الإحداد بين الشرع والعادة
بقلم: الأستاذ عثمان غفاري
شرع الإسلام في حق الزوجة عند وفاة زوجها الإحداد، والذي يجب على النساء العلم به ومعرفته والإحاطة به كي لا يقعن في محظور أو يمنعن أنفسهن من مباح، فالإحداد في الإسلام مضبوطٌ بأحكامٍ وقواعد معتبرة، لكن مع كامل الأسف شابته في عصرنا الحاضر الكثير من الشوائب، وأذاع الناسُ عنه الكثير من الخُرافات. فجاءت هذه المقالة المجمعة لبعض أحكامه وحكمه بمشيئة الله تعالى لتُجلِّي بعض الحقائق.
أولا: تعريف الإحداد
تنوعت عبارات العلماء رحمهم الله في تعريف الإحداد، لكن الخلاصة المجمع عليها بينهم أن الإحداد هو تربص تجتنب فيه المرأة ما يدعو إلى جماعها أو يرغب في النظر إليها من الزينة وما في معناها مدة مخصوصة في أحوال مخصوصة، ومن التعريف يتضح أن أحكام الإحداد مما تختص بها النساء دون الرجال، يشهد لذلك عدة أحاديث صحيحة منها ما أخرجه الشيخان عن أن حبيبة وزينب بنت جحش رضي الله عنهما أن النبي ﷺ قال: “لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث ليال إلا على زوج أربعة أشهر وعشراً”، وكذا إجماع المسلمين على أنه لا إحداد على الرجل.
ثانيا: حكم الإحداد وشرائطه
الإحداد واجبٌ على المعتدَّة مدَّة العدَّة بإجماع أهل العلم، ولم يخالفْ فيه إلا الحسن وحدَه، ومدَّة الإحداد هو زمن العدَّة سواء طالت أم قصرت، فإذا كانت غير حاملٍ فعدتها وإحدادها أربعة أشهر وعشرة أيام، وإن كانت حاملاً فعدَّتها وإحدادها إلى وضع الحمل، وإذا لم تعلمْ بموت زوجِها إلا بعدَ تمام العدَّة فلا إحداد؛ لأنَّ الإحداد تابعٌ للعدَّة، وقال جمهور الفقهاء من المالكية والشافعية والحنابلة في شرائط وجوب الإحداد، أنه لازم لكل متـوفى عنـها زوجها ولو كانت ذمية لأنه من توابع العدة، فالحرة، والكبيرة، والمسلمة في الإحداد كلهن سواء، من وجبت عليه عدة الوفاة وجب عليها الإحداد لا يختلفن، ودلت سنة رسول االله – صلى االله عليه وسلم – على أن المعتدة من الوفاة تكون بإحداد؛ لأنهن إن دخلن في المخاطبات بالعدة دخلن في المخاطبات بالإحداد، ولو تركت امرأة الإحداد في عدتها حتى تنقضي أو في بعضها كانت مسيئة، ولم يكن عليهـا أن تستأنف إحدادا؛ لأن موضع الإحداد في العدة، فإذا مضت أو مضى بعضها لم تعد لما مضى.
ثالثا: خماسية الآثار المترتبة على الإحداد
الآثار المترتبة على المعتدة خلال فترة الإحداد خمسة وهي:
- أولا: تجنب الطيب
ذهب الفقهاء إلى تحريم الطيب على المتوفى عنها زوجها في فترة العدة، واستدلوا على ذلك بما روي عن أم عطية رضي االله عنها أن رسول االله -صلى االله عليه وسلم- قال: “لا تحد امرأة على ميت فوق ثلاث، إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا، ولا تلبس ثوبا مصبوغًا إلا ثوب عصب، ولا تكتحل، ولا تمس طيبا إلا إذا طهرت، نبذة من قسط أو أظفار” والقسط والأظفار من أنواع الطيب، فأبيح للمعتدة الشـيء اليسير، حين تنتهي من الحيض، لدفع رائحة الدم الكريهة، والنهي الوارد في الحديث يشمل عموم أنـواع الطيب والأدهان المطيبة، والمياه المعتصرة من الأدهان المطيبة، ولا يشمل الصابون المعطر لأن الذي فيه نكهة وليس بطيب، أما الدهان غير المطيبة، مثل الزيوت، والمراهم، فالمالكية والحنابلة والظاهرية أباحوها لأنها ليست طيبا فلا يشـملها النص، لكن منعوه في الرأس لأنه يزينه، وهي ممنوعة أصلا من التزين، أما الحنفية فجعلوا حكم الأدهان غير المطيبة حكم الطيب في تحريمه على الحادة، لأن الـدهان لا تخلوا عن طيب وفيها زينة للشعر.
