حوار حول كتاب الأخلاق والإيمان في فلسفة مُحمد عزيز الحبابي
حوار حول كتاب الأخلاق والإيمان في فلسفة مُحمد عزيز الحبابي/ د. محمد الجلالي
حوار حول كتاب الأخلاق والإيمان في فلسفة مُحمد عزيز الحبابي[1]
تحرير وتقديم ومُراجعة: د. محمد الجلالي
تقديم
يتناول هذا الحوار قضية بالغة الأهمية؛ وهي مسألة الأخلاق والإيمان في الفلسفة بشكل عام، وفي فلسفة مُحمد عزيز الحبابي بشكل خاص؛ حيث خُصص لمُدارسة كتاب “الأخلاق والإيمان في فلسفة مُحمد عزيز الحبابي” لمؤلفه الدكتور أحمد بوعود؛ الذي شارك في مُجريات هذا الحوار، وحاول الدفاع عن الأطروحة التي بثها في هذا الكتاب، كما قدم المُبررات التي دفعته لخوض مُغامرة تأليف هذا العمل.
ويكتسي هذا الحوار أهميته من ثلاث عناصر أساسية:
أولا: لأنه يُعرفنا على جزء هام من فلسفة مُحمد عزيز الحبابي، ويُطلعنا على موقفه من الأزمات الأخلاقية المُعاصرة.
ثانياً: لأنه يتناول موضوع الأخلاق، التي هي أعز ما يُطلب اليوم لتحقيق الانسجام والتناغم بين أفراد المُجتمع.
ثالثاً: لأنه يتضمن موقف الدكتور أحمد بوعود؛ الذي قدم عُصارة بحثه في الموضوع؛ وهو الأمر الذي يُضاعف من قيمة هذا الحوار، ويمنحه مشروعية النشر والتقاسم مع القُراء.
كما شارك في الحوار إلى جانب الدكتور أحمد بوعود، كل من الدكتور عبد الصمد المساتي، والدكتور مُحمد الجلالي
الدكتور عبد الصمد المساتي
بسم الله الرحمان الرحيم وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى أله وصحبه إلى يوم الدين:
السيدات والسادة تشاهدون وتتابعون في هذه الحلقة الجديدة من برنامج “كتاب وقضية“، الذي نتشرف بتقديمه في إطار أنشطة وفعاليات موقع منار الإسلام العلمية والثقافية.
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته، نُبارك لكم بداية شهر رمضان المبارك الفضيل، شهر الرحمة والمغفرة شهر التوبة وتجديد الإيمان. وبهذه المناسبة نُناقش في هذه الحلقة الجديدة من برنامج “كتاب وقضية” كتاب “الأخلاق والإيمان في فلسفة محمد عزيز الحبابي“ لمؤلفه الدكتور أحمد بوعود، الذي نستضيفه مشكوراً على قبول دعوة البرنامج لحضوره ومُشاركته معنا، كما نشكر فضيلة الدكتور محمد الجلالي، والبداية مع الدكتور أحمد بوعود مؤلف هذا الكتاب وهذا السفر المبارك.
الدكتور أحمد بوعود، حاصل على شهادة الدكتوراه في الفلسفة تخصص فلسفة الدين بجامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس/ المغرب، ودكتوراه في الدراسات الإسلامية تخصص الفكر الإسلامي بجامعة عبد المالك السعدي بتطوان/المغرب، خبير مُحكم في عدد من المجلات العلمية الأكاديمية في الفكر الإسلامي والفلسفة، خبير مُحكم بمجموعة من المؤتمرات والندوات الدولية والوطنية، عضو لجان التحكيم وقراءة المشاريع العلمية لدى مجموعة من الناشرين، صدر له عدد من المؤلفات إضافة إلى هذا السفر الذي نُناقشه هذا اليوم “الأخلاق والإيمان في فلسفة محمد عزيز الحبابي” الذي صدر سنة 2021، صدر له كذلك كتاب الفلسفة على حدود اللغة و”علوم القرآن في المنظور الحداثي دراسة تحليلية نقدية لآراء الحداثيين في القرآن الكريم” “محمد صلى الله عليه وسلم رسول السلام” “القرآن دراسة فلسفية مُقارنة” و “مفهوم الجاهلية وعلاقته بالتكفير دراسة تقويمية” و “مقاصد الشريعة من النظر إلى السلوك” و”الظاهرة القرآنية عند محمد أركون تحليل ونقد” صدر له كذلك كتاب باللغة الإنجليزية Muhammad Prophet for Our Time” البلاغ النبوي والبيان السياسي” و “الاجتهاد بين حقائق التاريخ ومتطلبات الواقع” و “فقه الواقع أصول وضوابط”، كما نُشرت له العديد من المقالات والبحوث في الفكر الإسلامي والفلسفة في مجلات علمية محكمة وفي مجلات ثقافية عامة، كما شارك في مجموعة من الندوات والمؤتمرات والملتقيات العلمية في كل من الجزائر وتونس والأردن وعمان وماليزيا وتركيا وبريطانيا وهولندا وألمانيا فمرحباً به وشكراً جزيلا له على هذه المشاركة.
في البداية أحيل له الكلمة ليُعرفنا عن ملامح وسياق تأليف هذا السفر، ودافعه للبحث في الموضوع في إطار هذا التخصص الدقيق والمُفيد إن شاء الله تعالى.
الدكتور أحمد بوعود
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته شكراً سيدي عبد الصمد على هذه الدعوة وأبارك لكم جميعاً هذه الأيام المباركة وأتمنى من الله سبحانه وتعالى أن يتقبل منا الصيام والقيام وسائر الطاعات إن شاء الله.
هذا الموضوع؛ موضوع الأخلاق والإيمان هو من المواضيع التي تُعالجها الفلسفة اليوم ويُعالجها الفكر بصفة عامة، فلا يخلوا أي مجال من المجالات العلمية من نقاش في هذا الموضوع وخاصة في إشكال الارتباط بين الأخلاق والإيمان، يتساءل الناس اليوم؛ هل يُمكن أن تكون هناك أخلاق بدون إيمان؟ وهذا سؤال أو تساؤل مشروع، كذلك يتساءلون أيضاً عن كثير من التصرفات الغير الأخلاقية للإنسان، الذي يدعي مع ذلك الإيمان.
إذن لا شك أن هُناك علاقة مُزدوجة بين هذين العُنصرين المكونين للعنوان؛ محمد عزيز الحبابي رحمه الله الفيلسوف الشخصاني وربما الدكتور محمد الجلالي سيعرفنا عليه أكثر؛ قلت مُحمد عزيز الحبابي من خلال فلسفته الشخصانية كان مهموماً بهذا الموضوع. لماذا كان مهموما بهذا الموضوع؟ لأنه كان مُنهجساً بعلاج أزمة أو أزمات الإنسان المُعاصر في الشرق أو في الغرب، حيث لاحظ أن هناك أزمات أخلاقية كثيرة؛ حتى أنه قال كما قال غيره كإدغار موران مثلاً إن عصرنا هذا عصر الأزمات والحضارة في انحدار فكتب في فلسفته كلها حول هذا الموضوع، حيث كان هذا هو الشغل الشاغل الذي يشغل باله إلى أن جمع زبدة ما كتب في كتابه النفيس رغم أنه صغير الحجم إلا أنه نفيس، الكتاب الذي صدر عام 1991 والحبابي رحمه الله توفي سنة 1993، يعني سنتين قبل وفاته، فهذا يشكل نُضجاً أو حصيلة لفكره وحياته. هذا الكتاب هو بعنوان “أزمة القيم“. من هنا رأيت أنه من الواجب أن أغوص في هذا الموضوع وأكتب حوله بدءاً من كُتب الحبابي كلها ووقوفاً على وجه التحديد مع هذا الكتاب الذي هو “أزمة القيم“، ويمكن أن أتحدث عن سياق تأليف هذا الكتاب بالقول، بأنه ليس بالكتاب الذي يُكتب دفعة واحدة، مثلاً إذا سألتني عن مؤلفات أخرى سابقة كتبتها قد تأخذ مني العام أو العامين وما إلى ذلك.
