لم يَسبِق لي أن رأيته ولا سَمِعتُ عنه. استقبلنا الرجل في بيته بالعاصمة. من وراء اللِّقاء تَكَشَّفَ الاِنضمام إلى الزاوية القادرية البودشيشية، واتضح لي أن الرجل المضياف ذو تأثير كبير، طَلّاعُ الثّنايا، وإنك لتقوم من عنده وحالك أَصْلَحُ إذ جلست، مهما كان حالك أو سِنُّك أو مستواك، ومهما كانت نظرتك إليه، بالعين أو بالقلب أو بالعقل، فكيف جملةً؟ كفاك به. ما كنت أَدْرِي وأنا طفل في بيته ألعب أن التاريخ يُكتب، يُكتب بريشة أديب، وبحكمة لبيب، وبعلم طبيب، وبفطنة أريب، وبِمهجة حبيب. وجدت طفلًا عند الرجل، قريني في السن، اِسمه فتح الله، جَدِيرٌ أَنْ يُتَفَاءلَ بِه، وهو الأستاذ فتح الله أرسلان. ومما علق في مخيلتي، جلوس الطفل متربعا على الزربية قُبالة الرجل، طفل يصدق فيه قول الله عز وجل:﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِن قَبْلُ﴾[9]، من شب على شيىء شاب عليه، ومن شب على هذا الأمر كثير، شُيّابٌ اليوم وشَيْباوات، والدليل قناة الشاهد، الرجال حقيقة والنساء مجازا، والحمد لله رب العالمين.
تَطَيَبَتِ الزيارة بالعِطْرِ فتأصلت في الطفولة، هدية نفيسة نادرة، وموعظة حسنة غالية، طُبِعَت في مُخَيلتي، أحظاني بها والدي الذي أقبل على سيدي عبد السلام، إقبال من في جوفه أُوامٌ على من في وعائه ماء زلال.
فَقِيرٌ فِي زَاوِيَةٍ
صار سيدي محمد العلوي بين ليلة وضحاها ذو ثلاثة ألقاب، أخذها طازَجة من أصحاب الفن: صوفي وقادريي وبودشيشي، دخل عالَمًا آخر وصاحب رجالًا كثيرًا ومُحِبّين، لا تلهيهم ثقافة الغرب ولا دستور المغرب عن ذكر الله، فقراء إلى الله يَنْجَمِعُونَ عليه، في زاوية ومن زاوية. انضَمَّ إلى الزاوية القادرية البودشيشية سنة 1966، عن طريق خَليلهِ الأستاذ محمد الطالبي الذي رافقه في حَجَّتِهِ الأولى سنة 1967 وكان سيدي عبد السلام ياسين وراء كِلَا الأمرين. آمَنَ الرجل بطريقتهم فانجذر هَمُّ السياسة المغربية وحلباتها وهَمُّ الثقافة الغربية وأدواتها في آنٍ معًا، لكن أبقى السيارة إذ تحمل أفراد الأسرة خلال العُطَل من مراكش حتى تنيخ بهم بِمَدَاغ، وبَيْنَ الجِسمِ والقَلبِ بَيْنٌ مَدُّهُ ثمانمائة وخمسون كيلومترًا. مداغ اسم بلدة تقع في الشمال الشرقي من البلاد وعلى بعد اثنا عشر كيلومترًا ضواحي مدينة بركان شمالًا ومقر الزاوية القادرية البودشيشية، ومُقام الشيخ العباس القادري البودشيشي، حتى وفاته سنة 1972، رحمه الله وأحسن مثواه، ولي صالح التف حوله مريدون كُثُر، ولا أزكي على الله أحدا.
نسَكَ سيدي محمد العلوي إِلَى طَرِيقَةٍ جَدِيدَةٍ لِيَنْضَمَّ إلى أهل الحال، أخذ الأمر بِجِدٍّ كما نَعْهِدُه، تفرغ للتصوف طَوعًا وطاعةً وقُربًا ويدًا وسمعًا وعينًا، فَفَتَحَ قلبه وبيته للمريدين لِيُنَظِّمَ حِلَقَ الذِّكر بين العشاءين، مجتهدًا نشيطًا وسط حامَّتِهِ وجيرانه، في اجتذاب الناس للانضمام معه إلى الزاوية القادرية البودشيشية، التي كانت تقصدها دَأْبًا وأَدَبًا القُوَيْفِلَةُ الياسينية إذ هو ثالث ثلاثة. تارة يسافر منفردًا على متن حافلة تضعه ببركان – محطتها النهائية – فَيَفِدُ ما من مرة راجلًا إلى مداغ.
