منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

استغلال الوقت في رمضان (4)سلسلة مقالات الصيام ورمضان وعبودية الجوارح؛

الدكتور أحمد الإدريسي

0

استغلال الوقت في رمضان (4)

سلسلة مقالات الصيام ورمضان وعبودية الجوارح؛

بقـلم: الدكتور أحمد الإدريسي

إن الموفق من أدرك حقيقة الوقت واستوعب قيمته، واستفاد منه فيما يرضي الله عز وجل، وأدرك أن أوقاته في الدنيا إنما هو للتزود للآخرة، كما قال عمر بن عبد العزيز رحمه الله: “إن الدنيا ليست بدار قراركم، كتب الله عليها الفناء، وكتب الله على أهلها الظعن. فكم من عامر موثق عن قليل يخرب، وكم من مقيم مغتبط عما قليل يظعن، فأحسنوا ـ رحمكم الله ـ منها الرحلة، بأحسن ما بحضرتكم من النقلة”[1].

وإذا كان الوقت أثمنَ ما يملك الإنسان، فهو في المقابل أسهل ما يضيع عليه، والمغبون والخاسر حقيقةً هو من فرط في أوقاته وضيعها، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ)[2].

أولا: قيمة الوقت في الأيام الفضلة.

عمر الإنسان هو وقته، هو دنياه وآخرته، فكيف يطيب لبعض الناس إضاعة أوقاتهم، وإتلافها فيما لا ينفع، قال عبد الفتاح أبو غدة: “وقت الإنسان هو عمره في الحقيقة، ومادة حياته الأبدية في النعيم المقيم، ومادة المعيشة الضنك في العذاب الأليم. وهو يمر أسرع من السحاب، فما كان من وقته لله وبالله، فهو حياته وعمره، وغير ذلك ليس محسوبا من حياته وإن عاش فيه طويلا، فهو يعيش عيش البهائم، فإذا قطع وقته في الغفلة والشهوة والأماني الباطلة، وكان خير ما قطعه بالنوم والبطالة: فموت هذا خير له من حياته، وإذا كان العبد وهو في الصلاة: ليس له من الصلاة إلا ما عقل منها، فليس له من عمره إلا ما كان فيه بالله ولله تعالى”[3].

فعلى المؤمن أن يجتنب مضيعات الأوقات، كالاسترسال في الحديث عبر الهاتف لغير حاجة، والخروج المتكرر للأسواق والمجمعات، والقيام بالزيارات التي لا داعي لها، والجلوس أمام التلفاز الساعات الطوال، ولا بد من تعويد الآخرين على احترام أوقاتنا ومواعيدنا، كالاتصال قبل الزيارة، والزيارة لها وقت مخصص ومحدد.

وتعظُـم قيمة الوقت وتزيد أهميته تكبر في مواسم الخير، والأزمنة الفاضلة، وأوقات النفحات والبركات، ومن أعظمها شهر رمضان المبارك، حيث الأجر مضاعف، فحريٌ بمن كان يضيع وقته في غيره أن يعيد النظر في استغلاله، وحريٌ بمن كان يحرص على وقته في غيره أن يضاعف حرصه فيه. فإن من ثمرات صيام رمضان؛ تحقيق التقوى في القلب، والوقاية من الوقوع في المعاصي والذنوب، واستثمار كل أوقاته في الطاعات.

ثانيا: أحوال السلف الصالح مع الوقت وفي رمضان[4].

كان السلف الصالح رحمهم الله يحذرون من تضييع الزمان، (فهم قدوتنا بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم)، وكانوا يحرصون على الاجتهاد في شهر رمضان المبارك، وفيما يلي بعض النماذج للتأسي:

– ذكر الإمام الذهبي عن أبي محمد اللبان أنّه كان يُصلي التراويح بالناس في جميع شهر رمضان المبارك، فإذا انتهت التراويح وانصرف الناس بقي يُصلي إلى أذان الفجر، فإذا صلّى الفجر جلس إلى أصحابه يُدرّسهم.

– قال ابن قيم الجوزية: “الوقت منقض بذاته، منصرم بنفسه، فمن غفل تصرمت أوقاته، وعظم فواته، واشتدت حسراته”. وكان رحمه الله يرى أن من أعظم ما يضيّـعه الإنسان؛ “إضاعة القلب وإضاعة الوقت، فإضاعة القلب من إيثار الدنيا على الآخرة، وإضاعة الوقت من طول الأمل، فاجتمع الفساد كله في اتباع الهوى وطول الأمل، والصلاح كله في اتباع الهدى والاستعداد للقاء، ولكن إذا مات القلب لم يشعر بمعصيته”[5].

– قال داود بن الحصين إنّ القراء كانوا يقومون بسورة البقرة في ثمان ركعاتٍ، ولو جعلوها في اثنتي عشر ركعةً لرأى الناس أنّ في ذلك تخفيفاً عنهم.