ولكن هذا الكتاب على صغر حجمه تطلب مني قراءات كثيرة سواء في متن الحبابي أو في متن الفلسفة عموماً والفكر الإسلامي خصوصاً، فهذه القراءة المتنوعة والمتعددة استغرقت مني ما يُقارب الخمس سنوات، لأنني كنت على وعي بأن الموضوع الذي يُعالجه محمد عزيز الحبابي وأريد أن أقتحمه ليس بالموضوع الهين ولا بالموضوع السهل وبالتالي أعتبر أن زبدة فلسفة محمد عزيز الحبابي تكمن في هذا الكتاب الذي هو “الأخلاق والإيمان” إن كان للدكتور محمد الجلالي ما يضيف فليتفضل.
د. عبد الصمد المساتي:
شكراً للدكتور أحمد بوعود، ننتقل الآن إلى الدكتور محمد الجلالي، وهو أستاذ لمادة الفلسفة بطنجة، حاصل على شهادة الدكتوراه في الفلسفة في موضوع “مسألة المواطنة في خطاب المؤسسات بالمغرب بين الكلمات والأشياء” صدر له كتاب “التبادل الرمزي في قبيلة بني أحمد الهبة نموذجاً”، نُشرت له كذلك مجموعة من الدراسات في مجلات علمية مُحكمة منها: ملامح الحداثة السياسية في فلسفة جان جاك روسو، الشر السائل عيش مع اللابديل، المفهوم الأرسطي للمواطنة، وكما أشار الدكتور أحمد بوعود نُسائله لماذا اختيار الفيلسوف الشخصاني المغربي محمد عزيز الحبابي للحديث عن الأخلاق والإيمان ومن هو محمد عزيز الحبابي؟ حتى يعرفه المتابع والمُشاهد الكريم.
د. محمد الجلالي
بسم الله الرحمان الرحيم والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، رمضان مُبارك كريم للجميع، شكراً للساهرين على موقع منار الإسلام على تنظيم هذا اللقاء، الذي آمل أن تحفه الفائدة والمُتعة، وشكراً للدكتور عبد الصمد المساتي على تفضله بإدارة هذه الحلقة من البرنامج التنويري والتثقيفي “كتاب وقضية”، وأرجو ألا أخيب ظنه وظنكم بي في توخي مطلبي التبسيط والإيجاز في تقديم الإجابة عن السؤال المطروح. لكن قبل ذلك لابد أن أعبر عن شكري امتناني واعتزازي بالمشاركة في هذا اللقاء إلى جانب أستاذي الدكتور أحمد بوعود، والتداول في موضوع الأخلاق والإيمان في فلسفة محمد عزيز الحبابي، فمن هو إذن هذا المفكر؟ وماهي أهم القضايا التي اهتم بها؟
محمد عزيز الحبابي فيلسوف وروائي مغربي ولد يوم 25 دجنبر 1922 بمدينة فاس، نشر أول كتاب له وهو لا يتجاوز 22 سنة وهو كتاب “مفكرو الإسلام”، اشتهر بمقاومته للمستعمر وبتجربته النضالية التي كلفته العديد من المضايقات في مرحلة الاحتلال الأجنبي للمغرب، هاجر إلى فرنسا وحصل على الإجازة في الفلسفة بجامعة كان و على إجازة أخرى بجامعة السوربون كذلك، وحصل على دبلوم الدراسات العُليا في الفلسفة وعلى شهادة الدكتوراه في الفلسفة بجامعة السوربون في موضوع “الشخصانية الإسلامية“، وهذه القضايا التي اهتم بها مُحمد عزيز الحبابي تبرز انهجاس الرجل بالمسائل الأخلاقية والقيم التي من شأنها أن تخلق الانسجام بين أفراد المُجتمع، وعودة الدكتور أحمد بوعود إلى متن هذا الرجل هي اعتراف بقيمة هذا المفكر الفذ فلسفياً ومعرفياً بحُكم جمعه بين مصادر معرفية مُختلفة، نظراً لاطلاعه على التراث الإسلامي، إلى جانب انفتاحه على الفلسفة الغربية في مُختلف مراحلها، والفلسفة بهذا المعنى، لا يُمن أن تُقدم مُقاربة شاملة لمفهوم الأخلاق دون أن تأخذ بعين الاعتبار هذه المرجعيات المتعددة في تمثل الموضوع وفي مُقاربته، وهو العمل الذي توفق الدكتور أحمد بوعود بتجسيده في هذا الكتاب، الذي على صغر حجمه كما سبق أن أشار إلا أنه يُمكننا من مجموعة من الآليات التي من شأنها أن تُسعفنا-إلى حد ما- في طرح الأسئلة المُرتبطة بالإنسان المُعاصر، وتُساعدنا على تشخيص واقعه في أفق اقتراح بدائل للتقليل من حدة الأزمات التي تحيط به، وطبعاً قد أشار الأستاذ أحمد بوعود إلى هذه المُبررات في كتابه عندما تحدث عن أهمية البحث ودوافعه وغاياته. لماذا؟ لأن محمد عزيز الحبابي لم ينل حقه من البحث والكتابة في الوطن العربي، قد نجد مجموعة من المقالات حول الحبابي، ولكن أعتقد أن الكتاب الذي بين أيدينا هو الكتاب الوحيد الذي تخصص في هذا الموضوع ونُشر، إذا استثنينا أطروحة للدكتوراه أعدها الأستاذ إبراهيم مجيدلة بكلية الآداب والعلوم الإنسانية ابن طفيل بالقنيطرة، وأتمنى أن تجد أطروحته طريقها للنشر حتى نستفيد من أفكار هاته القامة المعرفية التي نفتخر بها كباحثين في الفلسفة وكمغاربة كذلك، لاسيما وأن محمد عزيز الحبابي هو أو مغربي يحصل على شهادة الدكتوراه في الفلسفة، وبحكم تميزه ونبوغه وكتابته في مجالات معرفية مُختلفة، كما لا ينبغي أن ننسى أن محمد عزيز الحبابي كتب في الرواية وفي الشعر وكتب في الفلسفة وأنه كان قاب قوسين أو أدنى من الفوز بجائزة نوبل للآداب سنة 1987، ووصوله إلى القائمة القصيرة لهذه الجائزة خير دليل على تميزه وفرادته وقدرته على تقديم الجديد في مُقاربته لمفهوم الشخصانية الإسلامية أو في مقاربته لمفهوم الكائن والشخص خاصة في كتابه من “الكائن إلى الشخص” أو في مقاربته لمسألة الحرية في كتابه من “الحريات إلى التحرر“. غير أن الكتاب الذي يهمنا بالدرجة الأولى هو الكتاب الذي أشار إليه الدكتور أحمد بوعود قبل قليل وهو كتاب “أزمة القيم“. أكتفي بهذه الملاحظات على أساس أن نُبلور نقاشاً حول هذا الموضوع في معرض تفاعلنا مع الأسئلة التي ستطرح لاحقاً.