استضاف الشيخ العباس أكثر من مرة في بيته، مع المُرافقين له والمقبلين عليه بالعشرات، كانت الدار حافِلَةً تَحُلُّ بِهَا بركة القِرَى وتَحِلُّ كَأَنْ وليمةُ أهل الخندق، يُرَحِّبُ بالشيخ العباس ويكرم وفادته، ويَرفَعُ مجلسه، ولمَّا يَتَفَرَّقُ الجَمعُ ويَنْفَضُّ الدَّمع يُوَدِّعُ الشيخ بمثل ما استقبله به، من حفاوة وإجلال. مَا بَرِحَ السَّهَرُ عَلى رَاحَةِ الشيخ العباس مُهَيمِنًا داخل دار الضِّيافَة حتّى نَقَضَتهُ دَجَاجَة، كانت لأخي مولاي أحمد دجاجة مُدَلَّلَة – اشتراها من فُلوس العيد – تُنَقنِقُ قبل المبيض وبعده، بعويل مزعج، طفقت تستعجل الحُوَيْضِنَ بإعداد غرفة الإنعاش، وكَأَنَّ مُصِيبَةً أصابتها، إذ لا تُلقي بيضها إلا في فراش سيدها، وعند قدميه بالضبط، في غرفة نومه اللَّصِيقَةِ بالغرفة الخاصة بالشيخ العباس، وكانت ربة البيت تشمئز نَفسُهَا من صَنِيعِ الدّاجِنَة المتمردة، وإزعاج الضيف الصّفيّ، وقت الراحة، وتَسعَى جاهدةً في نَفيِهَا عن البيت، ولا تزيدها غارة أُمِّي إلّا ضراوة. بَيْتٌ يُذكَرُ الله فِيهِ تَحُفُّهُ المَلَائِكَةُ هو بَيْتٌ تَخْدُمُهُ النِّسْوَة الصَّلْبَة، إناث مملكة النحل اللَّائِي تَفَرَّغنَ نِحلَةً للشُّهْدِ ليس إلّا: أُمُّ الخير أُمُّ القِرى المِضيَافَة وظَهِيرَتُهَا اليُمْنَى، حفظ الله أُمِّي وأختي وتقبل منهما. لقد جاوزت قدري بذكر سيدي، وسيدي وسيدي، وسيدي ومولاي، ولالة، ولالة بنت سيدي، بَيْدَ أن لي عذران.
توفي الشيخ عام 1972، ثم انفكت العقدة، فانفصل الحِلفُ الثلاثي عن الصوفية والتصوف، وذلك عام 1973، والأسباب يعرفها المتتبع. في هذا السياق والمغرب يعرف فترة عصيبة من تاريخه، نزح سيدي عبد السلام ياسين من الرباط إلى مراكش، ومن الإسلام الصوفي الفردي إلى الإسلام الجهادي الجماعي، إذ أثبت رؤية هلاله فدَوَّنَهُ في مُؤَلَّفَين وذَيَّلَهُ برسالة نصيحة وإرشاد إلى ملك البلاد:
- “الإسلام بين الدعوة والدولة”
- “الإسلام غدًا”
- “الإسلام أو الطوفان”
الإسلام أو الطوفان
عَادَةً ما تتحول مدرسة الإمام الجزولي إِبَّان العُطلة إلى فضاء لِلْجِدِّ واللَّعِب، خاص بأبناء السيد المدير، الذي أبى إلا أن يجعلها طيلة إجازة صيف 1974 دارًا سِرِّية للطبع والنشر، لا سيما مقرًّا لشعبة الأوفسيت، أما الشُعَبُ الأخرى فاستُجْمِعَت دواليبها بحي الداوديات، يشرف عليها من بيته رئيس الأركان سيدي عبد السلام ياسين، فبِحُجْرَةِ درس أثوى سيدي محمد العلوي مع سيدي أحمد الملاخ والناس نيام، لطبع رسالة الإسلام أو الطوفان[10].
