منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

نكاية في السكون المخيف

نكاية في السكون المخيف/ عبد القادر الدحمني

0

نكاية في السكون المخيف

بقلم: عبد القادر الدحمني

ولأنني ها هنا في منفى الحنين، أفكر في شفير النهايات بكثير من اليأس والاستسلام، لكنني سرعان ما أشرئب إلى بارقة أمل رغم كل شيء، تماما كما يفعل مسوق إلى حبل المشنقة، يعاند القدر ويستحلب ما ينقض الحكمَ المُحتَّم. لا شيء مطلقٌ ويقينيٌّ إلى أن يحدث، ولا شيء يحدث إلا وينتهي، فالإمكان دوما نسبي ويحتفظ بقدر من الشك في مدى تحققه.

لا عليكِ، أحيانا أومن بأنك يجب أن تبتري كل حبال الواقع كي تنطلقي بلا كوابح، وأعتقد أنك يجب أن تتسلحي بالكثير من الأنانية لتتخطي حفرة الوقت المتعب في هذا البلد الحزين، فليست الأنانية دوما مسألة سلبية، نحتاجها أحيانا لنستقل بذواتنا عن دوامات الآخرين ورحاهم، نحتاجها لنقول كلمتنا ونرسم خطانا الخاصة بين باقي الأنانيات المتبلدة، والمنغلقة، والمتضخمة..

لكنني في أحايين أخرى، أعتقد أنك تجدِّفين عبثا خارج المدار المطلوب، ولا تفعلين شيئا سوى أنك تحاولين الهرب من نفسك، إذ ليست الطرق المغرية دوما مناسبة، هناك قفزات تتم في الفراغ، بلا حدس، ولا فهم، ولا أبعاد، لكنها تظل رهينة مشيئة خفية، إما توافق قدرا سابقا فتكون قفزة النجاة، وإما تكون الخطوة الأخيرة نحو حافة النهاية.

لا أعتقد أن هناك تناقضا بين الخيارين، هو نفس الإحساس يدفع في اتجاهين يبدوان على طرفي النقيض، إحساس مستعلٍ على النفعية الخاصة، يبدو وجيها، ويدفع في اتجاه الخروج من وضعية “الأزمة” وفعل شيء ما، وإحساس عارم ب”المحافظة” يبدو حريصا على إبقاء الوضع في انحساره و”استقراره”، لأنه، على الأقل، يحقق وهما بوجود إمكانية ما، ثاوية في سجوف الغيب، تنتظر فقط أمر “كن فيكون”.

لكن التاريخ، لا بد أن يتحرك مهما تكلّس، والحياة لا بد أن تستمر مهما حرنت في عقبة ما أو منعطف، والأمور إن لم تتحرك، تتعفّن. الحركة هي نفسها الحياة ومعناها، لكن الحركة لا يكتمل معناها إلا إن تسلحت ببوصلة تضبط الاتجاه، وشحذت نفسها بقيمة، بمعنى، بأفق.

لا عليك، إنني ها هنا في مرفإ الذاكرة المتعبة، أتقلب بين الحنين والألم، أستسلم لحسرتي، وأداري انكساري، وأمضغ كلماتي كالعادة وأنا أتأمل القطار الهارب صوب البعيد، بعدما تأخرت كثيرا عن موعد الإقلاع.

لا أنتظر أن تتعاطفي مع رجل فقد القدرة على المناورة، واستسلم لسطوة الزمن الرمادي، ولا أنتظر أن تذرفي دمعا على موعد مغتال في واضحة النهار، ليس إنكارا لجفافٍ أصاب الدواخل، وتصحُّرٍ يصيب العين جراء الغياب الطويل، وليس إنكارا لتوثُّبِ نبضٍ لم يَحِدْ عن سبيل الوفاء، ولكنْ احتجاجا على رحيل بلا استئذان، وجنازة بصندوق فارغ، فارقه الجسد من مدة طويلة.

لا عليكِ، بإمكانك أن تقفزي بلا تردُّد، فما عادت هنالك من مراسيم أخرى تعيد الروح إلى جسدها المغتال، وقد تأخر الوقت كثيرا عن أوان الإياب، فاقفزي ولا تلتفتي إلى ظل الغريب أبدا، فليست هناك إلا طريقة واحدة لهذه الحياة: أن تمدي خطوتك، أو تقفزي ربحا للوقت ونكاية في السكون المخيف.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.