د. عبد الصمد المساتي
شكرا جزيلا فضيلة الدكتور محمد الجلالي على هذه الإضاءات حول هذه الشخصية الفذة والمتميزة، والتي يكفيها فخرا ما أشرتم إليه من كونه أول مغربي يحصل على شهادة الدكتوراه في الفلسفة. وننتقل إلى الدكتور أحمد بوعود ليُحدثنا عن قيمة الأخلاق، ومركزيتها في الدين، وكلنا نعرف من خلال حديث النبي صلى الله عليه وسلم “إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق” أن جوهر الرسالات السماوية قاطبة هو الأخلاق، فما هي مركزية هذه الأخلاق في الدين انطلاقاً من هذا الحديث ومن غيره وما علاقته بالإيمان؟ بمعنى آخر أو بسؤال آخر ورد في هذا الكتاب ما الذي يُمكن أن يُضيفه الإيمان إلى الأخلاق؟ وكيف يكون الإيمان حصانة للسلوك ومنتجا له؟
د. أحمد بوعود
شكراً للدكتور عبد الصمد، وشكراً للدكتور محمد الجلالي على حضوره معنا وعلى إفاداته وإضاءاته. قبل أن نتحدث عن مركزية الأخلاق وعن الحديث النبوي الشريف الذي ذكرته هنا، ينبغي أن نُجيب أولاً عن مجموعة من الأسئلة الأخرى لكي تكون مُمهدة لهذا الموضوع، فمن بين الأسئلة أو الإشكالات التي حاول أن يُجيب عنها هذا الكتاب هو هل يعيش عالمنا فعلاً أزمة أخلاقية؟ لأن هناك الكثيرين لا يهمهم أن يكون العالم يعيش أزمة أخلاقية ما يهمهم كما قال أحدهم في لقاء علمي قبل أسابيع، قال ما دام الإنسان يولد برغباته ويقضي مآربه فلماذا نتحدث عن الأخلاق؟ المهم هو الإنسان، الإنسان إذا أراد كذا فينبغي أن نُلبي له ما يُريد. هذا تصور مطروح، فبالتالي كان السؤال هل يعيش عالمنا فعلاً أزمة أخلاقية؟ إذا أجبنا بنعم ما هي تجليات هذه الأزمة؟ حسب الحبابي طبعاً ومنها نفتح المجال لكي نتحدث عن تجليات أخرى ربما لم يذكرها محمد عزيز الحبابي أو تجنب ذكرها لأنه لم يعتبرها أساسية، ثم إلى أي حد يمكن التسليم بهذه التجليات؟ فكما قلت اليوم الإجابة عن هذا السؤال تُفصح عن معاني هذه الأزمة ثم بعد ذلك لكي نصل إلى الحديث النبوي الشريف الذي أشرت إليه آنفاً. يقول محمد عزيز الحبابي رحمه الله بأنه على مر التاريخ أو منذ النهضة الأوروبية على وجه التحديد ظهرت مجموعة من المذاهب وأولها الليبيرالية ثم الاشتراكية، هذان مذهبان كبيران حاولا أن يحلا مُشكلات الإنسان وأزماته. لكن السؤال المطروح هنا هل يُمكن أن تدلنا هذه المذاهب على حلول لهذه الأزمات الأخلاقية؟ يقول محمد عزيز الحبابي بأن هذه المذاهب فشلت في حل أزمات الإنسان المعاصر أو فشلت في الرقي بأخلاق الإنسان وكذلك بسموه لكن هذا الفشل حسب محمد عزيز الحبابي ليس فشلاً مُطلقاً، بل إضافة إلى كونها حاولت أن تعالج من وجهة نظرها ولكن في نفس الوقت، هذه المذاهب أيضاً من حيث ارادت أن ترقى بالإنسان إلا أنها ساهمت من زوايا أخرى في اندحاره وتراجعه أخلاقياً، وهذا هو المشكل الأساس. وبالتالي ماذا يقترح محمد عزيز الحبابي؟ يقول بأن المذاهب كلها جاءت لكي تحل هذه الأزمة لكن للأسف حلها كان محصوراً أو كان قاصراً عن ملامسة مجموعة من القضايا الإنسانية المصيرية. هنا نجد أنفسنا أمام الحديث النبوي الشريف الذي يقول فيه الرسول صلى الله عليه وسلم “إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق“، فالأخلاق الكاملة لا يمكن أن توجد حسب هذا الحديث طبعاً وحسب تصور مُحمد عزيز الحبابي إلا في هذا النموذج الإسلامي وهذا ما يجعله يتحدث بعد ذلك عن طاقات الإسلام الأخلاقية، وهذا يعني أن الإسلام عبارة عن طاقات أخلاقية أو كما يصفه محمد عزيز الحبابي هو عبارة عن صندوق، هذا الصندوق بين أيدينا نحتاج فقط إلى من يفتحه لنا لكي نُخرج منه النموذج الأخلاقي الذي يُعبر عنه حديث النبي صلى الله عليه وسلم ” إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق”. إذا لاحظ القارئ في هذا الكتاب ففي الوجه الأول للصفحة الثانية يُواجهنا هذا الحديث النبوي الشريف، فهذا ليس عبثاً لأن هذا الحديث في نظري يُلخص أطروحة مُحمد عزيز الحبابي ويُلخص أيضاً ما جاء في هذا الكتاب، وبالتالي فإن الأخلاق مسألة مركزية لا يُمكن الاستغناء عنها لماذا؟ أولاً هي من مُقتضيات جميع هذه الرسائل السماوية ثم ثانياً حتى المذاهب التي جاءت والقوانين التي وُضعت إنما وُضعت من أجل هذه الأخلاق، ففي القانون مثلاً نجد بأن قوانين الضبط الأخلاق أو شيء من هذا القبيل، فالهدف كله هو أن تُحمى هذه الأخلاق. ولكن حسب تصور محمد عزيز الحبابي والذي أتبناه أن هذه الأخلاق لا يُمكننا حمايتها فقط بهذه المذاهب سواء كانت ليبيرالية أو اشتراكية ثم كذلك لا يُمكن حمايتها بالقومية ولا يُمكن صيانتها فقط بالقوانين، أي لا بد من شيء داخلي، بمعنى أن الباعث الداخلي عند الإنسان هو الذي يدفعه إلى الامتثال لهذه الأخلاق وهنا تفصيل في هذه القضية في الفصل الثاني من هذا الكتاب، بعدما بينت الأزمات المُعاصرة في الفصل الأول، قُلت في الفصل الثاني كانت هُناك مُقاربة لهذا الموضوع وهو موضوع الأخلاق كيف أن الأخلاق عندما ترتبط بالإيمان تُثمر سلوكاً قويماً، وهناك شواهد من التاريخ سواء في عهد النبوة أو بعدها، وكذلك حتى في أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم وفي توجيهاته، وأعظم توجيه هو هذا الحديث النبوي الشريف ” إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق”، لاحظوا معي أن هذا التعبير لأُتمم يعني أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يُنكر أن هناك أخلاق كانت سائدة قبله وهي أخلاق حميدة ولكن لم تبلغ تمامها وكمالها إلا بدعوته صلى الله عليه وسلم.
