منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

تجليات قواعد المناظرة وآدابها في مناظرات السلف؛ “مناظرة أبي حنيفة والأوزاعي نموذجا”

 عبد العالي الدغوغي

0

تجليات قواعد المناظرة وآدابها في مناظرات السلف

مناظرة أبي حنيفة والأوزاعي نموذجا

 عبد العالي الدغوغي

باحث بسلك الدكتوراه، جامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء

 

مقدمة

عُرِفتْ المناظرة أو المجادلة في الفلسفة اليونانية باسم: «طوبيقا»، وهي إحدى الصناعات الخمس المهمة التي ينقسم إليها القياس المنطقي، ويتوقف فهم هذه الصناعة على مقدمات ومبادئ أساسية لا غنى عنها لمن يروم الدفاع عما يراه جديرا بالدفاع عنه لشتى الأغراض، سواء أكان ذلك في مجال العقيدة أو مجالات أخرى.

وقد اهتم علماء المسلمين بالمناظرة اهتماما كبيرا منذ أن نشب الخلاف الفكري بين العلماء ورجال الفكر في هذه الأمة، وانتهت عنايتهم بوضع قواعد لتنظيم المناظرة حتى تكون في دائرة الفكر المستقيم.

و الهدف من المناظرة هو الوصول إلى الحق عن اقتناع عقلي، وارتياح نفسي، واطمئنان وجداني، يجعل صاحبه يعيش حياته وهو ثابت على ما آمن به ثباتا لا ينازعه ريب ولا يخالطه شك و لا يحوم حوله وهم.

و من خلال هذا البحث المختصر، حاولت توضيح بعض المعالم الأساسية لهذا العلم، وقواعده وآدابه،  وقد حاولت تقسيم البحث إلى مقدمة ومبحثين رئيسيين ثم خاتمة.

تحدثت في المبحث الأول عن تعريف المناظرة و الفرق بينها وبين الحوار العادي، وكذا دليل مشروعيتها، بالإضافة إلى الآداب التي ينبغي مراعاتها أثناء المناظرة والمراحل التي تمر بها، ثم النتيجة التي تؤول إليها.

أما في المبحث الثاني فاقتصرت على تحليل مناظرة بين الإمامين أبي حنيفة و الأوزاعي، وبيان الأفكار التي تحملها، والأساليب التي اتبعها كل من المتناظرين لإقناع صاحبه. ومدى تجليات آداب المناظرة وقواعدها في مناظرة ابي حنيفة و الأوزاعي.

و أسأل الله أن يلهمني السداد في الفكر و القول والعمل، وهو حسبي، و نعم الوكيل.

المبحث الأول: المناظرة: مفهومها، قواعدها و آدابها

أولا : تعريف المناظرة لغة و اصطلاحا

المناظرة لغة: المقابلة بين اثنين كل منهما ينظر إلى الآخر.  ومنه: أن تناظر أخاك في أمر إذا نظرتما فيه معا كيف تأتيانه[1].

ويقال التناظر التراوض في الأمر وقول الزهري لا تناظر بكتاب الله لا بكلام الرسول صلى الله عليه و سلم، أي لا تجعل نظيرا لهما و العرب تقول داري تنظر إلى دار فلان تقابلها.

فالمناظرة مأخوذة من النّظير أو من النّظر بالبصيرة و نظر في الشيء أي ابصره.

وأما في الاصطلاح؛  فلها عدة تعريفات تدور حول المعنى التالي: “علم باحث عن أحوال المتخاصمين ليكون ترتيب البحث بينهما على وجه الصواب حتى يظهر الحق بينهما”.

وعرّفها طاش كبرى زاده “هي النظر بالبصيرة من الجانبين في النسبة بين الشيئين إظهارا للحق”[2].

وقال الجرجاني في تعريفها “هي النظر بالبصيرة من الجانبين في النسبة بين الشيئين إظهارا للصواب”[3].

وقيل هي : تردد الكلام بين شخصين يقصد كل منهما تصحيح قوله وإبطال قول صاحبه مع رغبة كل منهما في ظهور الحق.

وقال الدكتور طه عبد الرحمان: المناظرة هي “النظر من الجانبين في مسألة من المسائل قصد إظهار الصواب فيها” فالمناظر هو من كان عارضا أو معترضا وكان لعرضه أو اعتراضه أثر هادف و مشروع في اعتقادات من يحاوره سعيا وراء الإقناع و الاقتناع برأي سواء ظهر صوابه على يد هذا أو على يد محاوره[4].