- ثانيا: تجنب الزينة
يجب على المعتدة ترك الزينة طيلة العدة سواء كانت زينة في نفسها مثل الخضاب، والكحل، وسائر أنواع المكياج، أو كانت زينة الثياب وهي كل الثياب الجميلة من غير اشتراط لون معين، أو كانت زينة الحلي وهي كل ما تتجمل به المرأة وتتحلى به من حلق أو قراط، أو سوار أو خاتم، لحديث رسول االله صلى االله عليه وسلم الذي روته أم سلمة: “المتوفى عنها زوجها لا تلبس المعصفر من الثياب ولا الممشقة، ولا الحلي، ولا تختضب، ولا تكتحل”، واستثني من ذلك ما كان لضرورة قصوى تستدعي من وجوده، فقد أمر الرسول صلى االله عليه وسلم بوضع الكحل بالليل، ونزعه بالنهار، وقياسا على ذلك ما دعت الضرورة لاستعماله لمرض، أو بسبب حساسية وحكة في الجسم، خاصة إذا أشـار بذلك طبيب مسلم يوثق بدينه وأمانته.
- ثالثا: تحريم الخطبة والزواج
يحرم على المعتدة الخطبة تصريحا لا تعريضا؛ لقوله تعالى: “وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُم بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنتُمْ فِي أَنفُسِكُمْ”، والفرق بينهما أن التصريح يكون بالواضح من القول، كطلب الزواج، وما شـابه، وهذا لا يجوز شرعا بالاتفاق، أما التعريض، وهو أن تخبر المعتدة أن فلانا يمتدح أخلاقها، ويـثني عليهـا، ويذكر صفاتها الجليلة والطيبة فهذا لا شيء فيه، لما أشار إليه سبحانه وتعالى في كتابه الجليل: “ولَـا جناح علَيكُم فيما عرضتم بِه (الآية، وكذلك فقد روي عن رسول االله – صلى االله عليه وسلم – أنه دخل على أم سلمة، وهي معتدة من وفاة أبي سلمة، فقال: “لقد علمت أني رسول االله، وخيرته، وموضعي من قومي”، وفي هذا الحـديث الشريف دلالة على جواز التعريض بالخطبة دون التصريح، وإذا حرمت الخطبة على المعتدة فمن باب أولى أن يحرم الزواج عليها، لأن الخطبة من مقـدمات الزواج، وقد قال تعالى: “وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّىٰ يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ”.
- رابعا: تحريم المبيت خارج المنزل
ذهب جمهور الفقهاء إلى أن المرأة المعتدة تلزم محل منزلها، الذي توفي عنها زوجها وهي فيه، لقوله تعالى:“والَّذين يتوفَّونَ منكُم ويذَرونَ أَزواجا يتربصن بِأَنفُسِهِن أَربعةَ أَشهرٍ وعشرا”، فالتربص يأتي في اللغة بمعنى الانتظار، و استدلوا كذلك بما أخرجـه الخمسة عن فريعة بن مالك رضي االله عنها قال: خرج زوجي في طلب العلاج له، فأدركهم في طرف القدوم، فقتلوه، فأتاني نعيه وأنا في دار شاسعة، من دو أهلي فذكرت ذلك لرسول االله صـلى االله عليـه وسلم فقلت: إن نعي زوجي أتاني في دار شاسعة من دور أهلي، ولم يدع نفقة، ولا مالا ورثته، ولـيس المسكن له، فلو تحولت إلى أهلي وإخوتي لكان أرفق لي في بعض شأني، قال: «تحولي» فلما خـرج مـن المسجد أو إلى الحجرة دعاني، أو أمر بي فدعيت، فقال: “امكثي في بيتك الذي أتاك فيه نعي زوجك حتى يبلغ الكتاب أجله”، قالت: فاعتددت فيه أربعة أشهر وعشرا.