د. عبد الصمد الموساتي
شكراً جزيلاً للدكتور أحمد بوعود. الدكتور محمد الجلالي، وانطلاقاً من السؤال الذي قدمه الدكتور بوعود هل يعيش عالمنا فعلاً أزمة أخلاقية؟ نُسائلكم ما هي تجليات هذه الأزمة حسب محمد عزيز الحبابي؟ وإلى أي حد يُمكن التسليم بها كما تساءل الدكتور أحمد في هذا الكتاب؟ ما دلالة هذه الأزمة؟ وما مظاهرها؟ وإلى أي حد يُمكن اعتبار هذه الأزمات -وغيرها من الأزمات الكثيرة التي يُمكن أن تتفرع عنها- كبيرة وخطيرة؟
د. محمد الجلالي
شكراً جزيلا دكتور عبد الصمد، بالنسبة للسؤال المرتبط بتجليات الأزمة أو دلالات الزمة كما أشار إليها الدكتور أحمد بوعود في هذا الكتاب توسطاً بما كتبه طبعاً بما كتبه الفيلسوف العميد محمد عزيز الحبابي، والسؤال الذي أطرحه كذلك للنقاش هو هل تنحصر هذه الأزمة في التنظير والخطاب أم أنها أزمة ممارسة؟ بمعنى هل هي أزمة خطاب أم أزمة واقع؟ عندما نعود إلى ثنايا هذا الكتاب نجد أن الدكتور أحمد بوعود يُنبهنا إلى أن هذه الأزمة هي أزمة مُركبة؛ هي أزمة خطاب يُنظر وأزمة أفعال تتأثر بهذا الخطاب على مستوى الممارسة والتفاعل. طبعاً أشار الأستاذ أحمد بوعود إلى فشل النموذجين الاشتراكي والليبيرالي في حل هذه الأزمات، التي حددها محمد عزيز الحبابي في ثلاث أزمات أساسية مُترابطة فيما بينها، حيث تقود كل أزمة إلى أخرى، والعلاقة بين هذه الأزمات تجعلنا نُقر -إلى حد ما- بأننا نعيش فعلاً أزمة حضارة أو أزمة أخلاق أو أزمة قيم أو أزمة متعددة الأبعاد. أولى تجليات هذه الأزمة هو انتشار ما أطلق عليه محمد عزيز الحبابي وما يُمكن أن نتفق عليه جميعاً بالفطرة وبالبداهة انتشار الكذب؛ الذي يعني في بعض دلالته التغطية أو التضليل أو كل ما يرتبط بالتمويه إلى غير ذلك. عندما نُقارب الكذب في سياق سياسي في العلاقات بين الدول تبرز خطورته، على اعتبار أن الكذب السياسي تكون له في الغالب عواقب وخيمة ويُسقط الإنسان في أوحال الحروب ويُضاعف من المخاطر ويعضد الصراعات، هذه بعض نتائج الكذب عندما يرتبط بالمصالح بين الدول، إذ يُمكن أن يُستخدم الكذب لغايات مُتعددة من أبرزها حماية المصلحة الفردية والخاصة للفرد وللدول، وهنا نجد أنفسنا في مواجهة مسألة الأنانية بوصفها التجلي الثاني لهذه الأزمات؛ إذ أن الأنانية في دلالتها المُرتبطة بتبجيل ما تمتلكه الذات وتبخيس ما يمتلكه الغير، وطبعاً هنا يُمكن أن نتحدث عن الذات بمعناها المشخص أي عن إنسان في مُقابل آخر وقد نتحدث عن الذات كتعبير عن حضارة في مُقابل حضارة أخرى؛ مثلاً عن الذات الغربية في مُقابل الذات الشرقية أو العرب في مواجهة الغرب إلى غير ذلك، وبالتالي عندما نتحدث عن الأنانية بهذا المعنى نسقط في نزعة يُمكن أن نُطلق عليها نزعة دوغمائية أو نزعة وثوقية تجعل الذات مصدراً للحقيقة السياسية ومصدر لإبداع القيم أو مرجعاً للحكم على الأخلاق التي ينبغي تجسيدها على مستوى الواقع. هنا تغدو الأنانية نوع من القومية، التي ترفع من قيمة ثقافة معينة على حساب الثقافات الأُخرى، ويُمكن لهذه النزعة أن تُسقطنا في عزلة قاتلة ومُدمرة، على اعتبار أن الأنانية نقيض للغيرة، والإنسان كائن اجتماعي بطبعه إذا استحضرنا التعريف الأرسطي، بمعنى أنه يستمد قيمته وتتحدد ماهيته في التفاعل مع الغير ومن تبادل المصالح ومن التشارك أو ما يصطلح عيه بعض الفلاسفة “بالغيرية”.
تقودنا الأنانية طبعاً إلى الحديث عن البعد الثالث للأزمات المعاصرة؛ يتعلق الأمر بمسألة المُزاحمة التي تعني احتكار الثروة أو احتكار الخيرات سواء كانت مادية أو رمزية؛ بمعنى أننا أمام إنسان فقد ما يصطلح عليه علماء الاجتماع الرابط الاجتماعي؛ أي أضاع بوصلة التوجه الأخلاقي ودخل في مُجتمع أنومي مريض ومتفكك؛ فالأناني يُزاحم، يأخذ ولا يُعطي، والمجتمع في دلالته الخلاقة والأصيلة اجتماع وتفاعل وتشابك، وهو نفس الأمر الذي يدعونا إليه الدين، لأن الدين في سياقنا يتحدد من خلال الحديث عن عُنصرين أساسيين هما :
مُعطى العقيدة الذي يربطنا بالله ويُحدد علاقتنا الإيمانية بالله، ومُعطى الشريعة الذي يربط علاقتنا بأفراد المُجتمع، وهذا التواشج والانسجام بين الموجود بين العقيدة والشريعة يجعل الإنسان يؤمن بالله ويحمل تلك الطاقة الإيجابية التي يستمدها من الله باعتباره مصدراً مُطلقاً للحقيقة، ويأخذ هذه القيم ويبلورها في سلوكاته لكي ينفتح على الآخر، ويتوجب عليه في إطار هذا الانفتاح أن يكون صادقاً مع ذاته ومع الآخرين. وهنا قد نتجاوز الأزمة الأولى، كما يُفترض منه أن يكون مُحسناً؛ أي أن يكون مُساعداً ومتضامناً، كما ينبغي عليه كذلك أن يقود فعله لتحقيق نتائج إيجابية على مستوى الفضاء الذي ينتمي إليه. هذه إذن ثلاث أزمات أساسية الكذب، والأنانية، والمُزاحمة وهي ظواهر مُتفشية في مُختلف المجالات والفضاءات وعندما تتفشى في الأسرة والمدرسة وفي المعمل والمصنع تُنتج لنا مُجتمعاً فقد بوصلة توجهه الأخلاقي.
د. عبد الصمد المساتي
شكراً جزيلاً الدكتور محمد الجلالي، هذه الأزمات الثلاث التي تحدثتم عنها وفصل فيها الفلاسفة وشغلت التفكير الفلسفي منذ نشأته إلى اليوم، وهو ما عبر عنه الدكتور بوعود، وأقتبس هنا أولى العبارات الموجودة في هذا الكتاب من بداية المُقدمة وهو كلام نفيس جداً.
يقول الدكتور بوعود: «يُعتبر موضوع الأخلاق من المواضيع التي شغلت التفكير الفلسفي منذ نشأته إلى اليوم، بل إننا لن نُبالغ إذا قُلنا إن الأخلاق هي جوهر الفكر الفلسفي وقوامه”. هذا الكلام وغيره مما جاء بعده والتي يمكن أن تبرز في كل مبحث على حدة من مباحث الفلسفة، على اعتبار أن الأخلاق ناظمة لهذه المباحث كلها وموجودة بها، نُسائل الدكتور أحمد بوعود، وهو الأولى بالحديث عن هذا الموضوع. ما مدى حضور الأخلاق بشكل عام في الفكر الفلسفي؟ وإلى أي حد يُمكن اعتبار الأخلاق فعلاً جوهر الفكر الفلسفي وقوامه؟ وخصوصا انطلاقاً مما ذكرتم في الكتاب وارتباطاً بفلسفة محمد عزيز الحبابي.
د. أحمد بوعود
شكراً، كما ذكرت الدكتور عبد الصمد، مجالات الفلسفة الأربعة، كما اصطلح عليها وإن كان يُمكن أن نُفرعها إلى ما نشاء أو ما نُريد. إذا أردنا أن نُلخص هذه المجالات، بل إذا أردنا أن نُلخص الفلسفة كلها فيُمكن أن نجعلها مُرادفة للأخلاق، لماذا؟
أولاً، يجب أن لا ننسى أن من خصائص الفلسفة أو التفكير الفلسفي أنه تفكير قيمي، وعندما نقول الفلسفة تفكير قيمي، يعني أنه من شرط التفلسف أن تكون فيه أخلاق سواء كانت هذه الأخلاق على مستوى الممارسة؛ يعني أن يكون المتفلسف قدوة، لكونه لا ينحصر في بحثه على قضايا مجردة، فالفلسفة تدور كُلها حول الإنسان، لذلك لكي يغدو المرء فيلسوفاً ينبغي عليه أن يُصبح مصبوغاً بهذه القيم بالأخلاق، وإلا سيكون قد عارض خاصية من خصائص التفلسف، أو من خصائص التفكير الفلسفي، إضافة إلى العقلانية والنقدية والنسقية وما إلى ذلك فمن شرط ذلك كما قُلت أن تكون هذه الأخلاق ظاهرة في تفكير الفيلسوف وفي تصرفاته. هذا من جانب، ومن جانب آخر هناك مباحث أخلاقية أو مجال أخلاق مستقل، ويُمكن أن يكون هذا المجال المستقل مدسوساً في مجالات أخرى ، مثلاً عندما نتحدث عن الفلسفة السياسية، نُلاحظ أن الفلسفة السياسية تقوم في جوهرها على الأخلاق، طبعاً أنا تحدثت بمنطق الفيلسوف ولا أتحدث بمنطق السياسي الذي يتعامل بمكيافيلية وغير ذلك، ولكن في منطق الفيلسوف وفي تصوره أن الفلسفة السياسية أو السياسة عموماً أساسها الأخلاق، ولهذا حتى بعض الناس عندما صنفوا الفلسفة السياسية جعلوها مبحثا أو مجالاً ضمن مجال الأخلاق بصفة عامة، هذا من جهة، وحتى عندما نتعامل مع قضايا أخرى، ظهر في الفلسفة خاصة في آواخر القرن التاسع عشر والقرن العشرين جديد؛ ففي كل مجال هناك مجال معرفي محض، ولكن هناك أشياء بدأت تلتحق به وتلتصق به سُميت بالأخلاقيات مثل: أخلاقيات التواصل، أخلاقيات الطب، أخلاقيات العلم، إلى غير ذلك.