ولفظ المناظرة لم يرد في القرآن الكريم، و أول تأليف وصل إلى الباحثين في موضوعها كان في القرن السابع على يد العالم محمد بن محمد العميدي (ت615هـ).

ثانيا: الفرق بين الحوار و بين المناظرة

الحوار في اللغة له معان تدور في مجملها حول معنى: “الرجوع و المراجعة والرد”،  فقد جاء في لسان العرب: الحوْر هو الرجوع عن الشيء إلى الشيء وحار إلى الشيء وعنه حورا و محاورة و حؤورا رجع عنه وإليه”[5].

ومنه قوله تعالى: (إنه ظن أن لن يحور)[6].

والحور أيضا: هو النقصان بعد الزيادة، لأنه رجوع من حال إلى حال.

وفي الحديث قوله صلى الله عليه و سلم: (اللهم إني أعوذ بك من الحوْر و الكوْر).[7] ومعناه نعوذ بالله من النقصان بعد الزيادة.

وأيضا أحار عليه جوابه: رده،  والمحاورة: المجاوبة، و التحاور: التجاوب، والمحاورة: مراجعة الكلام[8]،  ومنه قوله تعالى: (فقال لصاحبه وهو يحاوره)[9].

أما تعريف الحوار في الاصطلاح فقد تعددت تعريفات الباحثين له، ويمكن إجمالها فيما يلي:

“الحوار نوع من الحديث بين شخصين أو فريقين يتم فيه تداول الكلام بينهما بطريقة متكافئة ، فلا يستأثر أحدهما دون الآخر ، ويغلب عليه الهدوء ، والبعد عن الخصومة والتعصب والاحتكام إلى قوة الدليل ، وحجة البرهان.”

وبناء على تعريف الحوار، يمكن القول بأن: المناظرة هي نوع من أنواع الحوار وبينها توافق، إلا أن المناظرة تعتمد الدقة العلمية، و الشروط المنطقية أكثر من اعتماد الحوار على ذلك وتقوم على وجود التضاد بين المتناظرين للاستدلال على إثبات أمر يتخاصمان فيه نفيا و إيجابا بغية الوصول إلى الصواب، أما الحوار فإنه لا يقوم على وجود التضاد بين الطرفين المتحاورين، أو وجود الخصومة بينها.

ثالثا: دليل مشروعية المناظرة

لقد شرع القرآن الكريم المناظرة وجعل لها حدود وضوابط وأكد على ضرورتها وأهميتها، وذلك في كثير من آيات الذكر الحكيم، وهذا ما يصور لقارىء القرآن الكريم احتلال المناظرة جانبا حيويا في حياة سائر الاديان، إذ ما من رسول أو نبي إلاّ وقد ناظر قومَهُ وحاجَجهم وجادلهم في إثبات صحة ما يدعوهم إليه.

ومما يزيد الامر وضوحا هو أن الله تعالى قد أمر رسوله الكريم ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ بمجادلة المشركين ودعوتهم إلى الحق، بالحكمة والموعظة الحسنة، فقال تعالى: (ادع إلى سبيلِ ربكَ بالحكمةِ والموعظة الحَسَنَةِ وجادلهُم بالتي هي أحَسنُ إنَّ ربَكَ هوَ أعلمُ بمن ضلَّ عن سبيلهِ وهو أعلمُ بالمهتدين)[10].

قال ابن كثير في تفسيرها: ((وقوله: { وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ } أي: من احتاج منهم إلى مناظرة وجدال فليكن بالوجه الحسن برفق ولين وحسن خطاب..)).[11]

كما أمر تعالى بمجادلة أهل الكتاب عن طريق الحكمة والموعظة لما في ذلك من إلانة قلوبهم وانصياعهم إلى الحق، فقال تعالى: (ولا تجادلوا أهلَ الكتابِ إلا بالتي هي احسن إلا الذين ظلموا منهم وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون)[12].

لان الغلظة في المناظرة والجدل لا تزيد الطرف الاخر إلا نفورا، وعنادا، وتعصُبا، وتَمسكا بالباطل كما أوضحه تعالى في قوله الكريم: (ولو كنت فظّا غليظ القلب لا نفضوا من حولك)[13] .

وهذا ما يكشف عن أسلوب المناظرة النبوية، فهو الاسلوب الامثل الذي يجب مراعاته بين المتناظرين.

