الموالد بين صدق المحبة وسلامة الاتباع
الموالد بين صدق المحبة وسلامة الاتباع/الدكتور عبد الحليم زوبير
الموالد بين صدق المحبة وسلامة الاتباع
بقلم: الدكتور عبد الحليم زوبير
يعيش العالم الإسلامي بمناسبة ذكرى المولد النبوي الشريف جدلا متجددا، بين أبناء الأمة الصادقين، فريق منهم يهتبل بميلاد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويستذكر أيامه وشمائله وخصائصه، يسعون لنشر ذكره بين الناس، وزرع محبته في نفوس الأجيال الصاعدة، ويستعرضون أنواعا من المديح شعرا ونثرا في جناب المصطفى صلى الله عليه وسلم، في الوقت الذي ينشغل فريق آخر بتتبع ثغرات الموالد المخالفة لهدي المصطفى صلى الله عليه وسلم، وإذا أردنا الإنصاف فإن هذه الموالد بحق تمثل مصابيح النور، في زمن تعج فيه الساحات والمراكز الثقافية ودور السينيما ووسائل الإعلام بكل أشكالها بالتفاهات والأهواء المردية، والأمة في حاجة إلى كل ما يذكرها بالجناب الشريف، بالقدر الذي تحتاج فيه إلى محتسب يعرض سلوكها على أصول الكتاب والسنة، حتى لا تنزلق المقاصد السنية نحو الأهواء النفسية الهابطة.
إن هذا الخلاف الطاحن غالبا، يدور في دائرة الخلاف المقبول، والمقاصد الحسنة، وإنما يسوء بسوء التدبير وفظاظة الأسلوب، ذلك أن الخلاف الحقيقي المشروع يكمن في تعارض حقين ليس أحدهما بأولى من الآخر: الأول: هو حق المحبة الواجبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم؛ والثاني: حق الاتباع والمحافظة على الهدي النبوي في السلوك، فالأمر دين وليس هوى متبع. فأما الأول فهو حق يمارس بالقلب وليس له شكل محدد، بل يتنافس الناس في إبراز المحبة وإطراء الشمائل المحمدية، ولم يلتزم الصحابة في التعبير عن محبتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم أسلوبا معينا، بل كانوا يتعاملون بتلقائية المحبين الخلص، فهذا أبو بكر يضع ماله ونفسه فدى لرسول الله، وقصته معه في الغار وفي الطريق إلى المدينة تنبأ عن فنون مبتكرة من المحبة التي لا تلتزم شكلا واحدا، فحين آذنه رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصحبة في طريق الهجرة لم يتمالك نفسه من البكاء فرحا، حتى قالت: كريمته: ما رأيت أحدا يبكي من الفرح كما كان أبو بكر، هذا مع العلم أن صحبته صلى الله عليه وسلم في تلك الفترة محفوفة بالمخاطر وهو طريد قريش؛ وفي الغار يستأذن رسول الله في استكشاف الغار أولا، فينظف المكان ويسد الثقوب.. وحين لذع كبت دموعه وألمه لكي لا يفسد راحة حبيبه صلى الله عليه وسلم، والحاصل أن أبا بكر لم يكن تابعا لرسول الله وحسب، يأتمر بأمره كما يفعل الجندي المنضبط الخاضع أمام رئيسه، بل كانت شحنة الحب المنبعثة من أعماقه توحي إليه ألوانا مختلفة من التضحية والفداء. وحين وصل النبي صلى الله عليه وسلم المدينة واستقبلته الولائد بالدفوف والأناشيد المعبرة عن هذا الحب، سألهن: أتحبنني؟ فأجبن: أن نعم.. فقال صلى الله عليه وسلم: وأنا والله أحبكن.
ونختصر العشرات وأكثر من صور المحبة في عهد الصحابة والتابعين، التي تختلف صورها، وإن كان المحرك هو صدق المحبة، ونذكر بالأحوال العجيبة التي ضمنها المحدث الحافظ، والفقيه المحقق أبو العباس القاضي عياض في كتابه: “الشفاء بتعريف حقوق المصطفى” ومن أغرب تلك الصور ما نسبه للإمام مالك رئيس مدرسة الحديث والأثر في زمانه، الذي لم يمنعه نبذه للرأي، والتزامه بالاتباع السليم للسنة النبوية، من التعبير عن تعلقه الشخصي بالشخص الكريم، ولم يكن تعلقه بالحديث وتعظيمه للأثر إلا نتيجة لهذا الحب المحمدي الفائض، ومما حكاه القاضي رحمه الله: أن مالكا رضي الله عنه كان لا يركب الدابة في حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويعظم حديث رسول الله تعظيما بليغا، حتى أنه وقع أن لذع وهو في مجلس الحديث فجعل لونه يتغير، ولم يشأ أن يقطع حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وروى مثل ذلك عن كبار المحدثين، الذي كانوا لا يتعاملون مع السنة على أنها نصوص يتراشقون بها مع الخصوم، بل كانت السنة عندهم بمثابة الخيط الرابط بحضرة مولانا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكانوا يستحضرون شخصه عند ذكر أحاديثه، حتى خلف الخلْف الذي طلب مراتب الدنيا، وشرف الذكر برواية الحديث، فتنافس الناس في الأسانيد العلية، ونبز بعضهم بعضا، وأصبحت صورة المحدث مرتبطة في بعض الأذهان بمناكفة الفقهاء والصوفية، وبالطعن في الخصوم من رواة الحديث بأساليب تتجاوز حدود الفن، وحلت حظوظ النفس محل التعلق بصاحب السنة الذي يحمل حبه على تعظيم آثاره.