فكل مجال من المجالات وإلا وتؤطره أخلاقيات أو مجموعة من الأخلاق التي تُحاول أن تضبطه لماذا؟ لكي يؤدي وظيفته كما هي مسطرة من قبل الفلاسفة منذ أن ظهرت الفلسفة إلى يومنا هذا، هذا على المستوى النظري؛ أي على المستوى المثالي وليس على المستوى الواقعي؛ إذ تُحاول الفلسفة دائماً أن تضع النموذج ثم بعد ذلك يُمكن للإنسان أن يسعى إلى هذا النموذج أو إلى هذا الكمال الأخلاقي أو الكمال الإنساني إن صح التعبير؛ فهذا باختصار ما يُمكن أن نقوله بخصوص هذه النقطة، فالأخلاق هي دوماً حاضرة.
د.عبد الصمد الموساتي
ارتباطاً بهذه المجالات وبغيرها مما يُبين ويؤكد أهمية وقيمة ومحورية الأخلاق، وأنا أطالع هذا الكتاب المميز ألفيت أن أغلب الأسئلة التي يمكن طرحها قد طرحها مؤلف الكتاب في المُقدمة.
وهنا أحيل الكلمة إلى الدكتور محمد الجلالي ليجيبنا عن السؤال المحوري في هذا الكتاب كما عبر عنه المؤلف: كيف يُمكن للأخلاق أن تُخرج المُجتمعات الحالية من الشرنقة الذاتية التي تأسر الأنا ومن الشرنقة الجماعية التي تأسر الدول في متاهات بدون مخرج؟ كيف يُمكن للأخلاق أن تُمارس سلطتها هنا وأن تُخرج المجتمعات من هذه الأزمات المُتعددة؟
د. محمد الجلالي
شكراً جزيلا السي عبد الصمد، قبل أن أحاول الإجابة عن هذا السؤال، لأن جوابي طبعاً يبقى مجرد محاولة، سأدلي بدوري بموقفي فيما يخص السؤال الذي طرحته قبل قليل والمُرتبط بمدى حضور الأخلاق في الفلسفة. طبعاً لن أضيف الشيء الكثير إلى ما تحدث عنه الدكتور أحمد بوعود، فقط أشير إلى أننا إذا عُدنا إلى تاريخ الفلسفة ووقفنا على ما كتبه الفلاسفة سنجد بأن أغلب الفلاسفة إذا لم نقل جلهم قد خصصوا جزء مُهم من مؤلفاتهم لمقاربة سؤال الأخلاق.
وهنا أحيل على سبيل المثال لا الحصر إلى كتاب “الجمهورية” لأفلاطون، الذي قد يبدو من خلاله عنوانه أنه كتاب في السياسة ولكنه في الحقيقة كتاب في التربية، كتاب في التنظير للمُجتمع، وفي كيفية تأهيل المواطنين وتدريب الجنود…نُلاحظ في النهاية أن موضوع التربية أو تنظيم المُجتمع قد شغل الفلاسفة على مر العصور، نفس الشيء ينطبق على تلميذه أرسطو خاصة في كتابه “الأخلاق إلى نيقوماخوس”؛ الكتاب الذي وضع فيه عصارة تأملاته حول التربية، والتي نزعم أن لها راهنية، إذ يُمكن أن تُعيننا على الإجابة عن مجموعة من الأسئلة المُعاصرة. يقول أرسطو مثلاُ بأن غاية الفعل الإنساني هي تحقيق الخير الأسمى أو ما يُسميه بالخير المُشترك؛ ويعني الخير المُشترك هنا أننا في إطار مجال للتفاعل والتشاور والتعاون وللتضامن إذا صح لنا استخدام هذه المفاهيم. نُلاحظ إذن أن الفلاسفة مُقتنعون بأن مجال العمل، مجال الممارسة هو الإطار الذي ينبغي أن تبرز فيه قيمة الإنسان؛ بحيث يقول أرسطو بأنه إذا انتشرت قيمة الصداقة، وخاصة صداقة الفضيلة بين أفراد المُجتمع لن نكون في حاجة لا إلى القوانين ولا إلى المؤسسات؛ بمعنى أن الإنسان سينظم أفعاله وفق مبدأ الخير المتأصل فيه، والذي سيحث عليه التصرف بشكل يُسعد فيه الآخرين ويتضامن معهم. وإذا تقدمنا عبر التاريخ سنجد بأن الفلسفة الإسلامية قد أبدعت بدورها كُتب ومؤلفات اهتمت بسؤال الأخلاق وقد أشار إليها الدكتور أحمد بوعود إلى بعضها؛ خاصة كتاب أحمد ابن مسكويه “تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق“، وفي الفلسفة الحديثة، نجد بأن روسو قد كتب مؤلف مرجعي في علم التربية وهو “تربية إميل من المهد إلى الرشد“، وطرح كانط كذلك سؤال الأخلاق في كتابه “أسس ميتافيزيقا الأخلاق”.