ومن الادلة والشواهد القرآنية التي تبين مشروعية المناظرة في الاسلام، قوله تعالى: (وضربَ لنا مثلاً ونسيَ خلقَهُ قالَ من يحيي العظامَ وهيَ رميمٌ، قل يحييها الذي أنشأهَا أوَّلَ مرةٍ وهو بكلِّ خلقٍ عليمٌ، الذي جعلَ لكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الاخضرِ نارا فإذا أنتم منه توقدونَ، أوليس الذي خلقَ السمواتِ والارضَ بقادرٍ على أنْ يَخْلُقَ مِثَلهُمْ بلى وهَو الخلاّقُ العليمُ، إنّما أمرُهُ إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون، فسبحانَ الّذي بيدهِ ملكوتُ كُل شيٍ وإليه ترجَعُون)[14].

وهنا يلاحظ ما في جواب من أنكر الإحياء بعد الاماتة، وما فيه من أدلة عظيمة، وأسلوب رائع يأخذ بمجامع القلوب ويسوقها طوعا إلى الاذعان والتصديق، ومنه ينكشف مدى تأثير الدليل وطريقة عرضه، إذ بهما يخلق من الطرف الاخر إنسانا سَلِس الانقياد.

ولم يقتصر هذا الامر على مناظرات نبينا ـ صلّى الله عليه وآله ـ مع مشركي مكة ومجادلتهم بالتي هي أحسن، وإنما كان ذلك الاسلوب من المناظرة والجدل متبعا من قبل الانبياء ـ عليهم السلام ـ مع مشركي أقوامهم كما في قصة إبراهيم ـ عليه السلام ـ مع نمرود كما في قوله تعالى: (ألم تر إلى الذي حاجَّ إبراهيم في ربه أن آتاهُ الله المُلك إذ قال إبراهيمُ ربّي الذي يُحي ويُميتُ قال أنا أُحيي وأُميتُ قالَ إبراهيم فإنَّ الله يأتي بالشمس من المشرق فاَتِ بها من المغرب فبُهِتَ الذي كفرَ واللهُ لا يهدي القوم الظالمين)[15].

ومن هنا يتبين أن المناظرة لو لم تكن مشروعة لما أمر الله تعالى بها أنبياءه ـ عليهم السلام ـ، في حين أن القرآن الكريم يزخر بمحاججات الانبياء لاقوامهم لا سيما نبينا ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ، وهو القدوة الحسنة والمثل الاعلى الذي لا ينتهي حديث عظمته، ولا تزيده الدهور إلا سناءاً وعلواً. فقد روي أن البني عليه الصلاة والسلام قال: (جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم)[16].

رابعا: أركان المناظرة

إن المناظرة هي حوار بين متناظرين هدفهما بلوغ الحق و إجلاء الصواب. ولكي تتحقق المناظرة لابد من الأركان التالية: الموضوع ثم المتناظرة. ويجب أن تتوفر فيها شروط.

أولا: الموضوع، إذ ليس كل موضوع قابل للمناظرة، بل هناك مواضيع ليست مجالا للمناظرة منها: المفردات وهي كل ما انتسب إلى عالم التصورات و تشمل الاسم و الفعل و الحرف.

الجمل الإنشائية: وهي الكلام الذي لا يحمل الصدق و الكذب لذاته، وتشمل الأمر و النهي و الاستفهام و التمني و النداء.

ويجري التناظر في مجموعة من العلوم و القضايا، ومن ذلك ما يتعلق بالعقيدة كالقضايا التي خاض فيها علماء الكلام، فهي مجال واسع للتناظر، وكذلك ما يتعلق بالأحكام الفقهية، مثل المسائل التي خاض فيها الأئمة و السلف الصالح، وموضوعات أخرى بين هذه وتلك، كالخلافة و نظام الحكم[17].

ثانيا: المتناظران، وهما طرفا المناظرة هدفهما بلوغ الحق، ويسمى البادئ “عارض الموضوع” معللا، و المعترض سائلا.

أو يسمى البادئ “عارض الموضوع” مانعا، و المعترض مستدلا..وذلك تبعا لموضوع المناظرة.

وقد يتغير الأمر أثناء المناظرة فينقلب السائل معللا ، والمعلل سائلا، أو المانع مستدلا و المستدل مانعا.

خامسا: شروط المناظرة

الشرط الأول: أن يكون المتناظران على علم بموضوع التناظر.

الشرط الثاني: أن يكون المتناظران على معرفة بما يحتاج إليه من قوانين المناظرة وقواعدها، حول الموضوع الذي يريدان المناظرة فيه.