– قال الحسن البصري رضي الله عنه: “يا ابن آدم، إنما أنت أيام، فإذا ذهب يوم ذهب بعضك”. وقال أيضا: “أدركت أقواما كانوا على أوقاتهم أشد منكم حرصا على دراهمكم ودنانيركم”.

– كان سيدنا عبد الله بن عمر رضي الله عنه لا يُفطر إلّا مع المساكين، ولو جاء سائلٌ أثناء تناوله لطعامه لأعطاه نصيبه من الطعام.

– قال سيدنا عبد الله بن مسعود، رضي الله عنه: “ما ندمت على شيء ندمي على يوم غربت شمسه، نقص فيه أجلي ولم يزد فيه عملي”.

– قال أحد الصالحين:

والوقت أنفس ما عنيت بحفظه  … وأراه أسهل ما عليك يضيع!

ثالثا: خطوات عملية لاستغلال الوقت في شهر رمضان.

       إذا لم تكن هناك أهداف واضحة ومحددة، فلن يستطيع الإنسان اغتنام الوقت على الوجه الأمثل، وهناك العديد من الوسائل التي تُعين المسلم على استغلال الوقت في شهر رمضان المبارك، وفيما يأتي بعض المقترحات:

– التخطيط المسبق لكل ما تريد إنجازه في هذا الشهر المبارك، وذلك بوضع أهداف واضحة ومحددة، وتنظيم المواعيد، ووقت العمل والفراغ، وليكن فيما نسعى إلى تحقيقه من الأهداف في هذا الشهر المحافظة على الصلاة في أول وقتها، وختم القرآن أكثر من مرة، وصلاة التراويح، والقيام بجزء من القرآن.

– تحديد الأولويات، وتحديد الأعمال التي ينبغي أن تقدَّم، والأعمال التي يمكن أن تؤخر.

– الجلوس مع أفراد الأسرة، وإرشادهم، وتعليمهم ما ينفعهم في الدنيا والآخرة. فكثير من الناس يجلسون في شهر رمضان مع أصحابهم ويقضون أوقاتا طويلة معهم تاركين أهلهم وأقربهم.

– الدعاء عند وقت الإفطار، وأوقات الاستجابة.

– المكوث في المسجد بعد صلاة الفجر، والبقاء فيه إلى طلوع الشمس، ثمّ أداء ركعتين، لينال المسلم بذلك أجر حجّةٍ وعمرةٍ تامّةٍ.

– الحرص على المبادرة بإنجاز العمل قبل أن يحال بينك وبينه، وليحذر التسويف والتأجيل فإنه من أعظم الآفات، قيل لعمر بن عبد العزيز وقد أعياه الإرهاق من كثرة العمل، أخر هذا العمل، فقال: “أعياني عمل يوم واحد، فكيف إذا اجتمع علي عمل يومين؟. واعلم أن كل وقتٍ جديد له واجب جديد”.

– صحبة أصحاب الهمم العالية، الذين يُقـدّرون قيمة الوقت، والذين يعرفون كيف يستثمرونه الاستثمار المرجو والمشروع.

خــاتمـة:

إن مما يؤسف له ما نجده في هذا الشهر الكريم من مظاهر تضييع الأوقات وقَتْل لها من قِبَلِ كثير من الناس؛ وذلك بقضاء الليالي في اللهو والسهر والجلوس أمام الشاشات، وقضاء النهار في النوم، في حين ينبغي أن نستغل كل لحظة من رمضان، وأن يحدث أثرا على سلوك كل مسلم، وزيادة الأعمال التي تقربها إلى الله، وتدارك الأخطاء والتقصير، فإن الوقت إذا لم يُقضَ بالخير قُضي بضده ولا بد.

لذلك يجب على كل واحد منا أن يُـراجع نفسه ويقف معها موقف الجد والحزم ليستثمر كل لحظة من لحظات هذا الشهر الكريم في الطاعة وما يقرب من الله تعالى، فإن أيام الشهر قصيرة وساعاته محدودة سرعان ما تنقضي، ويندم عليها ولا ينفع حينها الندمم، إلا من تاب وعمل صالحا واستدرك ما فات.

والحمد لله رب العالمين.


[1] – يُـنظر: عبد الفتاح أبو غدة. قيمة الزمن عند العلماء.

[2] – الحديث رواه الإمام البخاري في صحيحه.

[3] – عبد الفتاح أبو غدة. قيمة الزمن عند العلماء. الصفحة: 26.

[4] – يُـنظر: عبد الفتاح أبو غدة. قيمة الزمن عند العلماء.

[5] – ابن قيم الجوزية. “الفوائد”. الصفحة: 112.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.