ومن الجميل جدا أن الأستاذ أحمد بوعود قد عاد لها وأخذ منها ما يُسعفه في فهم مجموعة من الأسئلة التي وجهته في هذا البحث. نُلاحظ في النهاية بأن مجال الأخلاق؛ أي ما هو قيمي حاضر بقوة في تفكير الفيلسوف وفي سلوكه كذلك في تنظيره وفي ممارسته. طبعاً بالعودة إلى السؤال الذي طرحته وهو كيف يُمكن أن نخرج من الأزمة؟ ما هو الحل الذي يُمكن أن يساعدنا على الخروج من الشرنقة الذاتية التي تأسر الفرد والشرنقة الجماعية التي تأسر الجماعة كذلك؟ الجواب الذي يُقدمه الكتاب يجده مُحمد عزيز الحبابي في الإيمان وفي الوحي؛ الذي يعتبره ثورة لماذا؟ لأنه ينقل الإنسان من مرحلة إلى أخرى، وهذا الانتقال هو انتقال من مرحلة دُنيا إلى مرحلة سامية، وهنا يضرب لنا الحبابي المثال برسالة الرسول صلى الله عليه وسلم، الذي نقل الناس من مرحلة الجهل والظلم والاقتتال وعبادة الأوثان إلى مرحلة يسود فيها التضامن والحرية؛ أي أن هناك انتقال من العبودية إلى الحرية ، وهذا يعني أن الطاقة التي يُمكن أن تقود الإنسان إلى الرُقي موجودة في صندوق الإسلام الذي يتوفر كما أشار الدكتور أحمد بوعود على كنوز، لذلك ينبغي أن نُجيد فتحه حتى لا نضيع تلك الثروة الثمينة التي من شأنها أن تخلق التواشج والانسجام بين البشر، وهنا يُشير كذلك الكتاب إلى مسألة الإيمان. لكن لماذا التشديد على الإيمان؟ لأن الإيمان تعبير عن الطمأنينة؛ أي أن تأمن شر الآخر كذلك، أي أنني عندما أؤمن بالله وأنظر إليه كمصدر للخير المطلق وأعيش في إطار جماعة تؤمن بنفس العقيدة أدرك تلقائياً أن هُناك نوع من الانسجام بين المؤمنين، خاصة وأن محمد عزيز الحبابي عندما تحدث عن الإنسان لم يقل بأن الإنسانية تختلف في الكم كما قال أرسطو؛ أي لا وجود لإنسان أفضل من إنسان آخر، فالناس سواسية يختلفون في الكيف، والكيف الذي يختلفون فيه هو الإيمان؛ أي أن هناك تقابل بين المؤمنين وغير المؤمنين، والإيمان هو الطاقة الخلاقة التي يُمكن أن تجعل المؤمنون كذلك يُحسنون حتى لغير المؤمنين؛ أي أننا لا نتحدث عن نموذج تنظيري مُغلق ينظر بشكل وثوقي دوغمائي بالشكل الذي يقصي الآخرين؛ فمحمد عزيز الحبابي نظر إلى مسألة الأخلاق متوسلاً بمفاهيم تعود إلى الثقافة الإسلامية لكنه يخاطب الإنسانية، أي وجه كلامه للناس جميعاً، ولا أدل على ذلك أن كتبه تُرجمت إلى مجموعة من اللغات الأجنبية بما فيها اللغة الألمانية. هذه بعض النقط التي يُمكن أن تُسعفنا في الإجابة ولو جُزئياً على هذا السؤال، ولكن في النهاية يدعونا الحبابي للعودة إلى مسألة الإيمان والأخلاق؛ أي إلى صندوق الإسلام. وهنا يُمكن أن نطرح سؤالاً أساسياً هل المُجتمعات الغربية الآن مُنسجمة عملياً مع المبادئ التي روجت لها الحداثة؟ ألم يُفرخ التطور مُجتمعات قائمة على المصلحة وعلى الاستهلاك؟ وحتى إذا عُدنا إلى الكتب المؤلفة في الموضوع نجد بأن جان بودريار في كتابيه “مُجتمع الاستهلاك “نظام الأشياء” يقف على جزء هام من أزمات الإنسان المعاصر، لاحظ معي السي عبد الصمد أنه يتحدث عن مُجتمع الإستهلاك؛ أي عن مجتمع سمته الأساسية هي الاستهلاك، وكأننا أمام كوجيطو جديد ” أنا أستهلك أنا موجود” ؛ أي أن الإنسان يُحدد قيمته وماهيته بما يمتلك؛ كما أنه يتحدث عن نظام الأشياء وليس نظام الإنسان، حيث يقول بأن الإنسان المُعاصر أصبحت حياته تؤطر بالأشياء التي يمتلكها؛ أي أضحى يُموقع حياته بالنظر إلى الأشياء وليس بالنظر إلى الأشخاص والقيم، وهذه في الحقيقة من بين أبرز تجليات الأزمة التي يتخبط فيها المُجتمع المُعاصر؛ حيث دفعت أزمة العقلانية في الغرب مجموعة من الفلاسفة إلى اقتراح ضرورة العودة إلى الدين ؛ أي البحث عن حلول أخرى خارج ما هو عقلاني؛ أي حلول مُرتبطة بالفن وبما هو روحي، وظهرت في هذا الإطار مؤلفات عديدة تتحدث عن تحطيم العقل وتقويضه؛ بمعنى أن هذا العقل الذي كان يُراهن عليه لإنقاذ الإنسانية قد أدخلها في متاهات مدمرة وقاتلة.
د. عبد الصمد المساتي
شكراً جزيلاً. الوقت في الحقيقة ضيق، والكلام شيق، ومُمتع جداً في هذا الموضوع؛ موضوع: الأخلاق والإيمان، كيف أن الأخلاق هي التي من شأنها أن ترقى بالمُجتمعات وأن تُخرجها من حالة الشرنقة وغيرها من الأزمات التي ذكرتم. الدكتور أحمد بوعود في حديثكم عن هذه الأخلاق وعن هاته القيم وعن علاقتها بالإيمان بل عن مركزية هذا الإيمان في إخراج هذه الأخلاق إلى الوجود طرحتم سؤالاً مهماً جداً، وهو: “هل حقاً فشلت المذاهب المُعاصرة في الرُقي الأخلاقي بالإنسان؟ كيف يُمكن أن تكون هاته المذاهب المعاصرة كما كانت بعض المذاهب هي التي يُمكن أن تُفسر هاته الأخلاق؟ ونحن نعرف أن الكثير من المُجتمعات تُقوم الإسلام بأفعال المُسلمين وبأخلاقهم؛ ليست الأخلاق النظرية المبثوثة في هذا الدين وإنما ما يصدر عنهم من سلوكات، هذه العلاقة وهذه الثنائية بين الأخلاق النظرية والأخلاق العملية.
هل يُمكن أن تُسهم الأخلاق في الرقي بالإنسان؟ وكيف ساهمت النظريات والمذاهب المُعاصرة في الرُقي الأخلاقي للإنسان؟ هل لكم دكتور بوعود أن تتفضلوا بتلخيص جوابكم عن ذلك.
د. أحمد بوعود
تحدثت قبل قليل وتحدث كذلك الدكتور محمد الجلالي جزاه الله خيراً وأشرت إلى أن المذاهب المُعاصرة فشلت في الرقي بالإنسان أخلاقياً، حاولت هذه المذاهب أن تقتفي هذه الأزمات وتتجاوزها ولكن بقيت دائماً هُناك مجموعة من الثغرات. هناك أخلاق حاول الفلاسفة وحاولت المذاهب أن تُنزلها على أرض الواقع ولكن أية سلطة للمفكر أو الفيلسوف؟ المفكر أو الفيلسوف لا سُلطة له، لذلك تبقى هذه الأخلاق حبيسة المستوى العقلي والنظري. وبالتالي نحتاج إلى شيء آخر، وقد أشار الدكتور محمد الجلالي حفظه الله إلى تعبير الحبابي، وهذا تعبير يُمكن أن نُخرج منه أبحث كثيرة عندما قال “الوحي ثورة” ما معنى الوحي ثورة؟ معنى ذلك أن الوحي قام بتغيير الإنسان. على عكس الفلسفة أو المذاهب المعاصرة اللذان لم يحدثا ثورة في الإنسان، نقصد الثورة هنا بالمعنى الإيجابي، صحيح حاولت المذاهب المعاصرة حل بعض الجوانب. لكن عندما ننتقل مع الحبابي إلى الوحي يقول لنا “الوحي ثورة”؛ يعني الوحي يُغير لماذا يُغير هذا الوحي؟ يُغير لأنه يرتكز على نُقطة أساسية وهي الإيمان، وهُنا نجد أنفسنا قد اقتربنا من ربط الأخلاق بالإيمان، فبهذا الإيمان صار الوحي ثورة وصار الإنسان ليس فقط شخصاً معزولاً عن هذا العالم، بل أضحى -حسب تعبير مُحمد عزيز الحبابي- إنسانا معشرياً.
ويتمثل هذا الإيمان في شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله. ولهذه الشهادة -يقول الحبابي- بعدان: بعد إيماني بحكم أنها تربط الإنسان بالله من دون وسائط ثم من جانب آخر تربطي هذه الشهادة بالإنسان. وهُنا يُعطي الحبابي تفسيراً عجيباً وجميلاً لقوله تعالى ” لتكونوا شهداء على الناس”، فهذه الشهادة لها بُعدان بعد ذاتي؛ لأنها اعتراف بالخالق سبحانه وتعالى ثم بعد اجتماعي؛ لأنها تقعيد للعلاقات بين الناس، وهذا البعد الاجتماعي لا يُمكن أن ينفصل عن البعد الأول الذي هو البعد الذاتي، وبالتالي هُناك ترابط فلا يُمكن أن يصدر عني شيء مناقض للإيمان، وبالتالي ستكون أخلاقي إن صح التعبير إيمانية، هذا من جهة، ومن جهة أخرى عندما نبحث خاصة في زمننا هذا ومن القرن الحادي والعشرين وحتى قبله القرن العشرين، وقد أشار الدكتور الجلالي مشكوراً إلى أن الناس الآن بدأوا يبحثون عن شيء آخر؛ أي أنهم أحسوا بهذه الأخطار أو بهذه المشاكل والمخاطر الأخلاقية فبدأوا يبحثون عن النجاة وهنا أستحضر مقولة أعتقد لتايلور؛ الذي يقول “يكون القرن الحادي والعشرين قرنا روحياً أو لا يكون” أي قرنا دينياً أو لا يكون، وهُناك كذلك مجموعة من المفكرين والفلاسفة الذين يقولون بأننا نعيش زمن العودة إلى الدين لماذا؟ لأنه بعدما جُربت هذه المذاهب كلها وبعدما ظلت الأخلاق حبيسة الكتب والمؤلفات قالوا نحن في زمن العودة إلى الدين لماذا هذه العودة إلى الدين؟ طبعاً كل واحد سيبحث عن دينيه كما يتصوره.