الشرط الثالث: أن يكون الموضوع مما يجري فيه التناظر فيه، فالمسلمات و البديهيات لا يجري التناظر فيها.

الشرط الرابع: أن يجري المتناظران مناظرتهما على عرف واحد، فإذا كان الكلام على عرف الفقهاء، فلا يلجأ الطرف الثاني إلى عرف النحاة أو الفلاسفة ونحو ذلك.

سادسا: ضوابط و آداب المناظرة

يمكن إيجاز ضوابط المناظرة على النحو التالي :

  • تصحيح النية (الإخلاص): فيكون القصد من المناظرة النصح وإظهار الحق، وليس للمغالبة.
  • أن يكون الأصل فيها بالكتاب والسنة.
  • أن يكون عالما أو ملما بالمسألة التي يناظر فيها.
  • إظهار روح المودة والأخوة قبل وأثناء وبعد الجدل.
  • ضبط النفس وعدم الإنفعال.
  • المبادرة إلى الرجوع عند ظهور الحق مع صاحبه،فالرجوع إلى الحق وترك ما سواه من خصال أهل الحق.
  • عدم التشهير بخصمك عند غلبته في مجلس المناظرة،فبعض الناس إذا تمكن من غلبه أخيه في مناظرته له، جعل تلك المناظرة فاكهة مجالسه، فيتحدث بها مع كل جليس، وكيف أنه دحض حجج خصمه، وتمكن من تزييف قول صاحبه. وهذا التصرف مشين، وربما يجر إلى باب الرياء والسمعة، ويسبب في نفور أخيه عنه ونشوء الشحناء بينهما.
  • إغلاق باب المناظرة إذا رأيت من الطرف الآخر عنادا وتعنتا،فربما يترتب على استمرار المناظرة بوادر الشحناء والبغضاء، فيغيب الهدف من المناظرة وينصب الشيطان رايته وألويته.[18]

 سابعا: مراحل المناظرة

  1. تنقسم كل مناظرة سليمة إلى ثلاث مراحل:
    المرحلة الأولى: مرحلة (المبادئ)٬ وفي هذه المرحلة يتم تعيين محل النزاع حتى لا يتشتت الفريقان في أطراف غير متطابقة ٬وحتى لا يتكلم كل منهما في واد غير الوادي الذي يتكلم فيه مناظره.
  2. المرحلة الثانية : مرحلة (الأواسط)، وفي هذه المرحلة تقدم الدلائل التي يظهر فيها لزوم المطلوب.
  3. المرحلة الثالثة : مرحلة (المقاطع)٬ وهي مرحلة إذا انتهى البحث إليها انقطع٬ وهو ينقطع إذا انتهى إلى الضروري( وهو اليقين الذي يجب التسليم به بالضرورة العقلية) أوإذا انتهى إلى الظنِّي الذي يُسلِّم به الخصم.

ثامنا: نتيجة المناظرة

إذا عجز ( المعلِّل) عن رد اعتراض (السائل) كان المعلل (مُفحَما) ٬وإذا عجز (السائل) عن تصحيح اعتراضه كان (مُلزَما).

المبحث الثاني: تحليل مناظرة الإمامين الأوزاعي وأبي حنيفة

أولا: نص المناظرة

روى سفيان بن عيينة قال: اجتمع أبو حنيفة و الأوزاعي في دار الخياطين بمكة فقال الأوزاعي: ما بالكم لا ترفعون أيديكم عند الركوع وعند الرفع منه. فقال أبو حنيفة: لأجل أنه لم يصح عن رسول الله فيه شيء. قال: كيف وقد حدثني الزهري عن سالم عن أبيه عن رسول الله صلى الله عليه و سلم أنه كان يرفع يده إذا افتتح الصلاة وعند الركوع وعند الرفع. فقال أبو حنيفة: حدثنا حماد عن إبراهيم عن علقمة و الأسود عن ابن مسعود أن رسول كان لا يرفع يديه إلا عند افتتاح الصلاة ولا يعود إلى شيء من ذلك.

فقال له أبو حنيفة: كان حماد أفقه من الزهري وكان إبراهيم وكان إبراهيم أفقه من سالم، و علقمة ليس دون ابن عمر إن كان لابن عمر صحبة. أو له فضل صحبة. فالأسود له فضل كثير، وعبد الله هو عبد الله، فسكت الأوزاعي[19].

