منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

زائرة من عالم غريب (مسرحية)

زائرة من عالم غريب (مسرحية)/ محمد فاضيلي

0

زائرة من عالم غريب (مسرحية)

بقلم: محمد فاضيلي

في غرفة بسيطة بسطح المنزل، ترقد الأم وحيدة بعدما مر معظم الليل، وقد أخذ منها المرض والحزن كل مأخذ، ثم تسمع نقرا على الباب…

الغريبة: أنا عابرة سبيل، زائرة من بلاد بعيدة، هل تسمحين لي بالدخول؟

الأم: أهلا وسهلا بك يا ابنتي، لكنني مقعدة، ولا أستطيع فتح الباب.

الغريبة: لا بأس، فأنا أستطيع فتحه بنفسي.

الأم: مرحبا بك، لكنني لا أملك شيئا، ولا أستطيع أن أقوم معك بواجب الضيافة، يمكنك أن تتصلي بابني وزوجته في الأسفل.

الغريبة: لا عليك أمي، فأنا لا أحتاج شيئا.

الأم: أمي، الله، ما أجمل هذه الكلمة، لم أسمعها منذ سنين.

تدخل الغريبة، وتجلس على أريكة هرئة، قرب سرير قديم ترقد عليه الأم، وتقول:

معذرة يا أمي أن جئتك في هذه الساعة من الليل، ومن غير ميعاد.

الأم: أأنا في صحو، أم إني أحلم؟

الغريبة: بل أنت يقظة، وفي كامل قواك العقلية.

الأم: يالك من حسناء، لم ترها عيني من قبل.

الغريبة: شكرا لك يا أمي.

الأم: من أنت ، وما اسمك، وما سبب الزيارة؟

الغريبة: اسمي ملاك، وقد سمعت نجواك، وأشفقت عليك.

الأم: نجواي؟ متى؟

الغريبة: في أول الليل، وأنت تتألمين وتتوجعين.

الأم: يئست من الحياة، ورغبت في الخلاص.

الغريبة: لا تيأسي، فالله معك.

الأم(وهي تتنهد): ونعم بالله

الغريبة: إني أعلم عنك كل شي، وأستطيع مساعدتك بأي شيء.

الأم(وهي تبكي): جرحي كبير، وقد شبعت من الحياة، وأفضل الرحيل.

الغريبة:” بل توثرون الحياة الدنيا.

الأم: ما فرحت بالدنيا ولا ذقت لها طعما. كل أيامي مرارة وألم ومعاناة، وصبر وعطاء.

الغريبة: أعرف ذلك.

الأم: تعرفين، كيف ذلك؟ ومن أنت؟

الغريبة: قلت لك اسمي ملاك، وأنا قادمة من بلاد بعيدة، بلدة ليس فيها كراهية أو حقد أو ظلم، أو تنكر من الأبناء، أو عقوق.

الأم: (وهي تبكي): عقوق؟ سامحهم الله.

الغريبة: الله عادل في حكمه، وقد أوصى الأبناء بأبائهم، وقال الرسول صلى الله عليه وسلم:” الجنة تحت أقدام الأمهات”

الأم: ليتك كنت ابنتي، أو زوجة ابني على الأقل.

الغريبة: إني أعرف ابنك، وأعرف مدى حبك له، وتعلقك به.

الأم: النساء، سامحهن الله.

الغريبة: ما أطيبك يا أمي، وما أرق قلبك، ليتني حققت أمنيتك.

الأم: إنه ابني الوحيد، وهو كل ما أملك من الدنيا.

الغريبة: بل ما كنت تملكين، قبل أن يتزوج.

الأم: أجل، لقد رفض خاله تزويجه ابنته، لفقرنا الشديد، لكني أقسمت عليه برأس أمنا، وذكرته بوصيتها قبل وفاتها، وألححت عليه ، وقبلت يديه وقدميه، حتى قبل تزويجهما.

الغريبة: إني أعلم بذلك، وإن قومنا يعلمون أيضا.

الأم(مستغربة): تعلمون، من قومك يا ابنتي؟

الغريبة: قد كان جداك يعيشان معنا في هناء وسعادة، قبل أن يحرمهما جهلهما من النعمة.

الأم: بالله عليكـ، يا ابنتي، أخبريني من قومك ومن أنت.

الغريبة: أما قلت لك إني ملاك وقد جئت من بلاد بعيدة.

الأم: بالله عليك، زيديني أكثر.

الغريبة: قد جئت آخذك إلى بلدك الأصلي حيث أهلك، وأريحك من ألمك وحزنك، وإلى الأبد.

الأم: لكن كيف، وابني الذي ليس له سواي.

الغريبة: ما زلت تشفقين على ابنك، إنه ليس من أهلك.

إن له زوجة يحبها بجنون.

الأم: أنا أسامحه، وأتمنى أن يعقل، ويعود لرشده.

الغريبة: قد اشتقت إليه.

الأم: إنه ولدي، كبدي، وأنا أنتظر طرقاته على أحر من الجمر.

الغريبة: ما أعظمك يا أمي، ويا سيدتي.

الأم: إني أم، ولا أستطيع أن أكون سوى أما.

الغريبة: قد آن لنا أن نرحل، فلتستعدي لذلك.

الأم: لكن جسدي لم يعد قادرا على الحركة أو الرحيل.

الغريبة: لا تخشي شيئا، ستعودين كما كنت، شابة، قوية، نضرة، حسناء، فانظري إلى وجهك في المرآة.

الأم:( وهي تنظر إلى المرآة): اللهّ..

الغريبة:( وهي تمسكها من يديها، وتضعها على ظهرها) استعدي واطمئني، واسعدي بأسعد يوم في حياتك، إني سآخذك إلى موطنك الأصلي، حيث النعيم المقيم والسعادة الأبدية.

الأم: يا الله…أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله.

الغريبة تحمل الأم على ظهرها وتطير بها سريعا نحو الفضاء الأرحب..

يستيقظ الابن مذعورا على إثر حلم مزعج، يداه ترتجفان من الفزع، فيردد: أستغفر الله العظيم من كل ذنب عظيم..

ثم يتفكر: أمي، لم أرها منذ شهور، لعلها فزعة، لعلها جائعة، لعلها ترتجف من البرد…

ثم يسرع نحو السطح، ويفتح الباب، فيراها ممددة على السرير، جثة هامدة، فيصرخ بأعلى صوته، وهو يخبط على فخذيه:

أمي، أمي، أماه، أماه…

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.