ولكن هذه العودة إلى الدين بحثاً عن حل لهذه الأزمات. هنا نقطة لم نذكرها ربما عندما كنا نتحدث عن الأزمات، محمد عزيز الحبابي في خضم حديثه عن المذاهب المُعاصرة التي فشلت في الرقي بالإنسان أخلاقياً يتحدث عن مُشكلة حقوق الإنسان. طبعاً الذي يسمع هذه العبارة حقوق الإنسان ربما تغريه وتطربه ويقول نعم نحن في زمن حقوق الإنسان كذلك، ولكن محمد عزيز الحبابي يقول عن أي إنسان نتحدث هنا؟ وأية حقوق لأي إنسان؟ هل نتحدث عن الإنسان الثالثي؛ أي الذي يسكن في العالم الثالث أو في دول الجنوب إن صح التعبير، فهل يُمكن أن نتحدث عن هذا؟ ألا نرى بان الاستعمار قد نهب ثروات هذا الإنسان؟ فكيف نتحدث عن حقوقه؟ كيف أنه عندما تُثار حُقوق مُتعلقة بالإنسان الغربي تقوم الدُنيا وتُقعد وعندما يتعلق الأمر بحقوق الإنسان الثالثي كل الناس يسكتون، كيف يُمكن أن نُفسر اللاعدالة الموجودة في العالم؟ في ظل وجود دول تعيش فقراً مدقعاً ولا تجد ما تقتاته وتموت بسبب الجوع في حين نجد أن دولاً أخرى تقوم برمي ما يفيض عن حاجاتها من الخيرات والأرزاق والمأكولات وغير ذلك؟ هذا هو الإشكال.
وبالتالي يُبين عُمق هذه الأزمة رغم ما كل ما يروج من أفكار تضليلية تبقى الأزمة قائمة، هناك نقطة أخرى يقول نحن نتحدث اليوم، عن الدراسات المُستقبلية وهي مسألة جيدة بحكم أنها تضع الإحصائيات وتستشرف ما هو قادم. لكن هل حققت هذه الدراسات الاستشرافية أو المستقبلية شيئا لهذا الإنسان؟ يقول الحبابي بأن هذه الدراسات الاستشرافية لم تُحقق شيئا لهذا الإنسان. من هنا يقول بأن هذه الدراسات حققت ما هو مادي لبعض الناس نعم، ولكن تعامل الإنسان، العلاقات الإنسانية الرأفة الإنسانية، الرحمة الإنسانية بقيت مُغيبة وغير مذكورة. لهذا يقول بدل أن نتحدث عن الدراسات المُستقبلية ينبغي الحديث عن الغدية؛ التي تُعيد الاعتبار للإنسان ولا تبقى محصورة في الإحصاءات والأرقام. لذلك لابد لنا من الحديث عن الغدية، هذه الغدية أو “الفلسفة الغدوية” كما يُسميها محمد عزيز الحبابي تُعطي لنا بُعداً آخر للإنسان، يقوم هذا البعد على أساس التعاطف، والتعاطف هو كما يبين محمد عزيز الحبابي قيمة من القيم الأخلاقية ونربط هذا بكون الإسلام حسب الحبابي هو إسلام أو هو دين معشري. هنا كان الأشعريون يوزعون ما يجمعون من خيرات ويتقاسمونها فيما بينهم هذا هو ما يريده محمد عزيز الحبابي. أن هذا الإنسان الذي نُريد أن نتحدث عنه ونُريد أن نرتقي به لا يُمكن أن يُحقق غاياته إلا في سياق الإسلام المعشري؛ أي إسلام يربط العلاقات الإنسانية ببعضها البعض ويُعطيها معناها الإيجابي.
د. عبد الصمد الموساتي
الدكتور بوعود، هذه القضايا الكثيرة والمُتشعبة والمُتعددة التي يُمكن أن تُرجع للإنسان قيمته وترجع للإنسان مكانته ومركزيته ومحوريته -باعتباره الإنسان الذي كرمه الله عز وجل وخلقه وفضله واستخلفه في هذه الأرض ومتعه بالحقوق- كما تجعله يقوم بكل ما ذكرتم، وتجعل الحياة الإنسانية التي يشترك فيها الإنسان باعتباره كائناً اجتماعياً مع غيره، ضمن العلاقات المتداخلة التي يكون الإنسان فيها هو جوهر هذه الحركة في هذه الأرض، يُحيلنا إلى التساؤل التالي: كيف السبيل إلى ترسيخ هذه الأخلاق؟ إلى تجديد هذا الإيمان؟ إلى بعثه في القلوب إلى إحيائه من جديد قلوب الناس جميعاً؟ إلى ترسيخ هاته الأخلاق باعتبارها أخلاقا إنسانية جاء الإسلام ليُجددها أو ليتممها وليربط الإنسان بها، كيف يُمكن أن نرسخها في المجتمع ليصبح فاضلاً وأخلاقياً وإنسانياً كما أرده الله عز وجل في خلقه؟
د. محمد الجلالي
شكراً دكتور عبد الصمد، وقبل الإجابة عن السؤال، هناك نُقطة سأوضحها في عُجالة أشار إليها الأستاذ أحمد بوعود، وهي النقطة المتعلقة بحقوق الإنسان، طبعاً حقوق الإنسان من المفاهيم القابلة للتأويل بمرجعيات مُتعددة، وبالتالي انطلاقاً من أنها قابلة للتأويل تستخدمها المجتمعات الغربية أو استخدمتها في الماضي كأداة للهيمنة والسيطرة بمعنى أصبحت تُنتهك حرمة بعض المُجتمعات باسم حقوق الإنسان، ولا أدل على ذلك بعض العبارات التي اطلقت على الكيفية التي استعمرت بها الدول في العالم الثالث، فاحتلال المغرب مثلاً اطلق عليه اسم الحماية، والحماية مفهوم فيه تبخيس للمحمي بوصفه قاصر يحتاج لمن يرعاه، والحال أن هذا المفهوم يؤسس لنوع من التراتبية بين الغرب الراشد الذي يمتلك الحقيقة وله قيم مُفهرسة على مركزيته وبين المجتمعات الأخرى التي تحتاج للرعاية والحماية وتطلب الحماية. والحال أنها أُحتلت بالقوة. وفيما يخص السؤال الذي طرحته في الأخير، تحضرني حكمة بليغة الأهمية وهي التي سأختم بها هذه المداخلة.
قال الحكيم لحفيده اليوم سوف أخبرك عن حقيقة من حقائق الحياة.
فقال له الحفيد أسمعك يا جدي
فقال الحكيم في نفس كل شخص تدور معركة ضارية هي أشبه بمعركة بين ذئبين
أحد الذئاب: يُمثل الشر، الحسد، الغيرة، الأنانية، الكذب.
هز الحفيد رأسه وقال ” والآخر؟”.
فقال الجد “الآخر يُمثل: الخير، والسلام، والحب، والحقيقة، والإخلاص، والصدق…إلى غير ذلك من الخصال الإيجابية…”.