ثانيا: التعريف بأطراف المناظرة

الإمام أبي حنيفة: هو الإمام أبو حنيفة النعمان بن ثابت بن زوطى التميمي، مولاهم الكوفي، ولد سنة 80 هـ، كان ثقة زاهدا ورعا، أراده المنصور على القضاء وضربه عليه فأبى ورعا. قيل إنه رأى أنس بن مالك، وقيل رأى سبعة من الصحابة. وأهم شيوخه عطاء ونافع وعبد الرحمن بن هرمز وحماد بن سليمان وعليه تفقه. وأهم تلامذته: زفر بن الهذيل، وصاحباه أبو يوسف ومحمد بن الحسن الشيباني. توفي ببغداد سنة 150 هـ. من أشهر مؤلفاته: الفقه الأكبر.

الإمام الأوزاعي: هو أبو عمرو عبد الرحمن بن عمرو بن يُحْمَد الأَوْزَاعِيُّ، وقد وُلِد في بَعْلَبَكَّ سنةَ 88هـ، ونشأ في البقاع، وسكن بيروت، يُعَدُّ الإمِامُ الأوزاعي أحد الفُقَهَاءِ الأعلام الذين أثَّرُوا في مَسِيرةِ الفِقْهِ الإِسْلاَمِيِّ، خَاصَّةً في بلادِ الشَّامِ والأَندلُسِ، ومن  شيوخه عطاء بن أبي رباح، والقاسم بن مُخَيْمرة، ومحمد بن سيرين حكايةً، والزهري، ومحمد بن علي الباقر، وإسماعيل بن عبد الله بن أبي المهاجر، وقتادة، وعمرو بن شعيب.. أما تلامذته فمنهم مالك، وشعبة، والثوري، وابن المبارك، وابن أبي الزناد، وعبد الرزاق، ومحمد بن حرب، وخلق كثير. من مؤلفاته كتاب السنن في الفقه.. وفي ببيروت يوم الأحد 28 من صفر سنة 157هـ.

ثالثا: تحليل المناظرة

إن القارئ للمناظرة يدرك أن الإمام الشافعي رحمة الله حاول تصحيح قول الأوزاعي في مسألة رفع اليدين عند الركوع وعند الرفع منه. وركز في ذلك على إبراز فضل المحدثين الذين استشهد بهم وضبطهم للرواية، وأبهم أكثر فقها من الذين استشهد بهم الأوزاعي.

وقد تضمنت المناظرة أفكارا أساسية وكلها تتفرع عن الفكرة المحورية “رفع اليدين عند الركوع وعند الرفع منه” وهي في أبعد تجلياتها حجج اعتمدها كل من المتناظرين “الأوزاعي” و “الشافعي” ليصحح كل منهما رأيه.

فصاحب الدعوى في هذه المناظرة هو الأوزاعي، وموضوعها ” رفع عند الركوع وعند الرفع منه”. وهو المعلل.

يعترض “السائل” الإمام أبو حنيفة على قول الأوزاعي على أن ذلك لم يصح عن النبي صلى الله عليه و سلم فيه شيء.

يعقب الأوزاعي على قول أبي حنيفة، على أن هناك حديثا رواه الزهري عن سالم عن أبيه عن رسول الله عيه الصلاة و السلام، كان يرفع يديه عند افتتاح الصلاة و عند الركوع و عند الرفع.

يعود الإمام أبو حنيفة ليأكد قوله بحديث مروي من طريق آخر، عن حماد عن إبراهيم عن علقمة و الأسود عن ابن مسعود، ويقول بأن رسول الله صلى الله عليه و سلم كان لا يرفع يديه إلا عند افتتاح الصلاة ولا يعود إلى شيء من ذلك.

ويؤكد أبو حنيفة قوله، بإبراز فقه الرواة الذين استشهد بهم، وكذا ضبطهم للرواية أكثر من الذين استشهد بهم الأوزاعي، حيث يقول بأن حماد أفقه من الزهري، وكان إبراهيم أفقه من سالم، وأن علقمة لا يمكن أن يكون دون ابن عمر، إن كان لابن عمر صحبة. أو له فضل صحبة، فالأسود له فضل كثير، وعبد الله هو عبد الله.

وبعد هذه الحجج التي استشهد بها الإمام أبي حنيفة، اقتنع الأوزاعي، فلم يجد مجالا للاعتراض وسكت. وبالتالي آلت نتيجة المناظرة إلى “الإفحام” إذ عجز (السائل) الأوزاعي عن رد قول (المعلل) أبي حنيفة.