لكن هناك قول آخر ولكن مرجوح مفاده أن للمرأة أن تعتد حيث شاءت، وإن لم تعتد بمنزل زوجها الذي توفي، وهي فيه. وهو قول بعض الصحابة كعلي بن أبي طالب، وابن عباس، وجابر، وعائشة، وجابر بن زيد، والحسن، وعطاء وذكره البغوي عن أبي حنيفة واختاره المزني من فقهاء الشافعية وقال به ابن حزم الظاهري.
لكن على أي حال أبيح للمعتدة أن تخرج منه للضرورة، والضرورة تقدر بقدرها، مثل الخوف من انهدامه لقدمـه، وتشقق جدرانه، أو الاستوحاش حيث لا تستطيع المعيشة وحدها، أو مع صغارها، أو لعجز عن سداد إيجاره وما شابه، ولا يوجد من يقوم بأعمالها، فلها أن تنتقل لأنها في حالة عذر، وإذا تعذرت السكنى سقطت، ولها أن تسكن حيث شاءت، خاصة في زمن اختلـفت فيه ذمـم النـاس وتصرفاتهمم.
- خامسا: خروج المعتدة نهارا
أبيح للمعتدة أن تخرج من منزلها نهارا ليس فقط لقضاء حاجتها، وإنما لكل ما يلم بهـا مـن مرض، أومراجعة طبيب لها أو لأبنائها، وشراء حاجتها من السوق، كالطعام ونحو ذلـك، إذا لم يكـن عندها من يقوم بذلك، لحديث جابر بن عبد االله رضي االله عنه الذي أخرجه النسائي حيث قال: طلقت خالتي ثلاثًا، فأرادت أن تجد نخلها، فزجرها رجل أن تخرج، فأتـت النبي صلى االله عليه وسلم فقال: “بلى فجدي نخلك فإن عسى أن تصدقي، أو تفعلي معروفـا، وقال عروة رضي االله عنه: وكانت عائشة تفتي المتوفى عنها زوجها بالخروج في عدتها، وأخرج ابن أبي شيبة عن عمر بن الخطاب أنه رخص لها في بياض يومها، وكذلك أخرج عبد الرزاق عن ابن عمر أنه كان له ابنة تعتد من وفاة زوجها، فكانت تأتيهم بالنهار فتحدث إليهم، فإذا كان بالليل أمرهـا أن ترجـع إلى بيتها.
- رابعا: خرافات وعادات حول العدة والإحداد
هناك كثير من الخرافات والأقوال الشائعة بين عامة النساء خاصة، حول العدة والإحداد لا أصل لها، نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر منع المرأة المعتدة من الكلام إلا بالإشارة، ومن الضحك أبدا، ففي نظرهم أن الكـلام
يبطل العدة، وأن الضحك يغضب المرحوم، ومنعها في فترة العدة من النظر إلى المرآة وإلزامها بتغطيتها، كما حظروا عليها خلال العدة إزالة شعر البدن، والرد على الهاتف، أو مشاهدة التليفزيون، أو الصعود لسطح المنزل، كما ألزموها بارتداء لباس معين أو لون معين.
ختاما فالأصل أنَّ تمتثل المسلمة أمر ربها في الإحداد بلا زيادة ولا نقصان لأنه عبادة لا عادة، وكل ما شرعه الله لنا فيه الرحمة والحكمة، والتيسير والتبشير، وكل ما ابتدع ولو بحسن نية فيه التعسير والتنفير، فينبغي أن يُعلم أنَّه بسبب كثير من الأعراف الشاذة نفرت كثير من المسلمات من الإحداد المشروع واستثقلنه فأثمن غفر الله لنا جميعا.