فهذه الموالد في جوهرها وبغض الطرف عن بدعها وأهواء بعض القائمين على بعضها، هي امتداد لحالة الحب التي يكنها العلماء وعموم الأمة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وما أحوج الأمة وهي تتعرض في عواطفها ووجدانها إلى قصف مستمر بأنواع من الصور الفاحشة، والخطاب النابي الملحد في حق الذات الإلهية، وفي جناب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما أحوج فطرتها ودواخلها الجريحة لهذا الترياق الذي لا يعالج بنصوص وخطاب مهما نمقت كلماته وأحسنت فدلكته، فالمشكل القائم عندنا اليوم مشكل القيم والرصيد المعنوي، إن التفاهة التي تغرق فيها البشرية اليوم، والاستعباد الذي تمارسه شركات الأزياء على المستهلكين، كل ذلك يمر عبر إعلانات عاطفية خادعة، وليس الأمر حجاجا فكريا يقارع فيه الدليل بالدليل، بل هي إيحاءات خفية تمرر للجمهور عبر قصص مصورة خاطفة.
لكن ومع أهمية الموالد في مجملها فإنها تتضمن بعض المشاهد المخلة بالدين، فبعض ضعاف النفوس يعجبهم أن يتحول الدين إلى فلكلور وطقوس عابرة لا تؤثر في حياة الناس، بل تسري عنهم بعض الهموم، وتخفف عنهم ضغوط الحياة، ليعودوا إلى معايشهم وبذخهم وإسرافهم أكثر ما يكونون قوة وشرها. لذا تجد من ينصب مواسم الميلاد ويحشر كل رقيق ورقيقة دين في فضاءات ضيقة، وفي أجواء من التهتك والاستخفاف بما تركنا عليه رسول الله وعهد لنا فيه، بعضهم من منطلق الشهوة الجامحة، حيث يرى في الموالد فرصة لتلبية غرائزه والاستمتاع الحرام بأصوات النساء وأجسادهن، دون إقامة وزن لحرم رسول الله الذي يمثله المولد، وبعضهم من منظور فكري يسعى لتمييع الدين وتحويل أنظار الناس عن قوارع الأمر والنهي؛ إنه مدخل خبيث أن يتوسل من لا هم له في الدين بالمواسم المولدية لقصف الدين أصولا وفروعا، ويسيح في سبحات نفسية منفلتة يعرض على أحباب محمد صلى الله عليه وسلم الإيمان الكنسي، الذي يلهج أصحابه بذكر عيسى عليه السلام، وهم في سكرة كبائر الإثم والفواحش يعمهون. لقد كان علماؤنا يلقبون الشيخ زروق بمحتسب الصوفية، وذلك لأن ما عنده من فضل العلم يمنعه من أن يتساهل في الضوابط الشرعية أثناء الهياج العاطفي، وهو هياج طبيعي تستدعيه الطلعة البهية لصاحب الذكرى، لكن في الهياج بعض المزالق لابد لها من ضابط، لتبقى روح الموالد حقا تحمل نفح الحب المحمدي دون أن تنسى أن الحب الصحيح يؤدي إلى الاتباع السليم.
ويبقى السؤال الآن: ما الذي يمنع أبناء الملة للتركيز على الدائرة الجامعة الصحيحة في الموالد، وهي دائرة التذكير بشمائل المصطفى، والتغني بخصائصه، مع التذكير بأن الاحتفال الأكبر لكل محب أن يكون بعمله وقوله وعواطفه وقافا عند حدود الله ورسوله. والاتفاق على أن المخالفات الشرعية لا تمثل جوهر الموالد، بل يقوم بإنكارها دعاة الموالد والقائمون على تنظيمها؛ فليس الحب والاتباع أمران متناقضان بل هما وجهان لعملة واحدة، ويبقى المجال مفتوحا للخلاف أحيانا بين الأولى من الأدب والحبة من جهة، والاتباع والطاعة من جهة أخرى، وهو أمر قديم، نذكر بالمناسبة ما ورد في البخاري حين تأخر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الصلاة، فتقدم أبو بكر يؤم الناس، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى وقف في الصف الأول، وأشار إلى أبي بكر ليتم الصلاة إماما، لكنه رفض واستأخر، فكان الاتباع يقتضي الامتثال لإشارة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان الأدب والمحبة يقضيان بما فعل أبو بكر. ومثل هذه المشاهد كثيرة، وهي أصل الخلاف، لكنها كما ترى الأمر فيها واسع، والخير من كلا البابين وافر، نسأل الله أن يرزقنا صدق المحبة ولبابها، وأن يقرن محبتنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم باتباع سنته واقتفاء آثاره.
آمين والحمد لله رب العلمين