نخلص من خلال هذه المناظرة، أن الإمام أبي حنيفة قد اعتراض على “دعوى” الأوزاعي، على أن رفع اليدين عند الركوع وعند الرفع منه لم يرد عن النبي صلى الله عليه و سلم، حيث كانت حججه قائمة على جانب الإسناد ومعرفة الرواة، وهنا تظهر أهمية الإسناد لأنه الطريق الذي حفظت به السنة ، وبه يعلم الحديث الصحيح من السقيم.

ويمكن أن نلاحظ بأن المناظرة كانت ناجحة وبناءة هادفة، وخرجا بنتيجة مثمرة، ذلك الطرفان اتبعا آداب المناظرة التي أشرنا إليها سابقا، خاصة تلك التي حث القرآن الكريم عليها، والتي  تشير إليها الآية الكريمة: (ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن)[20].

ويظهر أن كل منهما كانت رغبته تتجلى في الوصول إلى الحق وإجلاء الصواب، و الدليل على ذلك أن الأوزاعي كف عن الاعتراض و المحاججة حين وقف على الحقيقة التي بررها الإمام أبي حنيفة بالدليل و البرهان.

خاتمة

من خلال هذا البحث، توصلنا إلى مجموعة من الاستنتاجات يمكن إجمال أهمها على لنجو التالي:

أن المناظرة هي عبارة هي علم يتسم بالدقة العلمية، وتقوم على وجود تضاد بين المتناظرين، كل منهما له وجهة نظر معينة يحاول الدفاع عنها، ويكون الهدف هو بلوغ الحق ولانتصار له.

تقوم المناظرة على مجموعة من الأركان والشروط، كما أنها تخضع لمجموعة من الضوابط والآداب التي تميزها عن الجدل المذموم والمراء و السفسطة، إضافة إلى أنها تمر بمراحل وتكون لها نتائج مختلفة.

إن مناظرة الإمام أبي حنيفة للإمام الأوزاعي كانت مثالا للمناظرة الناجحة والهادفة والبناءة، لأنها استوفت كل الشروط والتزم طرفاها بآداب المناظرة والجدال المحمود، لأن همهم لم يكن هو الانتصار للذات أو الرأي، بقدر ماهو سعي مشترك للوصول إلى الحقيقة وبلوغا للصواب.


الهوامش :

[1] لسان العرب، محمد بن مكرم بن علي أبوا الفضل جمال الدين بن منظور النصاري الرويفي الإفريقي (ت711هـ)، الناشر دار صادر، بيروت، ط/3، ج5 ص217.

[2] مفتاح السعادة ومصباح السيادة، طاش كبرى زاده، الناشر دار الكتب العلمية، 2/599.

[3] التعريفات، علي بن محمد بن علي الزين الشريف الجرجاني (المتوفى: 816هـ)، الناشر: دار الكتب العلمية بيروت –لبنان، الطبعة: الأولى 1403هـ -1983م، ص231.

[4] في أصول الحوار وتجديد علم الكلام، د.طه عبد الرحمن، الناشر المركز الثقافي العربي، ص41.

[5] لسان العرب، 4/219.

[6] الانشقاق، الآية 14.

[7] رواه ابن ماجه في سننه، باب ما يدعو به الرجل، 2/1279.

[8] لسان العرب، 4/218.

[9] الكهف، الآية 8.

[10] النحل، الآية، 125

[11] تفسير القرآن العظيم، أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي البصري ثم الدمشقي (المتوفى: 774هـ)، المحقق: محمد حسين شمس الدين، الناشر: دار الكتب العلمية، منشورات محمد علي بيضون – بيروت، الطبعة: الأولى – 1419 هـ، ج4،ص526

[12] آل عمران، الآية 64.

[13] آل عمران، الآية 159.

[14] يس، الآية 78.

[15] البقرة، الآية 258 .

[16] رواه الإمام أحمد في مسنده، باب مسند أنس بن مالك رضي الله عنه، ج19،ص272.

[17] أدب الحوار والمناظرة على جريشة، الناشر دار الوفاء، ط/1، ص65، (بتصرف).

[18] معالم في طريق طلب العلم، عبد العزيز بن محمد بن عبد الله السدحان، ط/3، 1420هـ،1999م، الناشر دار العاصمة، الرياض، ص: من الصفحة 239 إلى 244، (بتصرف).

[19] مسند أبي حنيفة لابن يعقوب، رقم الحديث 358.

[20] النحل، الآية 125.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.