تأثر الطفل بهذه الكلمات وفهمها رغم صعوبتها، وبعد تأمل وتفكير سأل جده:
في النهاية أي ذئب ينتصر؟؟؟
ابتسم الجد وقال:” دائما ينتصر ذلك الذئب الذي أنت تطعمه وتغذيه”.
إذا غذيت الشر غلب الشر وإذا غذيت الخير غلب الخير فالذي تزرعه تحصده…
لذلك لكي نتجاوز هذه الأزمات نحتاج للتربية نحتاج إلى التربية الروحية، وإلى التغذية الروحية، نحتاج إلى جعل الأسرة مجال للتربية على القيم وعلى الأخلاق وليس مجال لتوفير الحاجيات المادية للأطفال، نحتاج إلى تحويل المدرسة إلى مجال للتربية على القيم الإنسانية البناءة؛ إذ ينبغي أن نُجند كل هاته المؤسسات التي تلعب دوراً محورياً في وسم هوية الطفل الذي سيصبح مواطناً وعندما سيصبح مواطناً سيتفاعل مع الآخرين على ضوء القيم التي تعلمها، لذلك أتبنى التصور الذي قال به كانط سابقاً عندما قال “ثمة اختراعان انسانيان يصح ان نعتبرهما أصعب الاختراعات هما فن حكم الناس وفن تربيتهم” وما قام به الأستاذ أحمد بوعود في الكتاب يدخل في إطار فن التربية، بمعنى أنه يعكس رسالة أخلاقية يدعونا إلى التفكير معه بشكل جماعي وأن نأخذ ما يُمكن أن يسعفنا في تجويد علاقتنا بالآخرين على مستوى القول وعلى مستوى الفعل.
د. عبد الصمد المساتي
شكراً جزيلاً للأستاذ محمد الجلالي على هذه الإضاءة وعلى هذه الكلمة الختامية الراقية. التربية فعلاً هي المدخل وهي الأساس، ومنها ننتقل إلى الأستاذ الدكتور أحمد بوعود في كلمة ختامية جامعة لمفهوم هذه الأخلاق كيف نربطها بالإيمان وكيف يتجلى عملياً في سلوك الإنسان في الواقع المعاصر؟ كيف تنشأ مُجتمعات مُتخلقة؟ مُجتمعات إنسانية تسودها الأخلاق والإيمان؟ وتؤمن بمركزية الإنسان؟ وبقدرة الإنسان؟ وبالقيمة التي ينبغي أن ينعم بها الإنسان بالرغم من كل الأشياء والظروف التي أشار إليها الدكتور محمد الجلالي سابقا.
د. أحمد بوعود
شكرا للدكتور عبد الصمد شكرا كذلك للدكتور محمد الجلالي على هذه الإضافات النيرة وعلى قراءته لهذا الكتاب قراءة مُتفحصة دقيقة أشكره جزيل الشكر. ما السبيل؟
يبدأ محمد عزيز الحبابي من مسألة النية التي يعتبرها السر الأساسي في صلاح أو فساد الأخلاق، وهذا شيء عجيب جداً، كيفي ربط الحبابي أفعال الإنسان كلها بنقطة قد نغفل عنها كثيراً وهي نقطة النية لماذ؟ لأن النية لا تكون نابعة إلا من الإيمان، وعندما تكون نابعة عن الإيمان فأفعالنا كذلك ستكون طبقاً لهذه النية، أخلاقنا هي أفعالنا تكون أيضاً طبقاً لهذه النية. وهنا أمامي نص لمحمد عزيز الحبابي وبه سأختم، نص من كتابه الشخصانية الإسلامية، إضافة إلى النية يقول هناك الشهادة التاريخية، يقول بأن الإسلام يتميز بالشهادة التاريخية، ما هي هذه الشهادة التاريخية يا محمد عزيز الحبابي؟ يقول كان العرب قبل بعثة محمد صلى الله عليه وسلم يتخبطون في الانحطاط الروحي والمجتمعي كيف؟ يقول وهذا على لسان أحد المسلمين الذين عاشوا فترة الجاهلية ” كنا نعبد الأصنام ونأكل الميتة ونأتي الفواحش ونقطع الأرحام ونُسيء الجوار ويأكل القوي منا الضعيف” ثم بعد هذا المقطع من الحديث وجد النبي صلى الله عليه وسلم مُجتمعاً راضياً عن العدو الذي يحيا في نفسه، لا أخلاق ولا وعي ولا ضمير ولا قيم إلا العصبية القبلية وتمجيد القوة والعنتريات، فصاح الإسلام لا فرق بعد اليوم لا تمييز بين الناس إلا بفضائلهم الشخصية من إخلاص في نياتهم ولين في استقامة معاملاتهم فالناس كلهم من آدم وآدم من تراب”. هذا النص الذي يعتبره محمد عزيز الحبابي شهادة تاريخية وهناك الكثير من الشواهد التي أتيب بها في هذا الكتاب هي السبيل لكي نحذو حذو جيل النبي صلى الله عليه وسلم ونرتقي بهذه الأخلاق من الحضيض إلى الأعلى. أبو ذر رضي الله عنه سأل أخاه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال له بماذا يأمركم قال رأيته يأمر بمكارم الأخلاق، فاتباع نهج النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي يجعلنا نقتفي أثره ونعود إلى هذا الحديث الذي جعلته في البداية “إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق” فأخ أبي ذر يقول وجدته “يأمر بمكارم الأخلاق” إذن الإسلام كله يأمرنا بمكارم الأخلاق، فاتباع طريق النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي يُخلصنا من هذه الشرنقة ويُخرجنا من هذه الأنانية ومن هذا الكذب ومن هذه المزاحمة وغير ذلك من المآزق الأخلاقية.
د. عبد الصمد المساتي
شكراً جزيلاً فضيلة الدكتور أحمد بوعود، وشكراً للدكتور محمد الجلالي. وقبل ختم هذا الحوار وهذه القضية، نتحدث بهذا الحديث، حديث جعفر رضي الله عنه الذي قاله للنجاشي، والذي يمكن اعتباره قاعدة تؤسس لهذه الغاية التي جاء بها الإسلام “إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق”، يقول في البداية: “أيها الملك كنا قوم جاهلية نعبد الأصنام، ونأكل الميتة ونأتي الفواحش ونقطع الأرحام ونُسيئ الجوار يأكل منا القوي الضعيف كنا على ذلك حتى بعث الله عز وجل فينا نبيا نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه فدعانا نوحد الله لا نُشرك به شيئاً ونخلع ما كنا نعبد نحن وآبائنا وأمرنا بصدق الحديث وأداء الأمانة وصلة الرحم وحسن الجوار والكف عن المحارم والدماء ونهانا عن الفواحش وقول الزور وأكل مال اليتيم وقذف المحصنة. أنها قواعد أخلاقية جامعة، حيث تتجسد عبادة الله عز وجل في هذه الأخلاق الجماعية التي ينبغي أن يتحلى بها الإنسان وأن يتخلق بها وأن يتجمل بها فإن هو كان أو اتصف بذلك يكون مجتمعاً صالحاً بإذنه تعالى.
ختاما: لا نملك إلا التأكيد على أنه بهذه الأخلاق والقيم، نسمو ويرتقي المُجتمع إن شاء الله تعالى. ونلتقي معكم لنرتقي إن شاء الله تعالى في مناسبات وحوارات وحلقات جديدة من هذا البرنامج ومن غيره إن شاء الله تعالى. أيها المتابعون الأفاضل والفضليات نشكركم على حسن تتبعكم وعلى متابعاتكم لنا في هذا البرنامج، شكراً جزيلاً لكم، ونضرب لكم موعداً جديداً مع كتاب جديد وقضية جديدة في برنامج “كتاب وقضية”، إلى ذلكم الحين نستودكم الله الذي لا تضيع ودائعه، والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
[1] – تم بث هذا الحوار على موقع منار الإسلام الثقافي يوم 13 أبريل في إطار برنامج “كتاب وقضية”، ونُشر فيديو الحوار في الصفحة الرسمية للموقع في نفس اليوم.