ما كُنْتُ أدري ما الكتاب، وما يصنعه الأحمدان رحمهما الله، حتى فاجئني والدي في غرفتي مساءَ يوم من أيام شهر غشت الأواخر، بنسخة مطبوعة من الرسالة، أخرجها لي من الفرن مباشرة، للقراءة فقط، فأُعيدها له تَوّاً إثر الاِستيقاظ لصلاة الفجر، لم يغمُض لي جَفن. هكذا عَلِمت الأمر، غشيني وأحزنني فَتماسكت، وكَظَمتُ الاِنفعال، لم أُخبر أحداً، فَهِمتُ بعد الصَّحوِ أَنَّ الفِعْلَ الثلاثي صناعة ثقيلة. كانت مبادرة والدي جريئة، وبمثابة اعتبار واهتمام وتقدير، ومسؤولية والتفاتة كريمة، واستعداد لفاجعة، لا سمَح الله، خطر بذهني مخلفات الاِنقلابين العسكريين الفاشلين والمتزامنين، حديثَي العهد، والشَّيْءُ بِالشَّيْءِ يُذْكَر، فقَرَّرت التَّسِلِيمَ بِالأَمْرِ الوَاقِعِ والتأهب لسنة البكالوريا بثانوية الحسن الثاني، ما استطعت. جاءني والدي بأمر صعب الإدراك، فكيف حمل العبء؟ اسْتَفَقْتُ من صعقة خبر مفجع، ومِن ثَمَّ تدبرت سلوكَ المعني بالنصيحة، الحسن الثاني ملك المغرب، وطِرَازَ رَدَّة فعله، رحمه الله، وأمعنت النظر في سياق الحدث الخاص، فعدت إلى مذكرات كاتب الرسالة أُراجعها، هنالك اتضح مغزى الفعل الثلاثي وهدف الفاعل وضمير المُخَاطَب: نَصَحَ نَاصِحٌ، وكَتَبَ كَاتِبٌ، وطَبَعَ طَاِبعٌ، ونَسَخَ نَاسِخٌ، ونَشَرَ نَاشِرٌ، وقرأ قَارِئٌ، فسَجَنَ سَاجِنٌ. رُفِعَ الفاعل ونائِبَاه، إلى المارستان وما أَسْقَمَ، وإلى درب مولاي الشريف وما أَجْرَمَا، سَجَنَ الحَسَنُ ابنُ محمد محمدا ابْنَ الحَسَنِ فِعْلًا، ومَنْ معه جُمْلَةً، اعتُقِلَ رجال مراكش الثلاثة، مطلع شهر رَمَضَان عام 1394، الموافق لشهر شتنبر 1974. اسْتَعْبَرَتِ العَيْنُ لفراق الوالد وصاحِبَيه.
كيف المآلُ إذ تكون الحالُ*** بالفَجْعِ تقضي نسوة وأطفالُ [11]
آهٍ لِبِطَانَةٍ تَرْثو أَسْلَافَهَا ***والدَّمْعُ مِنْ أُفُولِهِمْ هَطّالُ
آهٍ لَها آهٍ لها آهٍ لَها ***لَوْ كَانَ يُجْدِي آهٍ حِينَ يُقَالُ
[1] تاريخ الاِزدياد تاريخ افتراضي، إذ لم يكن آنئذ نظام الحالة المدنية إجباريًا بالمغرب.
[2] حَيٌّ سَكَنِي مُجاور لحي بن صالح.
[3] مؤسسة معروفة بثانوية محمد الخامس منذ الاِستقلال والتي تم افتتاحها سنة 1933 وتدشينها سنة 1937 من طرف محمد الخامس.
[4] من عادة هذه العائلات أن تختار لأبنائها عروسًا من بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم.
[5] الصدر قبل الفرع يقتضي هذا الترتيب في الألقاب: العلوي الحسني البلغيثي.
[6] تاريخ الاِزدياد غير مضبوط إذ لم يكن آنئذ نظام الحالة المدنية إجباريًا بالمغرب.
[7] Le Maroc sans masque “Son Excellence”, Gustave Babin, Éditions G. Ficker, Paris, 1932.
[8] مصابيح البشرية في أبناء خير البرية، أحمد الشباني الإدريسي،1987 مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، ص 96.
[9] القصص 12
[10] رسالة مفتوحة ألفها الأستاذ عبد السلام ياسين في زهاء مائة صفحة بتاريخ 6 غشت 1974 ينصح بها ملك المغرب، الحسن الثاني.
[11] أخذت من قصيدة محمد بن إبراهيم المراكشي، رحمه الله، ثلاثة أبيات، غيرتها سوى الثالث، وهي: ‘كيف المآل إذا تكون الحال’